فؤاد خوري: الوطن العائم، وأربعة أساليب في تصوير الفن سينمائياً

الخميس 12 سبتمبر 201904:45 م

بين معرضٍ تشكيلي، فن تجهيز، وعشرة أفلام سينمائية، تنوّعت الأنشطة الثقافية التي نظمتها دار نمر للتقديم إلى الجمهور الأعمال الفنية للمصور الفوتوغرافي والسينمائي اللبناني فؤاد خوري، الذي عدا عن كونه واحداً من أبرز المصورين الفوتوغرافيين للحرب اللبنانية، فهو أيضاً يمتلك تجربةً سينمائية غايةً في التميز على مستوى الصورة، الأسلوبية، والموضوعات.

معرض (الوطن العائم)

يضم معرض "الوطن العائم" خمسين صورة فوتوغرافية، هي من إنتاج كل من الفنانين فؤاد خوري وجيريمي بيكوك، توثّق لحادثةٍ تاريخيةٍ جعلت من وطن الفلسطينيين "وطناً عائماً" على حسب عنوان المعرض. لقد صعد المصور فؤاد خوري إلى سفينة "الأتلانتس" التي أخرجت على متنها أعضاء منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت العام 1982 إلى وجهاتٍ مختلفة، وبالإضافة إلى ياسر عرفات والعديد من الشخصيات البارزة في حركة التحرير الفلسطينية، وجد على متن هذه السفينة المصور فؤاد خوري، فكانت عدسة كاميرته وسيلة غاية في الأهمية في توثيق هذا الحدث التاريخي.

تتنوّع صوره من صورةٍ شهيرةٍ لياسر عرفات يلبس الكوفية ويتأمل مصير البحر، إلى الصور التي ترصد تفاصيل صغيرة من الحياة اليومية على السفينة، مثل تلك الصورة التي يظهر فيها رجلان عند مقدمة السفينة وهما يتحدثان، ومن حولهما العديد من الكراسي الفارغة، والتي تبدو لقطة عادية لفعل عادي، لكن البعد التاريخي للصورة هو ما يعطيها قوتها السردية والتأويلية.

هذا التوثيق التاريخي لم يكن الدافع الأساسي للفنان خوري في التقاط صوره، كما بيّن أكثر من مرة، لقد أوضح أنه راح يلتقط الصور فوق الباخرة بطريقةٍ آلية، لكنه اكتشف فيما بعد قيمتها السردية التاريخية حين بدأ العمل على الاختيار من مجموعة الصور التي حقّقها، هذا ما دفع القيّمة على المعرض منال خضر، لافتتاح المعرض بالعبارة التالية: "لا يمكن للصورة الفوتوغرافية أن تلتقط لحظة بأبعادها المختلفة، وهذا الأمر يزداد استبعاداً عندما يطلب من الصورة أن تمثل سرداً تاريخياً".

عمل تجهيز "أجمل يوم"

يرافق المعرض الفوتوغرافي عمل تجهيز بعنوان "أجمل يوم"، يجلس المتلقي أمام ثلاث شاشات، ليتابع عليها مجموعةً من الصور المسقطة ضوئياً، ومجموعة من النصوص المستقاة من قصيدة للشاعرة إيتيل عدنان، بعنوان "أن تكون في زمن الحرب" وذلك بمرافقة الموسيقى المحيطة بالمكان. الأرشيف الفوتوغرافي الكبير لأعمال فؤاد خوري عن الحرب يُعرض على الشاشات الثلاث تباعاً، أما المقتطفات المرافقة لها من القصيدة فكأنها تمنح هذه الصور حكايات، تأملات، أو طريقة تلقي.

تقول القصيدة: "أن نكون في زمن الحرب، أن نشتم سوء الحظ، أن نمنع مسار الهزيمة الداخلية من الوصول إلى القلب، أن نسمع الحرب من بعيد، أن نقلب الصفحة دون الانتقال إلى مرحلة جديدة، أن تكون يائساً، أن تدرك مطلق الحرب، أن تتجه صباحاً نحو القدر، لكنك تعود عند انتهاء اليوم وأنت تقود السيارة، أن تعلم أن جميع الأحياء لم يموتوا بعد"، هذه مقتطفات شعرية ترافق تلاحق الصور الفوتوغرافية عن الحرب على الشاشة.

أربعة أساليب سينمائية في التعامل مع الفن

تطرح أفلام فؤاد خوري السينمائية القصيرة التي عُرضت للجمهور، رؤية سينمائية متميزة في كيفية تعامل الفيلم السينمائي مع الفن التشكيلي. في هذه الأفلام الأربعة يحضر الفن التشكيلي كموضوعةٍ، لكن يختلف التعامل معها سينمائياً بين الفيلم والآخر، ومن هنا تكتسب أهميتها بكونها تنويعات على تعامل الفيلم السينمائي مع الفن التشكيلي.

الفيلم الأول بعنوان "الأسطورة التائهة، 2001"، يقدّم هذا الفيديو افتتاح معرض المصور وصانع الأفلام الوثائقية السويسري الأمريكي روبرت فران، في العام 2011 في معرض رينا صوفيا في مدريد. لكن المخرج خوري لا يُظهر لنا أياً من الأعمال الفنية في المعرض، بل يركّز على حفل الافتتاح، تحلّ الكاميرا محل حركة العين لتطلعنا على كيفية أدائية الناس أو زوار المعرض في يوم الافتتاح.

تجول الكاميرا بين الجمهور في المعرض بلا هداية، تتحدّث إلى الجماعات، اثنان عند الزاوية يحضّران لإقامة معرضٍ آخر، مجموعة من النساء تنبهر بحضور الكاميرا فتبدأ بالضحك والأحاديث السريعة، أحدهم يتكلم عن روتين يومياته، وتلتقط الكاميرا حضور موزعي العصير والمأكولات في حفلات الافتتاح لتركز عليهم.

عند سؤالنا مخرج الفيلم عن خياره بعدم تصوير أي من الأعمال الفنية للمعرض، واقتصار الفيلم على الكاميرا التي تجول بين الجمهور في يوم الافتتاح، أجاب: "رغبت في هذا الفيلم أن أركّز على سطحية الافتتاح، وعلى سخافة الأحاديث التي يتم تداولها بين الجمهور رغم وجود الأعمال الفنية العظيمة التي تحيط بهم للفنان روبرت فرانك".

إذاً، هذه واحدة من الأساليب التي يقترحها المخرج لتعامل الفيلم السينمائي مع معرض تشكيلي، وهو مجرد ارتجال الكاميرا بين الحضور في حفل الافتتاح، كأنه في حالة دراسة لأدائية الجمهور بقرب الأعمال الفنية التي لا تظهر في الفيلم.

بين معرضٍ تشكيلي، فن تجهيز، وعشرة أفلام سينمائية، تقدم دار نمر الأعمال الفنية للمصور الفوتوغرافي والسينمائي اللبناني فؤاد خوري، وهو من أبرز المصورين الفوتوغرافيين للحرب اللبنانية 

يقدم معرض دار نمر عن أعمال فؤاد خوري، عمل تجهيز بعنوان "أجمل يوم"، وفيه يجلس المتلقي أمام ثلاث شاشات يُعرض عليها الأرشيف الفوتوغرافي الكبير لأعمال فؤاد خوري عن الحرب، ومعها مجموعة من النصوص المستقاة من قصيدة للشاعرة إيتيل عدنان، بعنوان "أن تكون في زمن الحرب"

الفيلم الثاني بعنوان "ساتيريكون، 2002"، وهو عن معرض تشكيلي حمل نفس العنوان للفنان سمير خداج. وساتيريكون هو عنوان كتاب تخييلي ظهر في القرن الأول بعد الميلاد ويعتقد أنه من تأليف "غياوس بيترونيوس"، وهو يستعرض الحياة الرومانية بطريقةٍ كوميديةٍ ساخرة ومبالغة، ويتناول الحياة الجنسية الإباحية وممارسات التعذيب والبذخ والمبالغات في السلوكيات الأخلاقية الرومانية، كان هذا الكتاب ملهماً للفنان خداج ليحقق مجموعة من التماثيل لشخصيات رومانية من الخشب والإسفنج، عرضت في العام 2002 في صالة سينما سيتي المهجورة والمشهورة بتصميمها البيضاوي، وسط العاصمة بيروت، وكانت كاميرا فؤاد خوري هناك لتصوير المعرض.

يقدم فيلم فؤاد خوري عن معرض ساتيريكون، طريقةً أخرى في تعامل الفيلم مع المعارض التشكيلية، وعلى العكس من الفيلم الأول، هنا لا تصوّر الكاميرا إلا التماثيل أي الأعمال الفنية، لا تظهر أية لقطة تظهر حضوراً بشرياً، إنها مجرد لقطات لتماثيل مقطوعة الأيدي في لحظات من السادية، في لحظات التعذيب، في المجون، الكثير من الأطراف المقطوعة، رسومات على الجدران، وحضور بارز للحيوانات في الحفلات الرومانية على الموائد العامرة للبذخ الروماني.

في خلفية لقطات التماثيل يجري حامل الكاميرا حديثاً مع أحد العمال الذين ساعدوا في تحقيق معرض ساتيريكون، يسأله حامل الكاميرا العامل عن رأيه بالتماثيل وطريقة تلقيه للمعرض، هكذا يختار فؤاد خوري في هذا الفيلم ألا يصور إلا الأعمال الفنية وأن يجري حواراً مع أولئك الجنود المجهولين في تحقيق المعارض وتنفيذها، ليأخذ الكاميرا الفضول حول تلقي هذا العامل لمفاهيم المعرض الذي شارك في صنعه.

مع فيلم "حرب أهلية، 2012"، يقدم فؤاد خوري أسلوباً جديداً في التعامل مع المعارض الفوتوغرافية هذه المرة، نتابع رجلاً وامرأة في متحف يستكشفان الصور الفوتوغرافية الموزعة في صالات المتحف، لكن الكاميرا دائماً ما تصورهما من الخلف، وهما يدخلان في الصور الفوتوغرافية، يصبحان والصورة الفوتوغرافية جزءاً واحداً، لا نقابلهما مجابهةً، بل هما في حالة دخول في الصورة وخروج منها، يجري بينهما حديث عن الحرب، بينما تعرض صور الحرب أمامهم: "فاجئتكِ الحرب؟ شو أكثر شي بتتذكري من الحرب؟"، "كيف تحول منظر المدينة، رائحة الموت، رائحة الزبالة، أصوات القصف، كتير من صحابي ماتوا".

هكذا تصبح الصور الفوتوغرافية في المتحف دافعاً للسرد عند الرجل والمرأة الزائرين. في الفيلم أيضاً، نرى في المتحف أحد أعمال الفيديو يعرض لشخصين يتحدثان في القارب عن ذاكرة الحرب، أحدهما المخرج والآخر هو المفكر جورج طرابيشي، الذي يقول: "الرادع عن تكرار الحرب هو وعي أسباب الحرب، وليس التغاضي عنها بالنسيان".

الفيلم الأخير هو الأحدث بين سلسلة الأفلام الأربعة، من إنتاج هذا العام، حمل عنوان "لا شيء نخسره"، فيه نتابع العلاقة بين الفيلم السينمائي وبين عمل فني أيضاً، المشاهد يراقب دفتر رسومات للفنان سمير خداج، دفتر الرسومات هذا بعنوان "كتاب الظلام"، ويحمل عنواناً آخر "كتاب الموت".

وبينما تستعرض الصور المرسومة فيه أمام الكاميرا، يستمع المتلقي إلى مقتطفات شعرية من قصيدة للشاعرة إليزابيث بيشوب، تتناول تجربة الفقدان والخسارة: "اعتقدت لوهلة أن الحرب علمتني معنى الخسارة، كم كنت مخطئة؟ فن الخسارة من الصعب احترافه، فن الخسارة من الصعب احترافه"، هنا التعامل مع العمل الفني، أي دفتر الرسومات، بتصويره وهو يُقلَّب بيد حامل الكاميرا، وهي طريقة مختلفة عن الطرق الثلاث التي اتبعت في الأفلام السابقة، ينتهي الفيلم بعبارة: "الأثر الذي نتركه خلفنا هو الأجدى، هو ما نتركه بعد الحياة"، وهكذا هي أفلام فؤاد خوري الأربعة لقد تركت كل منها أثراً مختلفاً، تنويعات على كيفية تعامل الفيلم السينمائي مع الأعمال الفنية حين يجعلها موضوعته.

يستمر المعرض حتى 27-09-2019 في دار النمر، بيروت.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard