تحفة معمارية أم مكان للأرواح وعبدة الشيطان؟... قصر البارون إمبان في مصر وما يدور حوله

الخميس 19 سبتمبر 201902:43 م

وسط حالة من الجدل، وانتقادات واسعة من جانب مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، تقوم الحكومة المصرية، بترميم أحد أعرق وأهم القصور التاريخية بالعاصمة (القاهرة)، قصر البارون إمبان، بمنطقة هليوبوليس بمصر الجديدة. هذا الجدل الذي عادة ما يُثار، عقب القيام بأيّ عملية ترميم للتماثيل الشهيرة، والأماكن الأثرية، فهناك اتهام دائم بانتهاك الشكل التاريخي الأصلي، وهو ذاك الاتهام الذي طال مؤخرًا اللجنةَ التي تقوم بترميم قصر البارون، حيث تداول نشطاء الفيس بوك، صورًا تاريخية للقصر، يبرز فيها اختلاف لونه الأصلي عن الجديد الذي استخدمته اللجنة في عملية الترميم.



تشكيل مصر الجديدة

في نهايات القرن التاسع عشر، رست على شطّ قناة السويس، سفينة قادمة من الهند، على متنها المليونير البلجيكي البارون إمبان (20 سبتمبر 1852 – 22 يوليو 1929)، وهو مهندس فذّ، ورحاله شهير، منحه ملك فرنسا، لقب "بارون"، تقديراً لمجهوداته في إنشاء مترو باريس. كان السفر هوايته الأثيرة، فسافر إلى المكسيك، والبرازيل، وغيرها من بلدان أمريكا الجنوبية، ومنها إلى الهند، وكانت مصر، محطته الأخيرة.

قرّر البارون إمبان تشييدَ قصره الخاص، فكان قصرًا أسطوريًا، صممه المعماري الفرنسي ألكسندر مارسيل، واكتمل البناء في عام 1911، حيث خرجت من باطن الصحراء تحفةٌ معمارية لا تغيب عنها الشمس

وفور وصوله إلى القاهرة، عشق البارونُ مصرَ، واتّخذ قرارًا مصيريًا بالبقاء فيها حتى وفاته، حيث كتب في وصيته أن يدفن في تراب مصر حتى لو وافته المنية خارجها، وكان على من اتخذ هذا القرار المصيريّ أن يبحث عن مكان دائم ليقيم فيه، وكان أغرب ما في الأمر هو اختيار البارون لمكان في الصحراء، شرق القاهرة، حيث عرض على الحكومة المصرية، إقامة حيّ جديد في ذلك المكان، واختار له اسم "هليوبوليس" أي مدينة الشمس.

وحتى يستطيع جذب الناس إلى المدينة الجديدة التي سميت في ما بعد بـ"مصر الجديدة"، كلف المهندس البلجيكي أندريه برشلو، بإنشاء خط مترو، يربط المدينة الجديدة بالقاهرة، ثمّ أقام عدة منازل على الطراز البلجيكي الكلاسيكي، وحولها الكثير من الحدائق، كما أنشأ فندق "هيليوبوليس" الذي ضُمّ في ما بعد إلى قصور الرئاسة في مصر، ويعرف بـ"قصر الاتحادية" الذي كان محورًا للكثير من الأحداث منذ اندلاع ثورة 25 يناير.

في ذلك التوقيت، قرّر البارون إمبان تشييدَ قصره الخاص، فكان قصرًا أسطوريًا، صممه المعماري الفرنسي ألكسندر مارسيل، واكتمل البناء في عام 1911، حيث خرجت من باطن الصحراء تحفةٌ معمارية لا تغيب عنها الشمس. يتكوّن القصر من طابقين، ويقع على مساحة 12 ونصف ألف متر، يقترب في تصميمه وزخرفته من المعابد الهندوسية، فشرفات القصر محمولة على تماثيل للفيلة الهندية، وجدرانه مزينة بحيوانات أسطورية، وتماثيل مرمرية لراقصات هنديات، وفرسان يحملون السيوف.

أما داخل القصر، فكان عبارة عن متحف، حيث يضمّ تحف وتماثيل من الذهب والبلاتين، وفي قاعة المائدة توزّعت رسوم مأخوذة من مايكل آنجلو ودا فينشي ورامبرانت، وهناك ساعة أثرية قديمة، يقال إنها لا مثيل لها إلا في قصر باكنغهام الملكي بلندن، توضح الوقت بالدقائق والساعات والأيام والشهور والسنين، مع توضيح تغييرات أوجه القمر ودرجات الحرارة، وفي أعلى القصر، برج يدور على قاعدة متحركة، دورة كاملة كلّ ساعة، ليتيح لمن يجلس به أن يشاهد ماحوله في جميع الاتجاهات.



الألوان الأصلية للقصر

وزير الآثار المصري قال: إن العمل يهدف لإعادة القصر إلى ما كان عليه سابقاً، مع الحفاظ على التراث المعمارى النادر له، ويشمل مشروع إعادة توظيف القصر، إقامةَ معرض يتضمن تاريخ حيّ مصر الجديدة وهليوبوليس عبر العصور. وتجري عمليات الترميم في المبنى الأثري الذي يقع على مساحة 4000 متر، والحديقة الخاصّة به، وتمّ إزالة الأسوار الحديدية غير الأثرية التي تمّ إنشاؤها حول القصر عام ٢٠٠٦ لسوء حالتها، كما أنها لا تتلاءم مع القيمة الأثرية والمعمارية للقصر.

وقد قرّر ألّا يتمّ بناء سور حجري بدلًا منها، فتمّت الاستعانة بالرسومات الأصلية للقصر والمنفذة من قبل المهندس ألكسندر مارسيل، لإنشاء أسوارٍ بنفس تصميم الأسوار الأثرية القديمة، حتى لا يتمّ إعاقة أو حجب الرؤية أمام المارّة.

وفي تعليقهم على الانتقادات الموجهه للجنة التي تقوم بعملية الترميم، أشار المسئولون عن ترميم مناطق القاهرة التاريخية : إن ألوان الواجهات الخاصة بقصر البارون التي استخدمتْها اللجنة، هي نفس ألوانه الأصلية، وأن القائمين على عمليات الترميم اتخذوا كافة الإجراءات اللازمة، من اختبارات وتحاليل وتوثيق فوتوغرافي ومعماريّ لمظاهر التلف، لوضعِ الخطط اللازمة، وعمل العينات المطلوبة بأساليب الترميم العلمية المتبعة، والتي أظهرت الألوان الأصلية لجميع الواجهات، وبناءً عليه تمّ إجراء عملية الترميم لتلك الواجهات طبقًا للألوان الأصلية، والتي تشوّهت نتيجة للعوامل الجوية.

المهندس الاستشاري وخبير العروض المتحفية كريم الشابوري، له رؤية خاصة حول عملية الترميم، يوضحها في حديثه لـرصيف 22، قائلًا: "من المهمّ الإشارةُ إلي أفضلية استخدام مصطلح (الحفاظ) بدلاً من مصطلح (الترميم)، ذلك أن الترميم هو عملية (تقنية)، المعنى اللغوي المباشر لها re-store، وكذلك بداية ممارستها تاريخياً كفعل كان تطبيقًا لإعادة الشيء لأصله bring-back، في حين أن الحفاظ عملية نقدية بالأساس، تهدف إلى الدراسة والتقييم والتحليل بغرض تحديد طبيعة القيمة أو القيم التي يتوجب الحفاظ عليها، ومن ثمّ تحديد طبيعة وحجم التدخل (التقني المناسب)."

وتابع كريم الشابوري: "هذا التدخّل قد يكون ظاهريًا أو غيرَ ظاهري، بمعنى أن تغَير المظهر أو بقاءه على حاله ليس دليلًا على نجاح عملية التدخل وفشلها، لأن الأمرَ لا يخضع للظاهر فقط. والمراد من عملية تحديد القيَم هو الحفاظ عليها، وحالة قصر البارون هي بالتأكيد عملية معقدة، ولا يمكن اختزالها من خلال انطباعتنا الشخصية دون دراسة مدققة ومنهجية، إلا أنه من خلال الظاهر العيان والتاريخ المعلوم، إن المبنى يحمل أولاً قيمة فنية مرتبطة بطرازه الفريد (فريد لتواجده خارج محيطه الجغرافي والثقافي)، ويحمل ثانياً قيمة تاريخية مرتبطة بشخص منشأه وتاريخ الضاحية التي يعتبر أبرز ملامحها، إلا أنه لا يحمل قيمة قِدم، أي أن شكله الظاهري يوحي بعمر يتجاوز عمره الفعلي نتيجة لإهماله وهجره على امتداد سنوات طويلة، وهذه الصورة الظاهرية خادعة وغير حقيقية، وبالتالي لا تحمل قيمة تستوجب الحفاظ، وهذا لا يبرّر بالضرورة إعادة الطلاء من عدمه، ولكن يبرّر منطق إعادة أصل اللون سواء من خلال "التنظيف" أو "إعادة الصبغ"، وفقاً لتقييم الحالة ورؤية ومبررات اتّخاذ القرار.



القصر المهجور وعبدة الشيطان

للبارون إمبان صاحب القصر الشهير، قصة مثيرة وغامضة، أثيرت بعد وفاته بمرض الاكتئاب، تلك القصة نسج منها المصريون، الكثير من الحكايات التي تقترب من الأساطير، فالمخيلة الشعبية المصرية، لم تتعامل مع قصر البارون، كمكان أثري وحسب، بل أحاطته بالخرافة، وحولته إلى بيت أشباح، يسكنه العفاريت، وعبدة الشيطان، وتتجول فيه روح البارونه هيلانة.

الغرفة المحرمة في القصر، أثارت المخيلة الشعبية المصرية، لنسج الحكايات الخرافية حول الأرواح والعفاريت التي تسكن القصر، وهناك حكاية يردّدها الأهالي القدامى، تقول إن البارونة "هيلانة"، شقيقة البارون إمبان، قد صبّت لعناتها على القصرِ بسببِ تخاذل أخيها عن إنقاذها من الموت، إثر سقوطها المدوي من شرفة غرفتها

كانت وفاة البارون إمبان في يوليو عام 1929، بداية لسنوات طويلة من الإهمال التي حولت قصره إلى مكان مهجور، حيث طال الخراب حدائقه الغنية، وكان هناك صراع حول الورثه، ومن أراد شراءه واستثماره. هذا الصراع ظلّ قائمًا، حتى اتّخذت الحكومة المصرية قرارًا بضمِّه إلى وزارة الآثار، وظلّ القصر على حالته المتردّية، حتى صدر قرار ترميمه في عام 2017.

القصر المهجور، كان مكانًا مناسبًا ومثيرًا لدى مجموعة من الشباب لإقامة الحفلات الليلية؛ ففي عام 1997، شهد الرأي العام المصري القضية الأولى من نوعها حول "عبدة الشيطان"، حيث تسلّل مجموعة من الشباب ليلًا إلى القصر، وأقاموا حفلًا صاخبًا على إيقاعات الـ"بلاك ميتال"، وكان هذا الحفل، بداية للأساطير التي نسجها المصريون حول قصر البارون، حيث تردّدت بين الجيران، أحاديثُ حول عفاريت وشياطين القصر، الذين يشعلون الأضواء ويتجوّلون في الحجرات ليلًا.


الغرفة المحرمة وروح البارونة هيلانة

ثمة تعاسة وغموض، أحاطا بحياة البارون إمبان، حيث ولد بعرج في قدمه، كما كان مريضًا بالصّرع، تأتيه النوبة، فيظلّ مغمى عليه في الحديقة بجوار كلبِه، إلى أن تشرق الشمس. وهناك غرفة مسحورة في القصر، حرم البارون أن يدخلها أحد غيره، وهي غرفة وردية ببدروم القصر، تفتح أبوابها على مدخل السرداب الطويل الممتدّ لكنيسة البازيليك، والتي دفن فيها البارون بعد موته.

هذه الغرفة المحرمة، أثارت المخيلة الشعبية المصرية، لنسج الحكايات الخرافية حول الأرواح والعفاريت التي تسكن القصر، وهناك حكاية يردّدها أهالي حي مصر الجديدة القدامى، تقول إن البارونة "هيلانة"، شقيقة البارون إمبان، قد صبّت لعناتها على القصرِ بسببِ تخاذل أخيها (البارون إمبان) عن إنقاذها من الموت، إثر سقوطها المدوي من شرفة غرفتها، بينما كان "إمبان"، يدور ببرجه ناحية الجنوب، وكانت أولى اللعنات، توقف تروس البرج عن الدوران منذ تاريخ موتها عام 1922.

وثمة حكايات أخرى عن قيام البارون بتحضير روح أخته، والاعتذار لها عن تأخره في إنقاذها، لكن "هيلانة" رفضت الاعتذار، وكان ذلك سببًا في حالة الاكتئاب التي أصابت البارون إمبان حتى وفاته.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard