التونسيون سيختارون المرشح الأقل سوءاً

الأحد 15 سبتمبر 201905:59 م

تعيش تونس هذه الفترة على وقع استحقاق انتخابي يختلف كثيراً عن ذلك الذي كان في 2014. معطيات جديدة طُرحت بقوة هذه المرة أربكت الناخب التونسي وشتّت خياراته بعد أن وجد نفسه أمام 26 مرشحاُ للانتخابات الرئاسية من تياراتٍ سياسيةٍ مختلفة وببرامج متشابهة.

وعلى مدار ثلاثة أيام تبارز 24 مرشحاً تم توزيعهم على ثلاث مجموعات بمعدل ساعتين ونصف مباشرة على القناة الوطنية الأولى لكل مناظرة، تلقوا فيها جملة من الأسئلة تتعلق بمواضيع مختلفة، على غرار الأمن والاقتصاد والسياسة الخارجية وحقوق الإنسان، في محاولة لتقريب المرشحين للناخب وتسهيل عملية الاختيار. لكن رغم الشعور العام بالفخر لدى التونسيين الذين رأوا أن بلدهم يخطو بثبات نحو تأسيس منظومة ديمقراطية فريدة من نوعها في المنطقة العربية، إلّا أن حيرتهم زادت لمن ستذهب أصواتهم هذه المرة؟

الانتخابات الرئاسية الراهنة في تونس جرّدت السياسيين التونسيين من ردائهم الوهمي وقدمتهم عراة أمام الشعب التونسي 

في سنة 2014 لم يواجه التونسيون صعوبة في حسم خيارهم في ظل الاستقطاب الثنائي الكبير الذي بدا واضحاً، خاصة في الدور الثاني، بين مشروعين مختلفين حد التضاد، الأول كان مشروع الدولة الوطنية وحمل لواءه الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي في مقابل مشروع الهوية الذي مثله الرئيس الأسبق المنصف المرزوقي، مرشح الإسلاميين في تونس وإن كان بشكل غير مباشر.

في ذلك الاستحقاق لم يكن القرار صعباً وكان من المنتظر فوز السبسي لاعتباراتٍ عديدة أبرزها أنه دخل المعركة برؤية واضحة بالنسبة للتونسيين ونعني بذلك إعلانه اتباع أفكار المدرسة البورقيبية (نسبة إلى الزعيم الحبيب بورقيبة) وكان يدرك جيداً وقع هذا الخيار على الناخب التونسي الذي مازال يؤمن حتى اليوم أن بورقيبة هو المؤسس الحقيقي للدولة الحديثة. ورغم حظوظ الإسلاميين الكبيرة بعد الثورة في المشهد السياسي التونسي إلا أن الانتصار لمشروع الدولة الوطنية على الصراط البورقيبي كان كافياً ليحدد وجهة الناخب بسلاسةٍ كبيرة.

اليوم يتوجه التونسي إلى الاقتراع بفكرٍ مرتبكٍ وقرار ٍضائع وخيار لم يحسم بعد ليس فقط لكونه يواجه قائمة بـ26 مرشحاً، بل لتداخل التيارات التي ينتمون إليها وتشابه المشاريع. الصورة غير واضحة وضبابية والشكوك في مصداقية الطبقة السياسية واهتزاز الثقة بها مسائل تساور الجميع، بل إنها تزداد يومياً في ظل ما بات يعانيه المواطن من غلاء في المعيشة وتفاقم للبطالة وسوء الخدمات جراء السياسات المتبعة من الحكومات المتلاحقة منذ سنة 2011.

26 مرشحاً يتزاحمون لإقناع الناخبين بأنهم الأجدر لقيادة البلاد، ولكن الحقيقة أن أكثر من نصف هذا العدد يتقدم لدوافع نرجسية وتضخم الأنا لديه، ولهذا تجدهم داخل السباق بلا برامج ولا مشاريع حقيقية قابلة للتطبيق في مرحلة لاحقة. النصف الآخر أو ما يطلق عليهم اسم الجديين، إن صح التعبير، وهم ليسوا بأحسن حال من نظرائهم غير الجديين، قياساً لعدم تقديمهم لمشاريع سياسية حقيقية تحاكي فعلاً الواقع التونسي وتبحث عن حلول للأزمات المتراكمة في البلاد، وظهور أغلبهم في صورة بدأت أشبه بالمغامرة الفردية لا غير.

واقع يجعل تونس تدخل الانتخابات بثوبٍ جديد أكثر تعقيداً مما كان عليه الوضع في المراحل السابقة، فبعد الاستقطاب الثنائي سنة 2014 ستكون المعركة ثلاثية الأبعاد هذه المرة. مجموعة أولى شعبوية ولدت من رحم الأزمات المتلاحقة في البلاد، واستفادت من فشل الحكومات المتتالية عندما ظهرت لسنوات في هيئة اليد التي تمتد لأولئك المنسيين والمهمشين وأوهمت قسماً كبيراً من التونسيين بأنها ستكون ملاك الرحمة الذي سيغير وضعهم فيما لو حازت منصب الرئاسة، ووعود أخرى هي محض افتراءات تصدر عن رجال أثبتت الوقائع والملفات القضائية أنهم معشر فاسدين ليس إلا.

ومجموعة ثانية هي في الأساس جزء من المنظمة السياسية الراهنة التي أثبتت على مدار سنوات فشلها الذريع في إدارة الشأن العام للبلاد وفاقمت أزماته وعمقت الهوة بين مؤسسات الدولة والمواطنين ونسفت ما تبقى من مخزون ثقة الشعب بالطبقة السياسية، وهي تتجند بقوة لكسب رهان الرئاسة والعودة للسلطة مجدداً، رغم ما تواجهه من ردود فعل غاضبة من الجماهير في محافظات مختلفة منذ بداية الحملات الانتخابية.

ومجموعة ثالثة تدخل السباق بمشاريع عقائدية أيديولوجية ممثلة أساساً في جماعة الإسلام السياسي (حركة النهضة خاصة) التي أثبتت هي الأخرى فشلها في حل القضايا التنموية للبلاد أو السيطرة على الأزمة الاقتصادية الخانقة باعتبارها شريكاً أساسياً في الحكم منذ 2011 بل وصاحبة الأغلبية في عدة فترات، هذا دون التغاضي عن فشل تجارب هذا المشروع (نسخة الإخوان تحديداً) في عدة أقطار عربية أخرى وتسببه في تقويض بنية هذه الدول. ما يعني أن المشهد السياسي التونسي لم يفرز مرشحين بارزين من خارج منظومة الحكم التي تلت ثورة الـ14 من يناير، تجتمع لديهم الرؤية السليمة للواقع التونسي بكل شوائبه وأزماته مع الحفاظ على مقومات الدولة الوطنية الحديثة باعتبارها مكسبا وليس العكس.

يتوجه التونسي إلى الاقتراع بفكرٍ مرتبكٍ وخيار لم يحسم بعد،  لتداخل التيارات التي ينتمون المرشحون إليها وتشابه المشاريع. الصورة غير واضحة وضبابية والشكوك في مصداقية الطبقة السياسية واهتزاز الثقة بها مسائل تساور الجميع

وفي خضم هذا المشهد الملبد بالغيوم سيكون الناخب التونسي أمام اختبارٍ دقيقٍ وصعب، فليس هناك مرشح فارق في المشاريع والفكر والبرامج، الجميع ينتمون لمشارب أثبتت عدم جدواها وضيق أفقها، بل ودون أفق حتى

وفي خضم هذا المشهد الملبد بالغيوم سيكون الناخب التونسي أمام اختبارٍ دقيقٍ وصعب، فليس هناك مرشح فارق في المشاريع والفكر والبرامج، الجميع ينتمون لمشارب أثبتت عدم جدواها وضيق أفقها، بل ودون أفق حتى. وبالتالي لن يكون الاختيار موجهاً لانتقاء الأفضل بل لاصطياد المرشح الأقل سوءاً بين هؤلاء.

وقياساً لتجارب التونسيين مع السياسة فإن التوقعات الأولية ترجح أن ينحصر الصراع بين الشعبويين والعقائديين، وفي سياق البحث مجدداً عن الأقل سوء بين الطرفين ستجد النخب السياسية نفسها مجبرة على رص صفوفها، لا سيما الوسطيين واليساريين، لدعم المرشح الذي سيحافظ على مقومات الدولة الحديثة وتقطع الطريق أمام محاولات أدلجة المجتمع، كما حدث مع الباجي قائد السبسي رغم عدم جواز المقارنة بين الطرفين في الحقبتين.

إن الانتخابات الرئاسية الراهنة في تونس جرّدت السياسيين التونسيين من ردائهم الوهمي وقدمتهم عراة أمام الشعب التونسي الذي سيضع في اعتباره أنه حيال مجموعة من المتلونين أثبتوا فشلهم جميعاً، لكن ما دام الخيار حتمي فإنه سيؤول بالضرورة لذلك الأقل سوءاً... فمن سيكون الساكن القادم لقصر قرطاج الأقل سوء بالنسبة للتونسيين؟

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard