انتخابات تونس... أحلام الربيع العربي تزهر انتصار الشعبوية

الثلاثاء 17 سبتمبر 201906:26 م
Read in English

حقق المرشح المستقل وأستاذ القانون الدستوري قيس سعيّد المفاجأة التي توقعها كثيرون وتصدّر نتائج الانتخابات الرئاسية في تونس. ليس بسيطاً ولا معتاداً أن يأتي رجل من "اللامكان" ويتفوّق على مرشحي الأحزاب الكبرى والسياسيين المتنفذين.

كثيرون تحدثوا عن معاقبة التونسيين للأحزاب الكبرى والشخصيات السياسية التي احتلت المشهد منذ عام 2011 دون أن تقدّم لهم شيئاً، وهذا بديهي. أما وراء ذلك، فهنالك ما يمكن اعتبار أنه ارتداء الربيع العربي لرداء حالة الشعبوية التي تغزو العالم، بدءاً من حركات اليمين الأوروبي وصولاً إلى دونالد ترامب.

انتقل سعيّد (61 عاماً) إلى الجولة الثانية من الانتخابات برفقة "القطب الإعلامي" المسجون بتهمة تبييض الأموال والتحايل الضريبي نبيل القروي (56 عاماً).

وإذا كانت أسباب صعود ظاهرة القروي مفهومة إلى حد بعيد فهو من ناحية مؤسس قناة "نسمة" التلفزيونية ومالكها، وهي من أكثر القنوات مشاهدة في تونس، ومن ناحية ثانية مؤسس جمعية "خليل تونس" الخيرية التي تقدم مساعدات لأبناء المناطق الأفقر في البلاد، وهذه أدوات تقليدية للعمل السياسي في الدول العربية، فإن تفسير صعود سعيّد الناري أصعب.

فالقانوني الملقّب بالـ"روبوكوب" (رجل آلي في فيلم هوليوودي)، بسبب نبرة صوته الثابتة، لم يكن معروفاً قبل عام 2011، وبدأ الناس بالتعرّف عليه بوصفه خبيراً قانونياً تستقبله الشاشات ليعلّق على القضايا القانونية والدستورية التي تحدث عنها التونسيون كثيراً بعد ثورتهم.

صعود الشعبوية التونسية

لم تحقق الثورة للتونسيين ما كانوا يصبون إليه. لم ينتهِ الفقر، وكثيرون يقولون إنه تفاقم، ولم تنته البطالة ويتظاهر خريجو الجامعات والمعاهد دورياً للمطالبة بوظائف... انتزع التونسيون التعددية الحزبية وحريات كثيرة ولكنهم اكتشفوا أن المكتسبات "الكبرى" لا تُلمس في واقع الحياة اليومية.

وأمام هذا الواقع خرجت عليهم خطابات حزبية كثيرة. خرجت حركة النهضة لتتحدث عن قضايا الهوية، وتشكَّل حزب نداء تونس رافعاً شعارات "حداثية"، وظل اليسار ينهل من أدبياته القديمة مستعيضاً عن انفصامه عن الواقع بحماسة بعض قيادييه المتفوهين... ولكن كل هذا المزيج لم يجدِ نفعاً. صعوبات الحياة تزداد كل يوم، وملّ التونسيون من الاستماع إلى برامج مرشحين لأنهم تقريباً سمعوا كل شيء يمكن أن يُقال بدون جدوى.

في هذا المناخ، أطلّ قيس سعيّد الذي يهاجم المنظومة السياسية الحاكمة ويرفع شعار "الشعب يريد" ويعد بـ"إعادة السلطة للشعب" وبـ"مواصلة الثورة" حتى تحقيق التغيير المنشود.

ولكن كيف؟ ماذا سيفعل؟ ما حلوله لمشاكل البلاد؟ هنا تأتي نقطة قوته: لا يمتلك رؤية واضحة ولا يقتنع أساساً بجدوى الرؤى. هو تماماً كالشعب التائه، يريد أموراً كثيرة ولا يعرف كيف يحقق رغباته. يعتبر أن تونس "لم تعد إدراتها ممكنة بالطريقة التقليدية المعهودة" ولكنه لم يقدّم خطة بديلة بل اعتبر أن تقديم برنامج انتخابي غير مجدٍ لأنه "يسوّق للأوهام والأحلام الكاذبة والوعود الزائفة".

يقول سعيّد إن لديه مجموعة من الأفكار سيعرضها لاحقاً على الناس لأخذ رأيهم فيها وللعمل معهم على بناء تونس "على أسس جديدة"، ولكنه لم يفصح عن هذه الأفكار.

إذاً لماذا يترشح طالما لا يمتلك وصفة لتحقيق شعاراته. إجابته بسيطة كمجمل ما يقوله: "أترشح وأنا مكره على ذلك"، لا بل يردد آية {كتب عليكم القتال وهو كره لكم} (البقرة-216).

كل شيء في خطابات سعيّد مطاطي. لا يرى حرجاً من الحديث عن "حركات تعمل في الخفاء" وتشجع على الإرهاب، وأن يجيب عندما يُسأل "مَن هي هذه الأطراف؟": "لست من رجال المخابرات حتى أعلم".

هو بشكل ما "يعرف" كل شيء ولكنه في الوقت نفسه لا يعرف شيئاً. هو "يعرف" إذا كانت الإجابة لا تتطلب سوى عموميات ولكنه لا يعرف إذا طُلبت منه تفاصيل، تماماً كما كل "الشعبويين" حول العالم.

ما يعرفه سعيّد بدون أي شك هو كيف يتقرّب من الرأي العام، من خلال جولات قام بها في الأحياء الشعبية وأقوال على شاكلة "من أعتبره رجل دولة هو عمر بن الخطاب"، في إجابة له عن سؤال "مَن تشبه من السياسيين؟".

مأزق الديمقراطية البرلمانية

يتحدث سعيّد عن ضرورة وضع "تصوّر جديد للفكر السياسي والدستوري والإداري بشكل يختلف عن التصوّر الذي كان قائماً منذ أكثر من 50 سنة"، ويطرح تعديل الدستور التونسي لتحقيق ذلك.

برأيه، ما شهدته تونس بعد الثورة "ليس انتقالاً ديمقراطياً بل هو تواصل واستمرار لمنظومة سابقة تحت غطاء جديد"، ولكسر هذه الحلقة المفرغة، ينبغي تمكين الشعب من الوسائل التي تسمح له بتحقيق ما يريده.

في تحليله للمشهد العام، يستخدم نظريات شائعة وإنْ كان يقدّمها على أنها اكتشافات. يقول مثلاً إن "الديمقراطية النيابية أفلست"، وهي فكرة شائعة في نظريات غربية كثيرة. كذلك يتحدث عن الحاجة إلى "مفاهيم جديدة مختلفة عن ثنائية اليسار واليمين".

وبرأيه، صارت الأحزاب، بعد الثورة التي حصلت على مستوى وسائل التواصل والتكنولوجيات الحديثة، "على هامش الدنيا وفي حالة احتضار"، فـ"الشعوب أصبحت تتحرك خارج الأطر التقليدية ولم تعد في حاجة إلى برامج بل إلى أدوات تمكنها من التعبير عن إرادتها"، و"أيديولوجيا اليوم هي إرادة الشعب"، ويستشهد على ذلك بتظاهرات وول ستريت وبحراكات السترات الصفراء والجزائر والسودان.

كثيرون تحدثوا عن معاقبة التونسيين للأحزاب الكبرى التي احتلت المشهد منذ عام 2011 دون أن تقدّم لهم شيئاً، وهذا بديهي. أما وراء ذلك، فهنالك ما يمكن اعتبار أنه ارتداء الربيع العربي لرداء حالة الشعبوية التي تغزو العالم
متصدّر نتائج الانتخابات الرئاسية التونسية يرفض مشروع قانون المساواة في الإرث لأن "المسألة محسومة بنص قرآني ولا مجال لتأويل نص قرآني واضح"، ويؤيد تعدد الزوجات...

ولكن كيف يمكن تمكين الشعب من تجاوز الديمقراطية البرلمانية؟ هنا يأتي طرحه النظري الوحيد الملموس. يدعو إلى تأسيس مجالس محلية في كل معتمدية (عددها 265، وهي تقسيم إداري أصغر من الولاية) من مهماتها وضع مشروع التنمية في مستوى الجهة. أما البرلمان الوطني فيقترح ألا تجري انتخابات عامة لتحديد أعضائه بل أن يتكون من 265 عضواً، واحد عن كل معتمدية.

هكذا هي صورة تونس في ذهنه. هو ترشح مكرهاً ولن يحكم لأن المرحلة الانتقالية "سيقودها الشعب"، فهو ليس "صاحب التصور"، ويقول: "أريد أن تنبع التصورات من الشعب".

ولا يغيب عن بال أحد أن هذه التغييرات لا يمكن أن يقرّها في تونس رئيس الجمهورية فميزان القوى في البرلمان القادم هو ما يحدد إمكانية أي تغيير للنظام السياسي في البلاد وشكله. ويعرف سعيّد ذلك، ولذلك، فإن النقطة الوحيدة الواضحة في طروحاته هي نقطة يتحكم فيها الآخرون، أما هو فيُبقي لنفسه فكرة أنه يجسّد الشعب، أو يساعد الشعب على تجسيد نفسه.

مراوحة بين حدّين

يراوح خطاب سعيّد بين حدّين: حدّ المحافَظة السياسية والاجتماعية وحدّ رفض المفاهيم الأجنبية والإملاءات الخارجية.

في ما خصّ الحد الثاني، ينتقد "الاستلاب الفكري الشديد" في تونس والعالم العربي، "فالمفاهيم تُصنع في الخارج ونستهلكها في بلادنا كالبضاعة الأجنبية".

يفتح هذا الحد أمامه المجال لدغدغة العواطف الوطنية. ينتقد "القوى الاستعمارية" التي "عملت على القضاء على فكرة الأمة سابقاً"، وتحاول بعد الثورات العربية "ضرب الدول من الداخل خوفاً من الشباب العرب القادرين على الإبداع".

الحد الثاني هذا لا ينفصل عن الحد الأول، أي عن المحافظة السياسية. ينتقد النقاشات التي دارت حول هوية الدولة (إسلامية أم علمانية؟)، مضيفاً أن "الاستعمار لا يتسلل إلى الدول العربية عبر الحدود بل يتسلل عبر عملائه بالداخل"، في تلميح إلى أن كل مطالِب بالعلمانية هو "عميل" لـ"القوى الاستعمارية".

أما في ما خص خطابه المحافظ، هو الذي اتهمه خصومة تارةً بأنه مدعوم من حركة النهضة، وتارةً أخرى بأنه مقرّب من حزب التحرير، ولكنه يصرّ على بعده عن كل الأحزاب ("حزبي الوحيد هو الشعب التونسي")، فيتهرّب من الإجابة عما إذا كان إسلامياً بالقول: "أنا مسلم... والإسلام السياسي من المفاهيم التي تم وضعها من الخارج. الله لم يتوجه إلى الإسلاميين في القرآن. توجه إلى المؤمنين وإلى المسلمين".

من هذا المنطلق، يطالب بأن تعمل الدولة على تحقيق مقاصد الشريعة، وهي خمسة: النفس والعرض والمال والدين والحرية، ويرفض مشروع قانون المساواة في الإرث لأن "المسألة محسومة بنص قرآني ولا مجال لتأويل نص قرآني واضح"، كما في مسألة تعدد الزوجات أيضاً.

ومن هذا المنطلق يهاجم المثليين جنسياً (يسمّيهم "الشواذ") ويتهمهم بتلقي دعم من الخارج "لضرب الأمة وضرب الدولة"، لا بل يروّج لقصة أن "أحد الطلبة الذكور تم إغراؤه بالمال وصار يتزين كما تتزين البنات وتحصل على المال من جهات أجنبية".

أساساً هو مع "إيقاف دعم كل الجمعيات سواء من الداخل أو من الخارج لأنها مطية للتدخل في شؤوننا".

الآن، سيتواجه سعيّد مع القروي في الجولة الثانية، وعلى الأرجح سيفوز ويفوز معه المزاج الشعبوي، فخطابه لا خطاب خصمه هو الأقدر على جذب جمهور الإسلاميين المحافظين الذين توزّعت أصواتهم على عدة مرشحين في الجولة الأولى.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard