مكتئبات وغاضبات… رجال يدفعون زوجاتهم للولادة القيصرية لمواصلة إشباع غرائزهم

الأربعاء 18 سبتمبر 201908:14 م

انتظرت آية، شابة لم تبلغ عامها العشرين بعد، موعد ولادتها بفارغ الصبر، اعتبرت طفلها تعويضاً عن الأيام القليلة ولكن شديدة الصعوبة، التي عانتها مع والده صعب المعشر والمدمن على المخدرات، والذي لم تقض في بيته سوى عدة أشهر تحت الضرب والإهانة، وخرجت منه بورقة طلاق، وجنين في رحمها.

لم تكن آية، التي تسكن في قرية بمحافظة الشرقية بمصر، قد قرّرت بعد طبيعة العملية التي ستضع بها طفلها، فالطبيب طلب منها أن تُقرّر وفق ظروفها المادية.

تكلّف الولادة القيصرية ضعف تكلفة الطبيعية على الأقل، وتصل لثلاثة أضعاف أو أكثر في بعض الحالات، إلا أنَّ آية سمعت جارة تتحدّث مع أمها قائلة: "ولّديها قيصري، بنتك شابة وحلوة خليها بحالتها عشان تتجوز تاني".

"حُرّة ومهبلها ضيّق"

اقتنعت والدة آية أنَّ الولادة القيصرية ستُجنّب ابنتها الإصابة بإحدى المضاعفات التي ترتبط بالولادة الطبيعية، وهي اتساع المهبل، ومثلها يعتقد كثيرون، وأصرّت أن تضع ابنتها وليدها بجراحةٍ قيصرية، لتزيد فرصها في زواج جديد.

وضعت آية طفلها بجراحةٍ قيصريةٍ في موعد مبكر عن الموعد الطبيعي لولادته، بحسب روايتها لرصيف22، بعد حساب غير دقيق لموعد حدوث الحمل، ومن ثمَّ الولادة، وتأكيدات الجدَّة على الطبيب بألا يدع مجالاً لحدوث الولادة الطبيعية. لم يستطع الصغير التنفس بصورةٍ طبيعيةٍ، وأصيب بمجموعة من المضاعفات، ليفارق أمه التي كانت تنتظر احتضانه، ويدفنه والدُها وشقيقُها دون أن يخبراها، ظنَّاً منهما أنَّ ذلك سيقلِّل ألمها.

من وجهة نظر والدة آية وجارتها، تخلَّصت الشابة من آثار زيجتها الفاشلة كاملة، وهي الآن حرّة تماماً بلا طفل يعوق فرصتها في الحصول على زوج جديد، ولكن الشابة خالفت توقعاتهم وأصيبت باكتئابٍ حاد، حاولت إثره الانتحار مرتين.

تقول منظمة الصحة العالمية، إن نسبة العمليات القيصرية الاختيارية في مصر، ازدادت بأكثر من الضعف بين عامي 2005 و2014، لتصبح ثالث أعلى دولة في العالم في معدّل الولادات القيصرية، حيث قفزت نسبتها من 20% إلى 52% من مجموع الولادات، بينما تعتبر المنظمة أن زيادة النسبة عن 15% يشير لتدخلٍ طبي غير ضروري.

  الدكتور محمد مراد، المدير السابق لمستشفى الجلاء المختصة بالولادة وأمراض النساء، قدّر في حوار سابق له مع صحيفة قومية، نسبة الولادات القيصرية حالياً بما يزيد عن 70%، وقدر تكلفتها بنصف مليار جنيه سنوياً.

ظنَّت والدة آية بموت الطفل، وإنجابها بعملية قيصرية لتحافظ على ضيق مهبلها، أنها "حرة"، وفرصتها في الزواج أكبر، ولكنّ آية أصيبت باكتئاب، وحاولت الانتحار

وترى هبة أبو زيد، الباحثة بالمركز القومي للبحوث، وأخصائية أمراض النساء والتوليد، أنّ الأطباء يتحمّلون بنسبةٍ كبيرة تزايد عمليات الولادة القيصرية، وأن الأطباء يعتمدونها بصورة أكبر لأنها أكثر سهولة من الطبيعية، بحسب تصريحات لرصيف22.

فوبيا الولادة الطبيعية

قرّرت سهام، اسم مستعار (35 عاماً) ربة منزل ومقيمة في القاهرة، أن تتحدث مع زوجها الذي ابتعد عنها كثيراً بعد مولد طفلهما الثالث، ظنت أن اهتمامها برضيعها وإخوته أغضبه، ولكنه نفى، وتحدَّث عن ضغوط العمل والغلاء ومصاريف المنزل والأطفال الثلاثة.

حاولت أن تعيد علاقتهما لمسارها القديم، ولكنه ظل عصبياً ونافراً، وينهي علاقتهما الخاصة النادرة الحدوث بضيق، صمتت لشهور وازدادت عصبيةً وغضباً مكتوماً يشتعل فجأة ليتشاجرا دون سبب حقيقي، حتى أخبرها في إحدى مشاجراتهما أنه يتحمّلها لأجل أبنائه وأنها لم تعد تصلح زوجة، فطلبت الطلاق، بحسب روايتها لرصيف22.

تحدث أخيراً، أخبرها أنه يشعر بالضيق منذ ولادتها الأخيرة لعدم قدرته على الاستمتاع بعلاقتهما الحميمة، بسبب اتساع مهبلها بفعل الولادات الطبيعية الثلاث المتتالية، لتبدأ رحلتها الفاشلة في اللجوء لأعشابٍ طبيعيةٍ وكريمات تتداول عبر الإنترنت، وانتهت كلها بلا نتيجة بل وأصابتها بعضها بالحساسية والالتهابات.

أخبرها أنه يشعر بالضيق لعدم  قدرته على الاستمتاع بعلاقتهما الحميمية، بسبب اتساع مهبلها بعد الولادات الطبيعية، لتبدأ رحلتها الفاشلة في تضييقه

تعلق هبة أبو زيد: إنَّ كثيرات يعانين من اتساع المهبل كواحدةٍ من مضاعفات الولادات الطبيعية المتكرّرة، وإن تراجعت نسب تلك المشكلة مقارنة بالماضي، نظراً لأن معظم السيدات حالياً يكتفين بطفلٍ أو اثنين، ولكن الولادات المتكررة تزيد من الضرر الذي يلحق بهذه المنطقة.

طلب الزوج من سهام، إجراء عملية لتضييق المهبل، وبشّرها بعودة علاقتهما وحياتهما لمسارها الصحيح، لم ترفض الأم الثلاثينية ولكنها لم توافق أيضاً، ألح في طلبه، وليطمئنها أخبرها أن زوجة صديق له أجرتها مرتين وأن علاقتهما "زي العرسان"، ولكنها لا تعرف إن كانت قصة صديقه حقيقية أم أنه يحاول إقناعها فقط.

كانت سهام محرجة، وخائفة، وحزينة، بسبب إصرار الزوج على عملية تضييق المهبل

مضى أسبوع ولم ترد سهام، تقول لرصيف22 أنها كانت محرجة وخائفة وحزينة أيضاً من زوجها وإن لم تلمه، ترد على نفسها كلما شعرت بالخذلان، "عايز حقه ما هو راجل"، ولكنها فوجئت بتهديده لها بالطلاق إن لم تجر العملية، ذهبت تلك المرة لبيت أهلها، أمضت لديهم شهراً، وعندما حاول استرضاءها استجابت مضطرة، بعد تلميح ثم تصريح أهلها بضيقهم من أطفالها الثلاثة، ورفضهم لطلاقها.

خضعت سهام لعملية تضييق المهبل بالليزر، وتتم خلال عدد من الجلسات في كثير من مراكز التجميل، وتستغرق ستة إلى ثمانية جلسات، ودفع زوجها راضياً أكثر من 1200 دولاراً تكلفة الجلسات، وهو ما يعادل راتبه كاملاً في أربعة أشهر.

التضييق الجراحي بجمع أنسجة الحوض الضعيفة، وشد جدران المهبل المرتخية، حل آخر أقل تكلفة طرحه الطبيب، ولكن رفضته الزوجة ككثيرات غيرها باعتباره جراحة أخرى بمنطقة حساسة، تستلزم تخديراً ووقتاً للتعافي وهواجس من مضاعفاتٍ إضافية.

تشير طبيبة النساء والتوليد هبة أبو زيد، إلى أن إصلاح اتساع المهبل الناتج عن الولادات المتكررة يتم بطريقةٍ فعّالةٍ من خلال الجراحة التي يقوم بها طبيب النساء، ويقوم خلالها بشد المهبل ليعيده إلى الوضع الأقرب لوضعه الطبيعي، ويفضل أن يتم هذا الإجراء في عمليةٍ مستقلةٍ بعد الولادة بفترة، حتى تعود أنسجة الجسم لوضعها الطبيعي، وأضافت أن تقنية "الهايفو" التجميلية تستخدم أيضاً لعلاج نفس المشكلة، ولكنها أكثر تكلفة بكثير، لذا فكلا النوعين له جمهوره.

هناك مجموعة من المضاعفات التي قد تصيب النساء بعد الخضوع للولادة الطبيعية، ويحددها الموقع الطبي المتخصص "مايو كلينيك"، في التمزقات المهبلية، صعوبة قصيرة الأمد في التبوّل، سلس البول أو البراز قصير أو طويل الأمد، البواسير، التهاب المهبل، ألم في منطقة العجان، ضعف عضلات الحوض، وتوسع المهبل خاصة مع الولادات المتكررة.

"الولادة الطبيعية تنشّط عضلات الجنين"

كانت مي، معلمة (25 عاماً) تسكن بالجيزة،  في شهرها السادس، حين صادفتها مشكلة سيدة على واحدة من مجموعات السيدات المغلقة على موقع فيس بوك، تطلب فيها وصفات طبيعية لتضييق المهبل بعد الولادة الطبيعية، شعرت بالقلق، وبدأت القراءة عن السبب في تلك المشكلة ووجدت أنها بالفعل إحدى مضاعفات الولادة الطبيعية.

تقول مي أنّها تخاف من الشعور بالألم نتيجة الولادة الطبيعية، وتأثيراتها السلبية على "الحميمية"

تقول مي لرصيف22 أنها تخاف بالفعل مما يتردد عن الشعور بالألم نتيجة الولادة الطبيعية، والآن لديها سبب آخر فهي لا ترغب في أي تأثيرات سلبية على علاقتها الحميمة، فهي كما تصف نفسها "لسة عروسة"، حملت في الشهور الأولى من زواجها، ولم تستمتع بحياتها بعد، لذا قرّرت أن تضع طفلتها بجراحةٍ قيصرية، رغم اعتقادها أن الطبيعية أفضل.

لم تتمكن طفلة مي من التنفّس بصورةٍ طبيعية، وانفطر قلب والدتها التي كانت تشعر بالذنب بسبب قرارها وضعها بجراحة قيصرية، رغم تلميح طبيبها العابر أن الولادة الطبيعية ممكنة، وزاد ألمها ما أخبرها به طبيب الحضانة ولكن متأخراً جداً عن أهمية انقباضات الرحم، أو ما يعرف بالطلق، لتنشيط أعضاء الجنين لتبدأ العمل بصورة طبيعية عند الولادة، وهو تنبيه لا يحظى به الطفل الذي يولد قيصرياً.

بعد عشرة أيام في الحضانة خرجت طفلة مي، كانت الأم وطفلتها منهكتين، مضى وقت طويل قبل أن تتعافى الصغيرة تماماً، وتتخلص من آثار نقص الوزن الشديد وضعف المناعة لعدم حصولها على التغذية المناسبة في أيامها الأولى، ولتتخلص الأم من هواجسها وقلقها الذي كاد يتحول مرضياً، لولا مساعدة بعض القريبين منها.

تؤكد طبيبة النساء والتوليد هبة أبو زيد، أن ممارسة السيدات لتمارين كيجل بعد الولادة الطبيعية، بالإضافة إلى الخياطة الجراحية التي يقوم بها الطبيب أثناء عملية الولادة الطبيعية، كفيلان بالتقليل من الآثار السلبية للولادة الطبيعية على العلاقة الحميمة، خاصة في الولادات الأولى، أما الولادات المتكررة فقد تتطلب تدخلا جراحياً أو تجميلياً.

وفي النهاية، رغبة الرجال في علاقات حميمية مشبعة مهمّة، وللمرأة أيضا، ولكن تلك الرغبات أحياناً تصبح دافعاً لتدخل جراحي غير ضروري يتجاهل آلام الأم النفسية والجسدية، وحياة وصحّة المولود. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard