تستحق هاجر الريسوني تضامناً مبدئياً صافياً لا أثر للأيديولوجيات به

الجمعة 13 سبتمبر 201902:35 م

قبل أكثر من 4 سنوات، بالضبط في مارس 2015، ونتيجة لجدلٍ اجتماعي مثير، أصدر الملك محمد السادس أمراً إلى لجنةٍ مكونة من وزير العدل والحريات، وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، ورئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان، بمراجعة القوانين المنظِّمة للإجهاض.

بعد شهرين من المشاورات الماراثونية، قرّرت اللجنة السماح بالإجهاض في الحالات التي يشكّل فيها الحمل خطراً على حياة الأم، الحمل الناتج عن زنا المحارم أو الاغتصاب، أو عند ملاحظة تشوهاتٍ خلقية أو أمراضٍ تهدد الجنين، وفي 2016 صادقت الحكومة على مشروع قانون منظم للإجهاض.

لكن المشروع ظلَّ إلى يومنا هذا عالقاً لدى لجنة العدل والتشريع دون أن تعرضه للتصويت في البرلمان.

وفي خضم النقاش المجتمعي والسياسي الحاصل حينها، عارض الحزب الحاكم (العدالة والتنمية) مشروع تقنين الإجهاض، وانبرى مريدوه لشيطنة المدافعين عنه، والقائلين بحرية المرأة في الإجهاض عامة، وفي الحالات التي ذكرتها اللجنة عامة، دافعين بحرمانية هذا "الجرم"، رافعين شعار "اللهم أن هذا منكر" في وجه الجميع.

في نفس السياق، كان أشد هجوم تعرضت له فئة المطالبين بتنزيل هذا القانون وتسريعه، هو الهجوم الذي قاده أول رجل دين في المغرب، الداعية أحمد الريسوني، العضو المؤسس والرئيس الحالي للاتحاد العالمي للمسلمين، حين وصف المعركة الحقوقية المتعلّقة بالإجهاض، في مقالٍ منشورٍ بموقعه الإلكتروني، بمعركة بين الإسلاميين و"الإجهاضيين"، واصفاً الفئة الأخيرة بالمرتزقة، ناعتاً إياهم بمحاولة "تحرير الفروج وإجهاض الأرحام"، ما اعتُبر بمثابة فتوى تحرّم الإجهاض ككل، خصوصاً وأنها صادرة عن داعيةٍ بحجم الريسوني.

من سوء أقدار الريسوني، أنه بعد أن نسي ما قاله، ونام قرير العين بفتاويه طيلة الأربع سنوات الفائتة، شاءت الصدفة (أو غيرها) أن يقضَّ "الإجهاضيون" مضجعه، فاستيقظ يوم الأحد من شهر سبتمبر الجاري، كباقي المغاربة على خبر اعتقال ابنة أخيه، الصحفية بجريدة أخبار اليوم لمديرها توفيق بوعشرين، المعتقل حالياً على خلفية تهمٍ تتعلّق بالاغتصاب واستغلال السلطة والنفوذ، رفقة خطيبها السوداني، مساعدة، طبيب، ممرض، وطبيب نساء، ووجهت لهم تهم الإجهاض، المشاركة في الإجهاض، الفساد، انتحال صفة، والإدلاء بأقوال كاذبة.

ثم حتى لو قلنا إنها فعلاً قامت بالإجهاض، ما مدى قانونية اعتقالها ما دامت التهمة الرئيسية التي تتابع بها لا يزال مشروع قانون يعيد النظر فيها وينتظر المصادقة النهائية عليه في البرلمان؟

خبر اعتقال هاجر الريسوني التي يشهد القاصي قبل الداني بطيبتها وحسن عشرتها، ويؤكّد كلّ من يعرفها -وأنا منهم- رجاحة أفكارها ومرجعيتها المهنية، هزَّ الرأي العام المغربي، وخلّف صدمةً لم نتجاوزها إلى الآن، وأعاد إلى الواجهة بمرارة نقاش مشروعية الإجهاض، خصوصاً بعد حملة التضامن الواسعة التي وحّدت أطياف اليمين واليسار، حتى وإن كان معسكر الإسلاميين وأولهم الداعية أحمد الريسوني، قد تضامنوا مع هاجر ودافعوا عنها باسم "زواج الفاتحة"، الأمر الذي لم يكن ليحصل لو أن المتهمة كانت صحفية أو مناضلة أخرى محسوبة على التيار الحداثي، حينها كنت سترى تدويناتهم تنادي بإعدامها دفاعاً عن شرف المغرب والمغاربة.

لكنهم اليوم دافعوا بـ "الفاتحة" عن هاجر، متناسين أن التهمة الأساسية هي "الإجهاض" وأن الإجهاض لا يكون لا بسورة الفاتحة ولا بسورة البقرة، عكس المعسكر الحداثي الذي ينادي بالحرية لهاجر الريسوني انطلاقاً من مبدأ الحريات الفردية، وحتى في الوقفة المنظمة خلال محاكمتها يوم التاسع من سبتمبر الجاري، سُجّل حضور اليساريين والحداثيين أكثر من الإسلاميين.

هذا التضامن الانتقائي ليس وليد اللحظة أو وليد قضية هاجر، لكنه صفة قديمة في رواد التيار الإسلامي، كلما تفجّرت قضية أخلاقية بطلها أحدهم، وأذكر على سبيل المثال لا الحصر، فاطمة النجار وعمر بن حماد، عضوا حركة التوحيد والإصلاح اللذان تم ضبطهما في وضعٍ "مخلٍّ" بشاطئ بوزينقة، البرلمانية ماء العينين وصديقها جواد بنعيسي في فرنسا، البرلماني يتيم ومدلكته... كلهم ورغم التعارض الصارخ لمبادئهم مع "فضائحهم" يحصلون على تضامنٍ واسع من طرف أصدقائهم، عملاً بمبدأ: انصرْ أخاك ظالماً أو مظلوماً، بالمقابل حتى لو كانت "غلطة" أحد الحداثيين بسيطة، أو حتى لا ترتقي لمستوى "الغلطة" نظراً لتناغمها مع مبادئ من قام بها، تجد السبَّ والقمع والتهم الجاهزة تنهال عليهم من كل حدبٍ وصوب.

في قضيةٍ أخرى، كنت سأقول بكل سعادة إن الكارما تلعب لعبتها، أو أن الله أعدل ممن يشتغلون في مجال السياسة باسمه، لكن قضية هاجر مختلفة، هاجر لا تستحق كل هذا التكالب عليها فقط لأنها تقتسم نفس الاسم العائلي مع بعض المنافقين، ولا تستحق أن تتعرّض لكل هذا التشهير لأن اسمها مقترن باسم شخصٍ آخر يستحق "الفضيحة" أكثر منها.

هذا التضامن الكاذب من طرف المعسكر الإسلامي نفسه لا يليق بها، لأن هاجر التي أعرفها أنا تستحق تضامناً مبدئياً صافياً، لا أثر للأيديولوجيات به، ولا يراد به شيء غير حريتها وبراءتها.

لكنها كجميع نساء هذا الوطن تدفع، لأنها امرأة، ثمن أخطاء الآخرين من كرامتها وسمعتها وحريتها.

خبر اعتقال الريسوني التي يؤكّد كلّ من يعرفها رجاحة أفكارها ومرجعيتها المهنية، هزَّ الرأي العام المغربي، وخلّف صدمةً لم نتجاوزها إلى الآن، وأعاد إلى الواجهة بمرارة نقاش مشروعية الإجهاض
قضية هاجر مختلفة، هي لا تستحق كل هذا التكالب عليها فقط لأنها تقتسم نفس الاسم العائلي مع بعض المنافقين، ولا تستحق أن تتعرّض لكل هذا التشهير لأن اسمها مقترن باسم شخصٍ آخر يستحق "الفضيحة" أكثر منها

ثم حتى لو قلنا إنها فعلاً قامت بالإجهاض، ما مدى قانونية اعتقالها ما دامت التهمة الرئيسية التي تتابع بها لا يزال مشروع قانون يعيد النظر فيها وينتظر المصادقة النهائية عليه في البرلمان؟

الطبيب المتابع في نفس القضية هو الآخر حاصل على وسام استحقاق ملكي. فهل يقبل العقل أن أوسمة الاستحقاق التي يعرف الجميع أن مختلف الأجهزة الأمنية تسهر بنفسها على بحثٍ معمّقٍ بخصوص الشخص المرشح للحصول على وسام ملكي، من الممكن أن تُعطى لطبيب يقوم بعملياتٍ غير قانونية؟

في انتظار أن تحكم المحكمة في الجلسة القادمة ببراءة هاجر، أو على الأقل توافق على تمتعها بحريتها، سنظل نحن نتضامن ونندّد دائماً بالتهم التي تمس حرية الأفراد، وخصوصياتهم دون أن نقحم أنفسنا في نقاشات "زواج الفاتحة" أو غيره حتى يحدث الله بعد ذلك أمراً.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard