رسالة وائل غنيم "الشاذة" في عالم افتراضي "عاقل وشجاع"

الاثنين 16 سبتمبر 201906:14 م

السوشيال ميديا تمنحك لحظات ومضات، مكافئات ومضات، سريعة، حادة، ثم تختفي، لتحل محلّها ومضات أخرى، ما فعله وائل غنيم هو كسر تسارع تلك الومضات، لقد وقفنا، لحظة مرعبة أيضاً، رغب أن نكفر بابتساماتنا وتقدمنا المهني ونضجنا ونغوص داخل أنفسنا، حيث الأشياء التي لا نحب أن نراها، أنصاف معارك، مخاوف تحولت لأشباح مخيفة، الجنون.

على مدار السنوات التي قضيتها أقرأ لميشيل فوكو، ونيتشه، وأوشو، وكريشنا مورتي، كنت أتساءل، وأنا أفضّل بشكلٍ متعصّب "الكتاب" كوسيط لايزال يحتفظ بثوريته في نقل خبراتنا ومعارفنا، ويساعدنا في إدراكنا لهويتنا والعالم الذي نعيش فيه، أتساءل ماذا لو كان لهؤلاء حسابات على السوشيال ميديا وقاموا بالتعبير عن أفكارهم وحالاتهم على فيسبوك وانستغرام بشكل بصري، كيف يمكن أن نراهم ونتفاعل مع أفكارهم؟

أحياناً أتخيل ضاحكاً نيتشه بشنبه "الصعيدي" وشعره "المنكوش" وهو يلتقط فيديو لنفسه ضاحكاً وهاتفاً: "الله مات".

بسبب سيل المواد البصرية نفقد رويداً رويداً "التفكير العميق"، أن نقف حول فكرةٍ وحالة طويلاً، ونفقد احترامنا لتلك الحالة "العمق".

لقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في "عبادة الصورة"، تحويل المعارف والخبرات البشرية إلى صورٍ مستهلكة متسارعة.

أحياناً أتخيل ضاحكاً نيتشه بشنبه "الصعيدي" وشعره "المنكوش" وهو يلتقط فيديو لنفسه ضاحكاً وهاتفاً: "الله مات"

يقدّم برنارد نويل مؤلف "الموجز في الإهانة" تحليلاً رائعاً حول الوسيط البصري وما يفعله بإدراكنا، فالفضاء البصري والذهني مترابطان دائماً بطريقةٍ غير محايدة، وكثرة مشاهدات فيديوهات يوماً بعد يوم ستحوّل المتفرّج إلى شخص كسول، كسول عن تكوين وعيه بنفسه، سيصبح ذا عقلٍ "جاهز" ومستقبل، وكما اقتبس الكاتب من مدير القناة الفرنسية الأولى، أن مهمته في التلفزيون "صناعة أدمغة جاهزة"، لترويج إعلانات كوكاكولا.

السوشيال ميديا حولت الأدمغة من "الجاهزة" للإعلانات، إلى "المُبَرمَجة" للإعلان.

في السوشيال ميديا يصل الكسل والاستسلام إلى الذروة.

ويفرّق الكتاب بين "الاستهلاك" و"الإبداع"، كلما قلّ المجهود الذهني والنفسي الذي تبذله يتحول الأمر إلى استهلاك، فأن تشاهد ما يفتنك في فيلم أو مسلسل أو فيديو على السوشيال ميديا يختلف تماماً عندما تشاهدها في المواصلات أو في سهرة أو احتفال، بحسب الكتاب، عقلك في "الواقع" يتفاعل أكثر مع ما يراه، يتحرّك، يكون إيجابياً، أما خلف الشاشة فهو جاهز بشكل سلبي لما يريده المعلنون أو المبرمجون، وكما يقولون في وادي السليكون: "إن لم تكن مبَرمِجاً فأنت مبَرمَج".

ماذا فعل وائل غنيم؟

بمجرّد أن تكتب أو تتفاعل في المحيط الاجتماعي يفقد فعلك "خصوصيته" ويصبح "ملكاً" للمشاهد/ المتلقي، يتفاعل معه كما يشاء، بحسب رؤية المتصوفة والمتأملين، العالم كله في الرأس، هذه الفانتازيا الساحرة والموجعة لا حقيقة لها سوى في رأسك، وتقنيات التأمّل هو تدريب لك على أن تكون أنت إلهك، ليس لتحسين مستواك المهني أو لكفاءة تفاعلاتك الاجتماعية، ولكن لاختبار الحياة بطريقٍة أجمل وبمعنى أكبر.

التأمّل، إذا استخدمنا مفردات نويل، هو النقيض للعقل الجاهز للاستهلاك، هو التفاعل الإبداعي مع كل ما هو موجود.

ولكنه يتطلب وقتاً طويلاً ونحن لم يعد لدينا وقت للنزول على أرجلنا واختيار المطاعم، أو لعقد علاقةٍ بوتيرةٍ ستينية أو سبعينية، وباتت الأنشطة الاجتماعية غير الهادفة للربح، القراءة، الزواج، الحبل والولادة وإرضاع وتربية طفل، الحضرات الصوفية، التأمل، الضياع في بلاد غريبة وأشخاص غرباء، ولكن لدينا وقت طويل للتفاعل على السوشيال ميديا، وإذا طرأ في ذهننا "سؤال عميق" فنفضل "استهلاك" الإجابة بالمواد البصرية السريعة.

بحسبي أنا، الذي لازلت أفضل الوسيط المكتوب والمقروء البعيد عن التكنولوجيا، سواء في عملي أو قراءاتي أو تفاعلي مع شريكتي، والمتأثر بالتأمل وعقاقير المشروم وبعض "الرؤى الصوفية"، وأنا أشاهد فيديو وائل غنيم، أن ما رأيته شكّل لي "نقلةً" نوعية في سلوكيات الشخصيات العامة، نقلة بدأها وائل غنيم من "عرض الذات الاستراتيجية" إلى "عرض الذات الحقيقية".

فيديو "غنيم" هو رسالة تذكير موجعة، أننا رغم هدوئنا الظاهر وشخصياتنا، التي لا يعرفها حق المعرفة سوى أطباء العيادات النفسية، هي الصورة المناقضة لنمط المحاكاة في انستغرام، وفيسبوك، الناجحون السعداء أو المناضلون العقلاء

رسالة غنيم موجعة... لقد "فتنا" كثيراً بالسياسة إلى الدرجة التي أنستنا فيها إنسانيتنا، لم نسأل أو نتساءل ما يحدث لقلب امرأة موجوع، وللشهامة التي فقدها زعماء في التعامل مع خصومهم؟

بحسب الباحث الاجتماعي إيفرنغ غوفمان، فإن الناس تتصرف في حياتها بما يشبه خشبة المسرح، وتصرفاتهم نوعان: عرض الذات الحقيقية، وهو ما ينطبق على سلوكيات الناس العادية، سلوك يعكسك بلا أقنعة، ولغة جسدك متلائمة مع ما تتحدّث عنه، إذا كنت غاضباً من زوجتك، ستصرخ، تتأفف، تصفق الباب خلفك، وإن كنت تعلم طفلك، ستتودد أحياناً، وتقسو أحياناً.

أما الزعماء والشخصيات العامة ينتمون إلى النوع الثاني "عرض الذات الاستراتيجية"، فهو لا يعبر عما يجول في خاطره، ولكن يريد أن يُحدث بداخلك أثراً ما، يريدك أن تعجب به، أن تثق به، أن يقنعك بأشياء، هو لا يعبر سوى عن "قناعه".

أي كان ما سيقوله غنيم عن الفيديو، فهو رسالة تذكير موجعة، أننا رغم هدوئنا الظاهر وشخصياتنا التي لا يعرفها حق المعرفة سوى أطباء العيادات النفسية، هي الصورة المناقضة لنمط المحاكاة في انستغرام، وفيسبوك، الناجحون السعداء أو المناضلون العقلاء.

بداخلنا عواصف وجنون، حتى لو كان ما فعله تحت تأثير تلك العقاقير التي جرمتها أمريكا وبريطانيا في منتصف القرن الماضي، لأسبابٍ تتعلق بفقدانها السيطرة على السلوك الاجتماعي، كما كتبت إيزابيل اللندي في "أفروديت"، فالرسالة موجعة، أوجعت ضميري بقسوة، لقد "فتنا" كثيراً بالسياسة إلى الدرجة التي أنستنا فيها إنسانيتنا، لم نسأل أو نتساءل ما يحدث لقلب امرأة موجوع، للشهامة التي فقدها زعماء في التعامل مع خصومهم.

رسالة قاسية لا تليق بمنصات تويتر وفيسبوك وانستغرام، تكاد تكون "شاذة"، ومجنونة، في عالم بات افتراضياً، عاقلاً وشجاعاً.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard