الغناوة والزار... موسيقى أفريقية تُحرّض الأرواح المسحوقة وتُحررها

السبت 14 سبتمبر 201906:42 م

نستمع إلى الموسيقى لتتجاوب مع مشاعرنا أحيانا، وتستنهضها أحيانا أخرى، الحزن والفرح والحب، ولنوع معين من الموسيقى دور بارز في تحفيز نفوسنا المسحوقة، مناداتها كالساحر، واستفزازها للمعارضة، والغضب، إنها الموسيقى الاثنية، الخاصة بأعراق وجماعات اختبرت معاناة التهميش والانسحاق، ومن أبرزها في مصر، الغناوة والزار.

يُعيد كتاب "وصف إفريقيا "للرحّالة المغربي الحسن الوزاني (1494-1555) أصل تسمية "غناوة" إلى "دجيني" أو "جيني" اسمان لمسمى واحد وهو "غينيا" (كينيا). بينما يذهب باحثون فرنسيون مثل روني باسي (1855- 1942)، إلى أن أصل التسمية أمازيغية وتعني "الرجل الأسود" أو "أكناو/ كناوية".

ومع وصول الإسلام لتلك البقعة الجغرافية عام (1920) تقريباً، واصلت "غناوة" طقوسها واحتفظت خلال الطقوس بأشكال الغناء والرقصات القديمة والتي تسمى "Jedba: جدبة"، لتصبح خليطاً بين التصوّف الإسلامي والتقاليد الإفريقية لما قبل الإسلام، سواء كانت محلية أو من جنوب الصحراء الكبرى.

أما المعلمون، وعشاق الغناوة، بل و"مجاذيبها" فيصدّقون أصلها القديم النابع من وسط إفريقيا.

"القمبري"... عزف "جناوة" مجنون

عندما يبدأ العازف أحمد عمر بالنقر على آلة "القمبري"، يمكن للشخص البعيد أن يسمع النغمات بوضوح، كأنه بجوار العازف مباشرة، هذا ما يميز الآلة الوترية عن الآلات الأخرى، التي تخصّ موسيقى الغناوة، مثل "الطبول" و "القراقب المعدنية".

ويطلق على "القمبرى" في المغرب اسم "الهجهوج" لأنها "تهيج" الروح الساكنة في الأعماق، وهو ما يمنح التناغم للجو العام للموسيقى المميزة بالنداءات والصيحات الأولى للإنسان.

أحمد عمر هو لاعب آلة الباص جيتار ومجموعة من الآلات الوترية، عضو مؤسس لفرق موسيقية مثل "وسط البلد" و "الدور الأول " و "محمد بشير"، وأخيراً مؤسس مركز "أفروكايرو" للفنون.

لنوع معين من الموسيقى دور بارز في تحفيز نفوسنا المسحوقة، مناداتها كالساحر، واستفزازها للغضب، إنها الموسيقى الإثنية الخاصة بجماعات اختبرت معاناة التهميش والانسحاق، ومن أبرزها الغناوة والزار

يحكي عمر حكايته في تعلّم تلك الآلة، والتي شبهها برحلة حجّ: "عندما أردت أن أتعلم هذه الآلة تحديداً سافرت في رحلةٍ للمغرب، والتي يعتبرها البعض أشبه برحلة حجّ، لأنني مقتنع بأن تعلم أي آلة "إثنية" لا يستطيعه الشخص بمفرده، بل عليك تعلّمها من المعلمين، والمعلم في المغرب ليس مجرد لقب بل درجة رفيعة من الخبرة الموسيقية عند (الغناوة)، مثال المعلم حميد قصيري، فذهبت إلى مدينة الصويرة و اشتريت الآلة ومكثتُ في المغرب 20 يوماً من أجل أن أتعلم المبادئ والطريقة الصحيحة في العزف، وكيفية صنع الآلة أيضاً، بالإضافة إلى التعرف على تاريخها".

وعن الوتر الذي شغف بالعزف عليه، يحكي أحمد عمر: "آلة القمبري هي آلة إفريقية تعود إلى النيجر وتشاد قبل أن تكون أمازيغية، ثم تنقلت بين الدول الأفريقية في زمن العبودية مع أسرى الحروب والاستعمار وهذه هي البداية التاريخية التي نعلمها".

وعن وصول "القمبري" إلى مصر، يقول عمر لرصيف22: وصلت لشمال إفريقيا، وكانت أغاني الغناوة سبب شهرتها، فسوف تجد أشهر أغاني الغناوة ملعوبة بهذه الآلة.

"ومعظم تلك الأغاني كانت عن الحرية، وهي لا ترتبط بالزار، ولكن بالصوفية وإن كانت تشبهها في الطقوس مثل البخور، وسوف تجد أن الأغاني تذكر شخصيات في بدايتها مثل بلال الحبشي كرمزٍ للتحرّر من العبودية مع بداية رسالة سيدنا محمد".

ويكمل عمر حديثه، محاولاً تحليل تأثير "القمبري" على شخصيته: "هي آلة تتعامل مع الروح بغية علاجها من تاريخ الاستعباد، لذلك أيضاً تبدأ الأغاني بالنداء على سيدنا بلال، وهذا الاستدعاء دائماً هو مرتبط بالتحرر".

على نفس الدرب تسير الآلات الأخرى إلى جانب "القمبري"، فالصوت المعدني لآلة (القراقب) أيضاً مرتبطة بالأصفاد المعدنية التي كان العبيد يوثقون بها طوال رحلة نقلهم من إفريقيا، بحسب عمر، حيث كانوا يصنعون باستخدام الأصفاد إيقاعات، ينشدون عليها أغانيهم طوال رحلتهم.

ينهي عمر هنا حديثه، ويبقى صوت القمبري ممزوجاً بالإيقاعات التي تعلو وتتسارع تدريجياً مع الغناء "الغناوي"، حتى يصل المستمع في نهايته إلى نشوة يُقال عنها الجذب، كنوعٍ من الصفاء الخالص.

الزار... بدأ سحراً وأصبح فناً

"الزار" أحد أشهر الطقوس "الإثنية" في مصر، والتي ظلت رغم اختفائها التدريجي من الممارسة المجتمعية مرتبطة بالموسيقى في حوض الفلكلور المصري والعربي.

تظل الأبحاث حول أصل الزار قليلة بالنسبة للمورث الكبير، ربما كان ذلك وراء تصديق الناس للصورة النمطية المقلوبة وغير الصحيحة التي صنعتها الدراما على سبيل المثال.

يقول أحمد المغربي، الدكتور والباحث المصري المتخصص في الموسيقى، لرصيف22: "يعتبر الزار شكلاً من الأشكال الموسيقية القليلة التي تحتلّ فيها المرأة دوراً أساسياً".

"القمبري آلة تتعامل مع الروح بغية علاجها من تاريخ الاستعباد، لذلك أيضاً تبدأ الأغاني بالنداء على بلال بن رباح، وهذا الاستدعاء دائماً هو مرتبط بالتحرر"

وعن السياق الذي وُضِع فيه الزَّار يقول: "هو مثل الكثير من أنواع الموسيقى "الإثنية" التي صنعت "خط هروب" من حصار الدولة والمجتمع، فاحتفظ بأصوله القديمة الممزوجة بالثقافات الإفريقية، والممتدة حتى الثقافة المصرية القديمة".

وعن جذور الزار اللغوية والاجتماعية، يشير المغربي إلى أنَّ أصل كلمة زار غير معروف، فقد تكون مصرية قديمة أو عربية، كاشتقاق من كلمة "زيارة"، وتعني رحلة إلى عالم الأرواح يشترط فيها العودة مره أخرى، بينما يعيدها البعض إلى اشتقاقٍ، شعبي لكلمة (أعذار).

وعن جذورها الاجتماعية، يشرح المغربي، أنه كان يُسمح للنساء المصابات بـالمس الشيطاني في حفلات الزار بالقيام ببعض الأشياء الخارجة عن عاداتهن، وأساليب مجتمعاتهن لإرضاء "الأسياد" المسيطرة عليهنّ.

تحول الزار من طقسٍ سحري إلى موسيقى على المسارح المصرية، عن هذا التحول يقول المغربي: "في طقس الزار وجود "الكوديه" أو المغنية التي تصيح لإحضار الروح المعالجة للمريض ومن حولها العازفين، بينما تنتشر رائحة البخور. من هنا جاءت فكرة عروض موسيقى الزار في الأماكن العامة، وبعض تجارب المزج بينها وبين الموسيقى والآلات الحديثة الأخرى".

إذا ما قرّرت الاستماع لفرقة "مزاهر" أو "أسياد الزار" في مصر، فسوف تسمع صوت "الريسة مديحة" المميز جداً في البداية وفي معظم الأغاني، ثم تتبعها أصوات الدفوف، وعدد آخر من الآلات الموسيقية الخاصّة بالطقس، بعضها صنعت من قرون وحوافر الحيوانات لتمنح لك هذا النغم السحري، في تصاعدٍ يطلق عليه الموسيقيون "كريشندو"، ربما يصاحبها في أحيان آلات وترية ليرقص الجميع حتى يصل إلى نشوةٍ روحيةٍ غير مسبوقة.

يقول أحمد عمران مؤسس فرقة "تكسير شرقي"، القائمة على مشروع مزج الموسيقى الحديثة بالزار: "لماذا لا نعتبر موسيقى الزار نوعاً من العلاج؟! فالموسيقى طبعاً تعالج الروح وتخلّصها من طاقاتها السلبية".

أصبح الزار موسيقى عالمية الآن بعد أن امتزجت بالآلات الشرقية والغربية، الوترية والإلكترونية. عن هذه التجربة يقول (ويتي)، لاعب الباص جيتار بفرقة "تكسير شرقي": "بالنسبة لتجربتي الشخصية مع موسيقى الزار بدأت قبل مشاركتي مع مشروع "تكسير شرقي" كمستمعٍ، يذهب لحفلات فرقة مزاهر، وكانت عبارة عن غناء وإيقاع وطنبور فقط".

يسرد ويتي ذكرياته الأولى مع الزار: "كنت أستمتع بها طبعاً كأي مستمع، لكن كموسيقي كنت دائماً مشغول في الحفلة بتفسير سر تركيبة الإيقاعات، لأنها معقدة شوية بالنسبة لى، وكنت أتخيل لو أنني أدخلت عليها صوت الجيتار، وعندما جاءت الفرصة من خلال المشروع بدأت في ربط الإيقاعات بالبيز جيتار، ولم يكن الموضوع سهلاً في البداية كما قلت لك، إيقاعات الزار معقدة نوعاً ما وليست ثابتة مثل باقي الإيقاعات، يعوّض البيز أو الباص جيتار هنا حالة النداء البعيد التي تشترك فيها معظم الموسيقى الإثنية".

بالنسبة لويتي، السر الذي يوصل هذا الفن إلى آفاق المتعة والنشوة "التوليفة الموسيقية المكتملة" بين الاثنين، البيز والإيقاعات السحرية القديمة كما في الزار.

وتذكرنا كلماته بنظرة الفيلسوف إميل سيوران إلى الموسيقي باعتبارها "نوعاً من الفن لا يخضع لمفهوم"، تدفع الموسيقى النفس للتحليق في مجاهلها بغية تخليصها من الأمراض والانتكاسات من خلال هذا النداء، وهذا ما تفعله أشكال الموسيقى الإثنية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard