"أشبه بعملية إعدام"... سوريون من مجتمع الميم في تركيا يعيشون "رعب" الترحيل

السبت 14 سبتمبر 201906:59 م
Read in English

"فقدت سماء إسطنبول حنانها وضاقت أرضها علينا"، هكذا علّق أحد الناشطين السوريين على قرارات الداخلية التركية الأخيرة، وهو ما ينقل إحساس سوريين كثر بدأوا يعانون مشاكل وصعوبات جمة في المدينة خلال الشهرين الماضيين بسبب قرار تخفيض أعداد اللاجئين وإجبار الآلاف على العودة إلى بلادهم.

هذا القرار أشاع حالة من القلق لدى اللاجئين بشكل عام، لكن وطأته على الفئات الهشة وتحديداً على من هم من مجتمع الميم السوري في تركيا كانت أكبر.

وبرغم تجديد المهلة التي كان قد منحها وزير الداخلية سليمان صويلو منذ 20 آب/ أغسطس الماضي إلى تشرين الأول/ أكتوبر، واصلت دوريات الشرطة التركية إجراءاتها وتعزيزاتها في الشوارع ووسائل النقل والميادين العامة برفقة عربات مصفحة وباصات لترحيل المخالفين والتدقيق في وثائق السوريين وأذونات عملهم.

نجوى مسجونة داخل منزلها

"لا نريد أن نفقد حياتنا من جديد"... يقول شاب سوري (21 عاماً) رفض ذكر اسمه الحقيقي مفضلاً أن يطلق على نفسه اسم "نجوى" وهو الاسم الذي يعرفه به أصدقاؤه في مجتمع الميم.

قدمت نجوى من سوريا إلى إسطنبول قبل أكثر من عام ونصف العام بشكل غير قانوني، وهي تحاول منذ ذلك الوقت الحصول على بطاقة الحماية المؤقتة من دون جدوى، برغم لجوئها إلى عدة منظمات ومحاولاتها شرح وضعها الإنساني.

وفيما كانت ولاية إسطنبول قد توقفت عن منح بطاقة الحماية المؤقتة للاجئين السوريين في بداية عام 2016، حالت ظروف نجوى المالية دون سفرها إلى ولاية أخرى لاستصدار هذه البطاقة حتى وجدت نفسها مجبرة على أن تعيش من دونها معتمدة في تنقلها على أوراق سورية مترجمة الى اللغة التركية لإثبات شخصيتها.

تعاني نجوى اليوم من رعب مستمر بسبب خوفها من الترحيل، فأوراقها السورية لم تعد تفيدها إذ فقدت فجأة وبعد أكثر من عام ونصف العام على وجودها كل إمكانية لتصحيح وضعها القانوني نظراً لحالتها الإنسانية وحاجتها الى الحماية. وتقول لرصيف22: "كل ما بحثت عنه عندما لجأت إلى إسطنبول كان الأمان والعمل، واليوم يبدو أنني فقدت كل شيء".

تشكو نجوى شعور السجن في منزلها، قائلة: "أنا مسجونة داخل منزلي ولا أستطيع الخروج إلى الشارع لشراء ما أحتاجه خوفاً من عناصر الشرطة التركية، أشعر أن حياتي توقفت وعملي كذلك، ولا أعلم كيف سأعيل نفسي إذا استمرت الأوضاع على حالها".

قبل هذا القرار الأخير، كانت نجوى تعمل في أحد مشاغل الخياطة في إسطنبول لمدة تفوق 14 ساعة يومياً، وتشعر براحة وأمان حسب قولها بعدما وجدت القبول الاجتماعي لشخصيتها التي تحبها وبدأت تشعر بها عقب معاناة طويلة عاشتها مع المجتمع والعائلة في حياتها السابقة داخل سوريا، وكانت مجبرة خلالها على إخفاء هويتها الجندرية والجنسانية.

"العودة ستكون حكماً بالعذاب والموت"

خلال العام الجاري، تغيرت نجوى من شخص خجول يختبئ خلف ملابسه للتواري عن عيون الناس وعاجز عن الدفاع عن نفسه إلى شخص يحب الحياة ويعرف كيف يعرّف هويته الجندرية من دون خجل من ميوله الجنسية.

"لقد خرجت جزئياً من الخزانة، والعودة إليها ستحطمني كلياً"، تشكو نجوى حالها الآن، مشبّهة إجبارها على الرحيل بعملية إعدام غير مباشرة.

لا تعرف كيف ستتصرف إذا وجدت نفسها فجأة في الأراضي السورية وهي مدركة أن المجتمع هناك لن يتقبلها وستكون عرضة للعنف والخطر، خاصة أن مظهرها الخارجي تغيّر وتصرفاتها باتت تكشف ميولها وشخصيتها بوضوح، ولا مكان لديها تلجأ إليه هناك.

لا تستطيع نجوى السفر إلى ولاية أخرى لاستصدار بطاقة الحماية المؤقتة خوفاً من اعتقالها في الطريق ولا تعرف كيف ستحل هذه المعضلة.

يحصل ذلك بينما كانت السلطات التركية قد أصدرت تطمينات بعدم إجبار أي سوري لا يحمل البطاقة المؤقتة على العودة إلى سوريا، لكن العديد من الناشطين السوريين يشككون بهذه التطمينات ويعدّونها مفيدة فقط لعدد محدود من الأفراد الذين يتمكنون من التواصل مع محامين أو هيئات حقوقية قد تتمكن من مساعدتهم، لكن ظهر أنها لا تطبق على الجميع في ظل استمرار سياسة الترحيل التي تقوم بها السلطات التركية.

نور صديق نجوى… رُحّل

أحد المرحلين كان صديق نجوى واسمه نور. كان يمتلك بطاقة كملك لكنها أصبحت غير صالحة بعدما باتت تُعرف بـ"الكملك الأبيض" أو 98 إثر تحديث بيانات حاملي الكملك في نهاية 2017 وإصدار بطاقة جديدة تُعرف بـ"الكملك الأصفر" أو 99.

رُحّل نور إلى إدلب بعد سجنه يومين في أحد أقسام الشرطة في إسطنبول، من دون مراعاة انتمائه الواضح لمجتمع الميم وحجم الخطر المحيط بعودته إلى سوريا.

"ما هي المصلحة في إلقائهم في هذا الجحيم؟"

الصعوبات التي تواجه السوريين لا تتمثل فقط في استصدار بطاقة الكملك، وإنما أيضاً في نقل قيدها من ولاية إلى أخرى، لأن عملية نقل القيود متوقفة في إسطنبول منذ أكثر من عام.

أنس (30 عاماً) شاب سوري وأحد ناشطي مجتمع الميم في إسطنبول، يُشرف اليوم على جزء من نشاطات مجموعة منهم في المدينة. يرى أن المثليين السوريين الذين يعيشون اليوم في إسطنبول شبه مستقرين في حياتهم وعملهم هنا أو ينتظرون السفر عبر مفوضية الأمم المتحدة، ومن المحزن أن تتم معاملتهم كغيرهم وسط تجاهل الوضع الإنساني شديد الحساسية لديهم.

ويشير أنس إلى أن إرسال المثليين إلى مناطق غير مستقرة وينتشر فيها العنف هو عملية إعدام للبعض وخاصة للعابرين جنسياً (الترانس)، لافتاً إلى أن الغالبية العظمى من أبناء مجتمع الميم تعاني أصلاً من الرفض العائلي والمجتمعي في سوريا بشكل عام، وفي مناطق النزاع الخاضعة لسيطرة الفصائل المسلحة بشكل خاص.

"ليس لهؤلاء مكان يلجأون إليه في سوريا وبالتالي سيكونون مشردين وهدفاً للاعتداء المجتمعي ولعنف الفصائل المسلحة، فما هي المصلحة في إلقائهم في هذا الجحيم؟"، يتساءل أنس، مؤكداً أن جميع من يعرفهم من أبناء مجتمع الميم ملتزمون بالقوانين التركية ولا يثيرون المشاكل وكل همهم الحفاظ على ما حصلوا عليه من حرية نسبية وأمان.

"إسطنبول ليست جنة لكننا ندافع عن القليل من الحياة التي حصلنا عليها هنا"، يقول أنس، مشيراً إلى أن الداخلية التركية كانت قد أصدرت بياناً عام 2017 ينص على بقاء اللاجئين السوريين في ولايتهم التي سجلوا فيها، لكنها لم تطبق القرار وغضّت النظر عن المخالفين.

يعيش أنس في إسطنبول منذ أكثر من عام بعد قدومه من ولاية هاتاي التي استخرج منها بطاقة الكملك بعد عناء شديد، ومنذ ذلك الحين يحاول نقل بطاقته إلى إسطنبول لكن دون جدوى، ولذا فهو مطالب بالرحيل من الولاية.

قرار تخفيض أعداد اللاجئين السوريين في تركيا أشاع حالة عامة من القلق، لكن وطأتها على مجتمع الميم السوري هناك كانت أكبر... نجوى وحسن وآخرين يتحدثون لرصيف22 عن "رعب العودة"
"ترحيل المثليين السوريين من تركيا إلى مناطق غير مستقرة وينتشر فيها العنف، وتحديداً مناطق النزاع الخاضعة لسيطرة الفصائل المسلحة، هو عملية إعدام للبعض وخاصة للعابرين جنسياً (الترانس)..."

وكان أنس قد انتقل إلى ولاية إسطنبول باحثاً عن عمل لتحسين حياته بما يتوافق وشهادته الجامعية نظراً لتوفر فرص العمل في المدينة ونسبة من الحرية في نمط الحياة خلافاً للمدن الصغيرة. كما أنه أحب أن يكون برفقة أصدقائه المستقرين في إسطنبول لمساعدتهم في نشاطات تخص مجتمع الميم.

"نحن أشخاص فاعلون ومنتجون نعمل بجد لنعيش حياة أفضل"، يختم أنس كلامه.

مزاجية وعشوائية

"الترحيل عملية مؤلمة وأحياناً تكون مزاجية وعشوائية وقد شملت أشخاصاً يحملون بطاقات الكملك، بعضها صادر عن ولاية إسطنبول نفسها لكن ذلك لم يشفع لهم"، يقول حسن (34 عاماً) وهو شاب سوري من مجتمع الميم كان قد جرى ترحيله من تركيا قبل ما يقارب العام، وبالتالي سحب بطاقة الكملك منه، بعد محاولته العبور إلى الأراضي اليونانية.

تمكن حسن من العودة إلى الأراضي التركية عن طريق التهريب بعد عدة أشهر، ويقول: "سياسة الترحيل هي عملية عشوائية ولا تقوم على أسس محددة وإنما تخضع لمزاجية عناصر الشرطة التركية، علماً أنها مستمرة منذ أكثر من عام ونصف العام لكنها كانت محدودة وتخضع لتعتيم إعلامي".

يشرح حسن أن ميوله الجنسية عرّضته للعنف الجسدي والنفسي، ولهذا حاول الهرب إلى مكان آخر (اليونان) بحثاً عن الأمان ولم يكن يعلم أن نهاية رحلته ستكون عبر إعادته إلى سوريا، وتحديداً إلى مكان يسيطر عليه "المتطرفون" برغم أنه اعترف لعناصر الشرطة بانتمائه لمجتمع الميم، في حين لم يتم ترحيل كل الشباب الآخرين الذين كانوا يحاولون العبور معه.

وبحسب حسن، فقد تعرض هو ورفاقه المُرحّلون للتفتيش والتحقيق حول خلفياتهم الدينية والطائفية والمناطقية وفحص لمعلوماتهم الدينية عند دخولهم الحدود السورية من معبر باب الهوى في إدلب، كما تم الاستهزاء من ملابسهم وتسريحات شعرهم، مؤكداً أعتقال 4 من أصدقائه حينذاك لتختفي أخبارهم تماماً.

ويكشف حسن وجود أشخاص من جنسيات غير سورية (اليمن، فلسطين، الجزائر، مصر، العراق) تم ترحيلهم معه من تركيا إلى داخل الأراضي السورية بدعوى أنهم عرفوا عن أنفسهم أنهم سوريون.

يقول حسن: "لم أشعر بالألم والخوف في حينه كما أشعر به اليوم بعد قرار الحكومة التركية". وبينما يقدم الشاب نفسه كناشط مدني وحقوقي، يشكو عجزه عن مساعدة نفسه بالقول: "ذهبنا إلى جميع المنظمات الدولية والتركية الخاصة بمجتمع الميم لمساعدتنا لكن الجميع أوصد أبوابه في وجوهنا وأعلن عجزه عن مساعدتنا… حتى المفوضية العامة للاجئين ترفض استقبال طلب إعادة التوطين لمن لا يحمل وثيقة الكملك ولا تؤمّن له الحماية من الترحيل".

رحلة طويلة وشاقة قطعها كل من نجوى وأنس وحسن محاولين متابعة حياتهم وفهم أنفسهم والعيش في بيئة آمنة نسبياً، يستطيعون فيها التعبير عن أنفسهم وإظهار شخصياتهم الحقيقية وميولهم في بيئة ضاغطة بنسبة أقل عن بيئاتهم السورية.

اليوم، يعيشون في قلق مستمر وتوتر من القبض عليهم وترحيلهم إلى سوريا، وكما يقول حسن "نحن سجناء داخل منازلنا ونخشى من كل صوت يحيط بنا، فإلى متى يستمر هذا الرعب؟". 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard