نداء إلى الدولة المصرية: عاملوا سيد درويش مثل توت عنخ آمون لنعرف كيف مات

الخميس 12 سبتمبر 201902:13 م

هذه المرة لسنا بصدد الاحتفاء بسيد درويش في ذكراه، عبر تداول موسيقاه وفكره ومنتجه، فالكلام عن سيد درويش سيتجاوز حدود الغناء إلى حدود البقاء. فقط نريد أن نعرف، باعتبارنا أهل الميت، كيف مات سيد درويش؟

يقولون إن "الاحتلال الإنجليزي اغتاله بالسم".. لا لا "مات بجرعة مورفين زائدة".. لالا "لم يتناول المخدرات أبداً وألصقوا به ذلك لتشويهه".. "تعمدوا دفنه دون تحقيق بسرعة لإخفاء حقيقة مقتله". بين كل هذه الآراء راح سيد درويش عن الوجود ولم تصل أدوات الحقيقة المسكينة إلى شيء وأقفل المحضر في ساعته وتاريخه، ليبقى الاكتفاء بتلك الروايات دون حسمها، كصمت الشياطين عن الحق المبين، فهل تتحرّك الدولة لبيان نهاية أهم موسيقي مصري؟

إن الحقيقة في كيفية وفاة الشيخ سيد لا تزال تائهة بين تهويمات ودفاعات شخصية من أسرته، وتشويهات تختبئ وراءها أغراض، لن تحسمها الحياة بالتأكيد إلا إذا تجرّأت السلطات وفتحت مقبرة سيد درويش البحر، ابن مدينة الإسكندرية، وعرضت ما تبقى منه على خبراء الطب الشرعي ليقولوا لنا كيف مات، مثلما فعلت السلطات لسنوات الملك الذهبي توت عنخ آمون.


سيناريوهات مختلفة حول الرحيل

الرواية الأولى تقول إنه في أوائل سبتمبر 1923 ذهب سيد درويش، صاحب النشيد الوطني لمصر، إلى مسقط رأسه بالإسكندرية لترتيب استقبال الزعيم سعد زغلول، العائد من منفاه بجزيرة مالطا، إلا أنه بحلول 9 سبتمبر رحل سيد درويش عن عمر 32 عاماً بشكلٍ غامضٍ ومفاجئ قبل 96 سنة.

وفي قول آخر: "مرّ يومان كاملان قبل أن تنشر جريدة السياسة المصرية يوم 17 سبتمبر 1923 خبر الوفاة، بعدها حُمل جثمان درويش بسرعة إلى مثواه الأخير قبل أن يشعر أحد بموته، حيث دُفن في مقابر المنارة بالإسكندرية، وكُتب على قبره: يا زائري لا تنسني من دعوة صالحة... وارفع يدك إلى السما واقرأ لروحي الفاتحة".

كأن حياتنا لا تخص أحداً، كأن الموت والوجود يستويان لدى سلطاتنا. طيب إن جاز هذا التعامل مع مواطني الدرجة العادية من أمثالنا، فهل يصحّ مع شخصٍ بأهمية سيد درويش؟ 

وبحسب جريدة "الأهرام" المصرية، روت المطربة القديمة حياة صبري، ملهمة سيد درويش التي قيل إنه تزوّجها عُرفياً، للصحفي يوسف الشريف كيف مات الشيخ "سيد" قائلة: "قدّم شاب من أبناء عائلة الجريتلي الثرية بالإسكندرية للشيخ مطربةً لتدريبها على الغناء، ولم يعجب درويش بصوتها فقالت الفتاة لحبيبها إن الشيخ سيد يغازلها، فقام الشاب بدعوته على العشاء ووضع له مخدر المورفين في الشراب ليموت بعدها"، وادّعت أن الشيخ سيد بالصدفة كان متناولاً جرعة كوكايين - لم يكن ممنوعاً تداوله وقتها - فتفاعلا وكوّنا سُمّاً قتله".

محمد حسن درويش، حفيد الشيخ سيد، نفى رواية حياة صبري، واصفاً إياها بـ"الكاذبة"، مؤكداً أن جده لم يتزوجها ولم يُدفن سرّاً، لكن تم التعتيم على وفاته من الحكومة والاحتلال، حتى لا تلتهب مشاعر الجماهير وتزداد ثورة الشعب، ولم يسر في جنازته إلا أقاربه وجيرانه.

"الأهرام" نقلت عن حفيد سيد درويش أن "من قتله هو الاحتلال الإنجليزي عن طريق أسرة صديقة للشيخ سيد وخائنة للوطن، وتم إغراؤها بالمال، حيث أعدوا له عشاءً بمناسبة الانتهاء من لحن استقبال سعد زغلول، وتم دسّ السم له في الطعام، وبمجرد عودته إلى المنزل وافته المنية ولم تتمكن الأسرة من إسعافه"، وأوضح أنه "نظراً لشكوك الأسرة والمحيطين طالبوا بإخراج الجثمان وإعادة تشريحه لمعرفة سبب الوفاة، فامتنعت السلطات ورفضت تنفيذ الطلب لتأكدهم من حكاية السم، وخافوا من افتضاح الأمر"، وهذه هي رواية النهاية المؤكدة لوفاة سيد درويش عند أسرته.

في عام 2017، أي بعد رحيل سيد درويش بـ94 سنة، تقدّم طارق محمود، المحامي السكندري، ببلاغ إلى النائب العام، مطالباً باستخراج رُفات الشيخ من مدفنه، لأخذ عيناتٍ من الأجزاء التي لم تتحلل، كالأظافر والعظام والأسنان، للوقوف على سبب وفاته لوجود شبهةٍ جنائية، حسب قوله، فيما أربكت حفيدة الموسيقار المُلهَم المشهد حين قالت إن جدها توفى وهو بين عائلته و"لم يتعاط الكوكايين إلا مرة أو مرتين في حياته بطلب وإلحاح أصدقائه"، ليتناقض هذا الأمر مع كل ما أشيع عن اعتياد سيد درويش على الكوكايين.

رواية أخيرة كتبها الدكتور فؤاد رشيد في جريدة "الشعب" عدد 2 أبريل 1958، أن الشيخ سيد درويش مات بأزمةٍ قلبيةٍ من شدة الحزن.

الحقيقة في كيف مات الشيخ سيد لا تزال تائهة بين تهويمات ودفاعات شخصية من أسرته، وتشويهات تختبئ وراءها أغراض، لن تحسمها الحياة بالتأكيد إلا إذا تجرّأت السلطات وفتحت مقبرة سيد درويش البحر

صحيح أننا لن نعيد الزمن بكشف حقيقة موت سيد درويش، لكنها المعرفة، ضرورة لاستكمال الحياة، ولولاها ما عاش بشر مستقبلاً آمناً، ولسار في البرية كأي حيوان ضائع من الوجود

عبءٌ على ليل المؤرّخ

كأن حياتنا لا تخص أحداً، كأن الموت والوجود يستويان لدى سلطاتنا. طيب إن جاز هذا التعامل مع مواطني الدرجة العادية من أمثالنا، فهل يصحّ مع شخصٍ بحجم وأهمية وأسطورية سيد درويش؟ هل يكون الصمت والتجاهل مساوياً لقيمته الكبرى في الفن المصري، في ظلِّ حديثٍ متداولٍ حول شبهات مقتله؟ صحيح أننا لن نعيد الزمن بكشف الحقيقة لكنها المعرفة، ضرورة لاستكمال الحياة، ولولاها ما عاش بشر مستقبلاً آمناً، ولسار في البرية كأي حيوان ضائع من الوجود. لا نريد أن نكون عبئاً على المؤرخين، ولا ذباباً يهشّونه عنهم في الليالي ليركزوا فيما هو أهم، نريد منهم أن ينتبهوا لوجودنا ويوثّقوه كلما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً.

لقد أخذنا سنوات طويلة بحثاً عن سرِّ وفاة توت عنخ آمون، ذاك الذي لم يمسنا كمواطنين بشكلٍ مباشر، ولم تنفعنا آثاره الذهبية التي تلف العالم ولا نراها، لكننا نردد كل صباح نشيداً وطنياً صاغه سيد درويش، ونغنى في أوقات يأسنا أغنيات سيد درويش، حتى صار فنه فولكلور شعبٍ أصيلٍ عاش على هذه الأرض آلاف السنين، وتعلمت أجيال كثيرة من الفنانين وصاروا امتداداً لسيد درويش باعتباره نهراً متعدد الروافد.

ولعلها، رغم سذاجتها، تكون مقارنة مهمة لنقدّر حجم الاهتمام بين الشخصيتين، فحين تكتب اسم الملك توت عنخ آمون على محرك البحث "غوغل" ستظهر لك نتائج بين أخبار وصور وفيديوهات تعد بمليونين و290 ألف مادة، في حين أنك لو كتبت اسم سيد درويش على ذات محرك البحث ستجد أن النتائج تظهر 6 ملايين و850 ألف مادة، وهذا يعني الفارق في الأثر بين مومياء ملك وملك حي في قلوب الناس، فضلاً عن حجم الدراسات الأكاديمية والاهتمام به وبحياته وفنّه الخالد، أفلا تستحق نهايته من السلطات ذات القدر من الاهتمام؟

إنها دعوة مفتوحة للبحث والتعامل مع سيد درويش كأثرٍ حي لا مثيل له، نحتاج إلى كتابة تاريخه بدقة، وأن نعرف من كان وراء مقتله، إنْ كان قد قُتل، فمن حقنا أن نعرف القاتل، سواء كان حزناً أو مؤامرة داخلية أو احتلالاً لا يزال بالتأكيد يعبث بكل ما يهمنا، ويتلاعب بمصائر كثيرة، تحت جنح الصمت والتدليس والإخفاء.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard