كيف خُلقَ العالم؟ الفيض الإلهي في المسيحية واليهودية والشيعية الإمامية

الأحد 22 سبتمبر 201911:42 ص

عملت الفلسفة منذ أمدٍ بعيد، على تقديم أجوبةٍ وتصوراتٍ منطقية ومعقولة، عن الأسئلة والإشكاليات الميتافيزيقية الأكثر إلحاحاً على العقل الإنساني.

الكثير من النظريات الفلسفية عملت على تفسير صدور العالم وخلقه، ومن تلك النظريات، نظرية الفيض الإلهي التي تميّزت بها مدرسة الأفلاطونية الحديثة، وقال بها مجموعة من أشهر الفلاسفة المسلمين فيما بعد.

القول بالفيض الإلهي لم يبق أسيراً داخل حيز ميادين الفلسفة والمنطق، بل تمكن من الرواج والانتشار ليصل إلى مجموعةٍ من الأنساق الدينية والمذهبية، ليؤثر فيها ويسهم في تشكيلها وإعادة تقديمها في صورةٍ أكثر توافقية مع الاتجاهات الباطنية والروحانية.

من أفلوطين إلى الفارابي: كيف وضع الفلاسفة أصول نظرية الفيض؟

منذ البدايات الأولى لظهور الفلسفة اليونانية، تم التفرقة بين نسقين مختلفين، أولهما هو النسق المثالي الذي يؤمن أصحابه بأسبقية الفكر على المادة، وثانيهما هو النسق المادي الذي يذهب أتباعه إلى أسبقية المادة على الفكر.

الفلاسفة، سواء كانوا من المثاليين أو الماديين، وجدوا أنفسهم أمام إشكاليةٍ حقيقية، وهي تلك التي تتساءل حول كيفية صدور العالم والمخلوقات.

النقطة الأكثر إثارة للجدل في هذا الموضوع، كانت تلك التي تبحث عن تبريرات لصدور الكثرة (أي جميع المخلوقات في الكون)، عن الواحد (وهو الذي تسميه الكتابات الفلسفية بواجب الوجود أو العلّة الأولى، وهو نفسه الله أو الإله في الأنساق الدينية).

الفلاسفة اليونانيون، كانوا منذ بداية عملهم بالفلسفة قد أرسوا مجموعةً من المبادئ والأصول التي استخدموها في تنظيراتهم العلمية، ومن تلك المبادئ، مبدأ السنخية، الذي يفترض وجود علاقة وثيقة بين العلة والمعلول، فطالما كانت العلة واحدة وثابتة فلا يمكن أن يكون المعلول كثيراً ومتغيراً، ومن هنا فقد رفض معظمهم القول بأن جميع الموجودات قد صدرت عن واجب الوجود بشكلٍ مباشر، ويظهر ذلك في ما كتبه ابن رشد في كتابه "تهافت التهافت"، "وهذه القضية القائلة: إن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد، هي قضية اتفق عليها القدماء من الفلاسفة... فاستقر رأي الجميع منهم على أن المبدأ واحد للجميع، وأن الواحد يجب أن لا يصدر عنه إلا واحد".

أفلوطين

وفي محاولة منهم لإيجاد حلولٍ لهذا الإشكال المنطقي، عملت مجموعة من الفلاسفة على تبرير ذلك التناقض، وكان من أهم تلك التبريرات ما قام به الفيلسوف أفلوطين في القرن الثالث الميلادي، من خلال ربطه لفلسفة أفلاطون المثالية بفلسفة أرسطو المادية، إذ قال أفلوطين بإن العالم قد صدر من خلال مجموعةٍ من الفيوضات التي صدرت من العلة الأولى، وإن تلك الفيوضات قد اتخذت أشكالاً مختلفة حتى تمكنت من خلق العالم والموجودات.

نظرية الفيض صارت منذ ظهورها، أحد أهم النظريات الفلسفية التي تم تداولها بين الفلاسفة والمفكرين، فتم توارثها جيلاً بعد آخر، حتى انتقلت وتواترت بين فلاسفة المسلمين، فقال بها كل من الفارابي وابن سينا ومسكويه وإخوان الصفا.

الفارابي تحديداً ساهم بشكلٍ كبير في نشر تلك النظرية في كتابه المعروف "آراء أهل المدينة الفاضلة"، فقال إن الفيض الإلهي قد أدى لصدور عشرة عقول، لكل منها مرتبة محددة، وهي مرتبطة بالأجرام الفلكية، وأولها هو العقل الأول الفائض من الله نفسه، وهي تتدرج شيئاً فشيئاً حتى يصدر عنها جميع الموجودات، وذلك بحسب ما يذكر الدكتور عاطف مصطفى أبو زيد في كتابه "نظرية العقول العشرة لدى الفارابي ومدى تأثره بفلاسفة اليونان".



في اليهودية: عين سوف والسيفروتات العشرة

من المعروف أن الدين اليهودي التقليدي يميل لإعطاء تعريفات مباشرة وجامدة لشتى مفردات الكون والغيبيات، حتى كان الإله اليهودي (إلوهيم/ يهوه) نفسه، يظهر بحسب أسفار التناخ المقدسة عند اليهود، في صورةٍ تقترب كثيراً من صور الآلهة القديمة المعبودة عند المصريين والفينيقيين وحضارات بلاد ما بين النهرين.

هذا الشكل الجامد سرعان ما تحول عندما اصطبغ بصبغةٍ باطنيةٍ روحانية في السنين القليلة التي سبقت ميلاد المسيح، وذلك عندما ظهرت مجموعة من الكتب التي قدمت رؤية مخالفة للإله والكون، ومنها كتاب "سفر يصيرا" والذي يعني كتاب الخلق، وهو الكتاب الذي ورد فيه أن عملية الخلق قد حدثت من خلال مجموعة من الفيوضات، والتي تعرف باسم سيفروتات، ومعناها الفيض أو الانبثاق.

المكانة العظيمة التي حظي بها النبي والأئمة في المخيال الشيعي الإمامي التقليدي، دعت لاعتبارهم في الكثير من الأحيان، بمثابة الفيوضات الإلهية الوسيطة التي تملأ الفراغ بين الذات الإلهية المتعالية من جهة، وعالم الموجودات والمخلوقات من جهة أخرى

القول بالفيض الإلهي، لم يبق أسيراً داخل حيز ميادين الفلسفة والمنطق، بل تمكن من الرواج والانتشار، ليصل إلى مجموعة من الأنساق الدينية والمذهبية، ليؤثر فيها ويسهم في تشكيلها وإعادة تقديمها في صورة أكثر توافقية مع الاتجاهات الباطنية والروحانية

تلك النزعة الباطنية التأويلية المتأثرة بالأفكار الفلسفية اليونانية من جهة، وبالمعتقدات الغنوصية من جهة أخرى، وجدت مجالاً رحباً للانتشار داخل أفكار الكابالا اليهودية، وهي معتقدات روحانية وفلسفية تفسر اللاهوت اليهودي.

كتاب الزوهار، والذي يعني الإشراق أو الضياء، تضمن الكثير من المقاطع التي تتحدث عن خلق العالم بواسطة الفيض، إذ جرى فيه التفريق بين ما أسماه الكتاب بـ "عين سوف"، وهو المبدأ الأول، غير المحدود، وغير النهائي، والذي لا يمكن أن تدركه العقول البشرية، أو تحيط به، وبين "إلوهيم"، الذي ورد اسمه والحديث عنه في التناخ، والذي هو أحد الفيوضات المنبثقة عن عين سوف.

من هنا، فقد عملت الكابالا اليهودية على تصوير "المبدأ اللانهائي بوصفه يصير علة للتطور، وليس علة الخلق، تمثيلاً غير مباشر، أي عبر فيض السيفروت"، وذلك بحسب ما تذكر هيلينا بتروفنا بلافاتسكي في كتاب "مفتاح الثيوصوفيا".

في السياق نفسه، فأن العديد من الفلاسفة اليهود، قد قالوا بنظرية الفيض وأثرها في صدور الموجودات، ومن أهمهم، الفيلسوف الأندلسي ابن جيبرول (ت1070م)، والذي كتب موضحاً اعتقاده: "لم يخلق الله الكون في زمن معين، بل هو ينساب في فيض متصل متدرج من ذات الله"، وذلك بحسب ما يذكر المؤرخ الأميركي ويل ديورانت في كتابه "قصة الحضارة".


الأريوسية: التجلي الأهم لنظرية الفيض في المسيحية

منذ فترة مبكرة من انتشار الديانة المسيحية، وقع التداخل فيما بينها من جهة، وبين الفلسفات اليونانية التي كانت معروفة في العالم القديم في هذا الوقت من جهة أخرى، وكانت نظرية الفيض على وجه التحديد، واحدة من أهم النظريات الفلسفية التي اقترنت ببعض المذاهب المسيحية.

الآريوسية، وهو المذهب المنسوب للكاهن السكندري أريوس (ت336م)، كانت من بين المذاهب التي ظهر فيها تأثير نظرية الفيض الإلهي بشكلٍ واضح، وذلك من خلال مخالفة آريوس للاعتقاد المسيحي الذي يقول بأن الأقانيم الثلاثة (الآب-الابن-الروح القدس)، متساوية في المكانة، وأن ثلاثتها من جوهر واحد.

أريوس ذهب إلى أن الأقانيم الثلاثة تشترك في الصفة الإلهية، ولكنه عارض تساويها في المكانة أو في الجوهر، فالمسيح في الأريوسية، هو اللوغوس، أي العقل الأول الصادر عن الفيض الإلهي، وهو لا يشترك مع الله في صفة الأزلية، لأن الله قد خلقه في زمان ما، فهو كائن وسيط بين الله (الآب) من جهة، والعالم والموجودات من جهة أخرى، وذلك لأنه لا يليق بالله أن يتصل مباشرة بالخليقة المنقوصة.

وضح آريوس عقيدته في بعض من الرسائل التي بعث بها إلى مجموعة من أتباعه، ومنها على سبيل المثال، رسالته إلى أسقف نيقومديا يوسابيوس النيقوميدي، والتي ورد بها "لكننا نقول ونعتقد، كما تعلم، أن الابن ليس أبدياً ولا في أي شكل من الأشكال، بل هو جزء من الأبدي، فالله كامل ووحيد وثابت، اننا مضطهدون لأننا نقول إن للابن بداية، لكن الآب هو البداية".

في 325م، ومع وقوع الانقسام العقائدي الأكثر خطورة في العالم المسيحي، تم عقد المجمع المسكوني الأول في نيقية، بدعوة الإمبراطور قسطنطين الأول، وحضره 318 أسقف من جميع أنحاء الإمبراطورية الرومانية، وتم الاتفاق على أن الأريوسية بدعة وهرطقة، وتم إصدار قانون الإيمان المسيحي الذي يساوي بين الأقانيم الثلاثة في الجوهر، والذي وصف الابن بأنه "ابن الله الوحيد، المولود من الآب قبل كل الدهور، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساو للآب في الجوهر، الذي به كان كل شيء...".

ورغم ذلك التقييد والمنع، إلا أن الأريوسية بقيت قائمة في مناطق كثيرة من أوروبا وأسيا الصغرى، وحافظت على وجودها لقرون عدة، حتى آل مصيرها للزوال في نهاية الأمر.

آريوس (256 - 336 م)

في النسق الشيعي الإمامي: عندما أضحى الأئمة واسطة للفيض الإلهي

إذا كانت نظرية الفيض الإلهي قد أثّرت في الديانتين اليهودية والمسيحية، فأنها أيضاً قد استطاعت أن تؤثر في بعض المعتقدات المرتبطة بعددٍ من المذاهب الإسلامية الكبرى، كما هو الحال فيما يخص المذهب الشيعي الإمامي وما تفرّع عنه من فرق وطوائف.

المكانة العظيمة التي حظي بها النبي والأئمة في المخيال الشيعي الإمامي التقليدي، دعت لاعتبارهم في الكثير من الأحيان، بمثابة الفيوضات الإلهية الوسيطة التي تملأ الفراغ بين الذات الإلهية المتعالية من جهة، وعالم الموجودات والمخلوقات من جهة أخرى.

الكثير من الأحاديث والروايات، التي وردت في المصادر الحديثية، فُهم منها أن الرسول والأئمة كانوا قد خُلقوا قبل خلق جميع المخلوقات، من ذلك ما ذكره أحمد بن حنبل في كتابه "فضائل الصحابة"، من قول النبي: "كنت أنا وعلي نوراً بين يدي الله تعالى قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام فلمّا خلق الله آدم قسّم ذلك النور جزأين فجزء أنا وجزء علي".

وما ذكره محمد بن علي بن بابويه القمي، المعروف بالشيخ الصدوق، في كتابه "معاني الأخبار" أن الرسول قد قال لأصحابه: "خُلق نور فاطمة قبل أن تُخلق الأرض والسماء... كانت في حُقّة تحت ساق العرش"، كما أن علي بن أبي طالب قد قال: "إن الله خلق نور محمد قبل خلق المخلوقات كلها بأربعمائة ألف سنة وأربعة وعشرين ألف سنة، خلق منه اثني عشر حجاباً".

ويعلق الفقيه الشيعي رجب البرسي، وهو من علماء القرن التاسع الهجري، في كتابه "مشارق أنوار اليقين"، على معنى الاثني عشر حجاباً، بقوله: "والمراد بالحجب الأئمة فهم الكلمة التي تكلم الله بها ثم أبدى منها سائر الكلم، والنعمة التي أفاضها وأفاض منها سائر النعم...".

مجموع تلك الروايات أثبت أن الأئمة هم الواسطة في الإيجاد والتأثير، وأنهم "علة غائية لجميع المخلوقات، فلولاهم لما خلق الله الأفلاك وغيرها"، كما أنهم واسطة الفيض الإلهي، بما يعني "أن الفيض كل الفيض لا يصل إلا بتوسطهم، فبهم يرزق الله العباد، ويحيي الموتى، ويميت الأحياء..."، وذلك بحسب ما يذكر علي عاشور في كتابه "الولاية التكوينية لآل محمد".

في السياق نفسه، فأن أحد أهم الآثار الناجمة عن القول بأن الأئمة هم واسطة الفيض الإلهي، أن الكثير من الشيعة الإمامية قد اعتقدوا، بأن الأئمة قد حظوا بسلطة الولاية التكوينية، وهي بحسب ما يعرفها المرجع الديني المعاصر آية الله كمال الحيدري في كتابه "الولاية التكوينية حقيقتها ومظاهرها" هي: "تصرف موجود في موجود آخر، لتسلطه وقدرته عليه".

ويوضح الحيدري تلك النقطة بشيء من التفصيل، فيقول: "إن معنى كونهم عليهم السلام واسطة في الفيض، هو أن كل عطاء إلهي نازل من السماء لا يصل إلى الخلق إلا بتوسطهم، فبهم يرزق الله العباد، ويحيي الموتى ويميت الأحياء، كل ذلك بإذن الله تعالى".

الولاية التكوينية لم تكن الأثر الوحيد الناجم عن القول باقتران الفيض الإلهي بالأئمة، فاعتماداً على بعض الأحاديث المروية عن طريق الإمام السادس جعفر الصادق، والتي يذكر فيها حقيقة انتقال النور الإلهي المحمدي في سلسال أئمة آل البيت، فأن المفكر المغربي محمد عابد الجابري، قد عمل على تفسير شيوع روايات علم الأئمة وفق تأويل صوفي غنوصي الطابع، إذ يذكر أن الاعتقاد الشيعي يذهب إلى أن معارف أئمة الشيعة لم تتأسس فقط على العلوم التي قالوا إنهم قد ورثوها عن النبي محمد، عبر الإمام علي، بل أيضاً على "الانتظام في سلك ما تعبّر عنه العرفانية الإسلامية، شيعية كانت أم صوفية، بـ"النور المحمدي" أو "الحقيقة المحمدية"، ومرتبته تتطابق مع مرتبة "العقل الثاني" الفائض عن العقل الأول الله في فلسفة الفيض".

من هنا، يمكن فهم الأسباب التي لطالما دعت لربط الأئمة بالذات المتعالية في النسق الشيعي الإمامي بشكل عام، سواء في الحالة الإمامية الاثني عشرية، أو الحالة الإسماعيلية، أو الحالة العلوية النصيرية، بالإضافة إلى حالة مذهب الموحدين الدروز.

ففي جميع تلك الحالات، كان هناك حضور قوي ومؤثر لفكرة الفيض الفلسفية، وإن أخذت تجليات دينية ومذهبية متباينة تبعاً للظرف والمتغير التاريخي، فقد يتمثل الفيض في شخص علي بن أبي طالب أو فاطمة أو الإثني عشر إمام في المعتقد الاثني عشري، وقد يتمثل في الأئمة الفاطميين في المعتقد الإسماعيلي، بينما قد يتخذ صورة سلمان الفارسي عند العلوية، أو صورة الحاكم بأمر الله عند الدروز.

ومما أتاح الفرصة لذلك الحضور والانتشار، أن معظم تلك الحالات قد انتشرت تحت غطاء من السرية والكتمان، وأنها قد فتحت الباب واسعاً أمام نظرية التأويل وتفسير النص المقدس، سواء كان النص القرآني أو الأحاديث النبوية والقدسية، بشكلٍ باطني لا يهتم كثيراً بالدلالات الحرفية أو المباشرة، خصوصاً أن المؤسسة السياسية- الدينية الرسمية، والممثلة في دولة الخلافة، كانت دائماً ما تعمل على الترويج للفهم السني المباشر للنصوص في محاولة منها لتثبيت دعائم أحقيتها بالسلطة والحكم، ولم تكن لتتقبل فهم تلك النصوص أو التعامل معها وفق مرشحات باطنية أو فلسفية، كما جرى الحال مع النسق المذهبي الشيعي الإمامي.

ومن هنا يمكن فهم ما رواه الشيخ الصدوق في كتابه "اكمال الدين واتمام النعمة" عن الإمام محمد الباقر "لو بقيت الأرض يوماً واحداً بلا إمام لساخت الأرض بأهلها"، فالإمام بحسب هذا التوصيف، واسطة حقيقية بين الله والخلق، فإذا غابت تلك الواسطة أو اختفت، لانعدمت أسباب الوجود وضاعت الموجودات في فلك العدمية المطلقة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard