أمم الحيوان في القرآن... من التفاسير إلى الأنثروبولوجيا الروحية

السبت 7 ديسمبر 201901:04 م

يأتي هذا المقال ضمن ملفّ قسم ثقافة في رصيف22 "تفاسير القرآن... إبداع دينامي ثري"

لم يتردّد إمام المتصوّفة وسلطان العارفين، الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (1164-1250) في الكلام عن "الأمة البهيمية" في واحد من أبواب كتابه الأرأس "الفتوحات المكية"، معرّفاً البهائم بأنها "أمم من جملة أمم"، لها ما لغيرها من المخلوقات من مناجاة خاصة مع "الحقّ"، أي الله. لم يكتف ابن عربي بحصر هذه المناجاة في "التسبيح" الذي يشتاق به كل الخلق لباريهم، بل وسّع مفهوم "الصلاة" ليشمل "الأمة البهيمية"، أي مملكة الحيوان بجميع أممها الفرعية، وزاوج في الوقت نفسه بين التسبيح والصلاة من جهة، وبين اكتساب المعرفة، انطلاقاً من كون التسبيح معرفةً بتنزيه الخالق.

فطنة "الأمة البهيمية"

استند "ابن أفلاطون" - وهو واحدة من الألقاب العديدة التي خلعتها أجيال من المتصوّفة على ابن عربي، قبل أن تتعاظم الحركة الارتدادية عن تراث الشيخ الأكبر في التصوّف نفسه، تحت وطأة اتهامه ببثِّ مذهب "وحدة الوجود" – على تأويل معاني الآية 41 من سورة النور "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ". شدّد على أن "كلّ شيء من المخلوقات له كلام يخصّه يعلمه الله ويسمعه من فتح الله سمعه لإدراكه" (الفتوحات المكية، الباب 378). الحيوانات تسبّح، تصلّي، تدرك، تعرف، تتكلّم، وتسمع.

وازن صاحب "الفتوحات" بين نظرته الكلّية (التوحيد الوجودي) المنطلقة من أنه ليس في الوجود شيء سوى الله وأسمائه، وبين مبحث الإنسان الكامل كما دشّنه في "فصوص الحكم" حيث العالم قبل خلق الإنسان "كان شبحاً لا روح فيه وكان كمرآةٍ غير مجلوة"، إلى أن خلق الله آدم على صورته، "فلا يزال العالم محفوظاً ما دام فيه هذا الإنسان الكامل"، وبين "أنسنة" ما سمّاه بـ"الأمّة البهيمية"، المسبّحة والمؤمنة والناطقة على طريقتها، ولمّا لم يكن المجال المعرفي الذي يتحرّك به ابن عربي هو مجال المفاصلة الحادّة بين "ما للعقل" و"ما للغريزة"، فقد اصطلح على تسمية هذا "العقل البهيمي" بـ"الفطنة". وقبل ابن عربي، كان ابن الدرداء قد خاض في المسألة فاعتبر أنه "أبهمت عقول البهائم عن كل شيء إلا عن أربعة أشياء، معرفة الله وطلب الرزق ومعرفة الذكر والأنثى وتهيئ كل واحد منهما لصاحبه".

كان ذلك قبل المفاصلة الحادّة بين ما للإنسان وما للحيوان، كما نجدها عند ابن قيم الجوزية في القرن الرابع عشر الميلادي، أو عند رينيه ديكارت في القرن السابع عشر، مع فارق أن ابن القيم ميّز العقل بالإنسان لكنه أقرّ للبهائم بملكة "التمييز والإدراك بما تتم به مصلحتها ومصلحة من ذلّلت له"، في حين سلب ديكارت وعقلانيّو "العصر الكلاسيكيّ" ملكة الإدراك هذه من الحيوانات لصالح فرضية "الحيوان الآلة" الذي ليس له لا حسّ ولا شعور ولا إدراك.

الشبه بالحيوان... بين الاحتراز والتلاقي

شغل "مبحث الحيوانية" العقل الإسلامي الوسيطي كثيراً، في حركة احتكاكه المتواصل بنصوص المدوّنتين القرآنية والحديثية، وتفاعله مع مصادر أسطورية وحكمية وأدبية وعلمية عديدة انشغلت إما بتقديم الحيوانات، أو بعضها، كنماذج أخلاقية تعليمية للإنسان، وإما بفتح كوّات في الجدران الفاصلة بين المخلوقات، وإطلاق العنان لكل "عجيب" في هذا المجال.

لكن أكثر ما شغل مفسّري القرآن كان تبيان المعنى والمقصد من شمله الحيوانات بـ"الأمم". "وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ" (الأنعام، 38).

وهكذا نجد في تفسير "جامع البيان" للطبري (تـ.923م) عن التابعي والمحدّث قتادة بن دعامة "أحفظ أهل البصرة" في العصر الأموي، تفسيره لمعنى الآية بأن "الطير أمّة، والإنس أمّة، والجنّ أمّة". أما "شيخ المعقول والمنقول" فخر الدين الرازي (تـ. 1209 في هرات، بأفغانستان في أيامنا) فينبّه في تفسيره الكبير "مفاتيح الغيب" أن "الحيوان إما أن يكون بحيث يدبّ أو يكون بحيث يطير، فجميع ما خلق الله من الحيوانات فإنه لا يخلو من هاتين الصفتين، إمّا أن يدبّ وإما أن يطير"، مستدركاً بأن من الحيوان ما لا يدخل في هذين القسمين مثل حيتان البحر، إنّما بالمقدور تأوّل حركتها بأنّها تدب وتطير (في الماء) معاً.

أما الإمام المحدث سفيان ابن عيينة (تـ.815 م) فكانت له نظرة "تداخلية" بين عالمي الإنسان والحيوان، مرتكزه أنّه "ما في الأرض آدمي إلا وفيه شبه بعض من البهائم، فمنهم من يقدم إقدام الأسد، ومنهم من يعدو عدو الذئب، ومنهم من ينبح نباح الكلب، ومنهم من يتطوّس كفعل الطاووس، ومنهم من يشبه الخنزير فإنه لو ألقي إليه الطعام الطيب تركه". وأوصى بأن "اعلم يا أخي أنك إنما تعاشر البهائم والسباع فبالغ في الاحتراز".

بعيداً عن "فقه الاحتراز" هذا، تبدو "شطحات" روزبهان باقلي الشيرازي (تـ.1209م) أقرب ما تكون إلى "فقه التلاقي" بين أنواع الحيّ، ما دام كلّ حيّ، من ملائكة وأنس وجنّ وبهائم، يعيش في شوق إلى الله. الإنسان ناطق عنده والبهائم ناطقة، ولأجل هذا يتنزّل الوحي الإلهي على جميع هذه "الأمم"، تنطق البهائم بالوحي نطقاً معنوياً يفهم معناه، وينطق الإنسان به ظاهراً مفسّراً.

عن طائر "السيمرغ" الأسطوري الإلهي الذي شغفت به الميثولوجيا الفارسية القديمة، واستعادت رمزيته "شاهنامة" أبو القاسم الفردوسي

في نفس الفترة تقريباً كان أعظم شعراء التصوّف باللغة الفارسية، فريد الدين العطار النيسابوري (تـ.1221م) ينظم ملحمته الشعرية الرمزية "منطق الطير"، موظفاً هذه التيمة القرآنية الواردة في آية " وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ" (النمل، 16)، للبحث عن طائر "السيمرغ" الأسطوري الإلهي الذي شغفت به الميثولوجيا الفارسية القديمة، واستعادت رمزيته "شاهنامة" أبو القاسم الفردوسي (تـ.1020م).

أما الصوفي والعالم بالسنّة أبو حسن السمنون "المحبّ" فشاع ذكره في التراث على القناديل كانت تتراقص من كلامه، وكان مستمعوه من الناس يهيمون على وجوههم وتتوله عقولهم، حتى الطيور كانت تعلوها الدهشة والذهول من كلامه في الحب".

المساواة في الخلق والاختلاف في الآخرة

أن يُشمل كل ما يدبّ وما يطير في خانة "الأمم"، بل في خانة "الأمم أمثالكم"، فهذه واحدة من الأبعاد الأساسية التي تمتاز بها المدوّنة القرآنية، وقد اجتهد العقل الإسلامي في العصر الوسيط لتفسيرها وتأويلها، وذهب وراء ذلك مذاهب شتّى. مع هذا، لا يحول التنوع الكبير في المصادر وفي التفاسير من رصد اتجاهات أساسية في الخطاب القرآني إزاء مسألة "الأمة البهيمية" كما سمّاها ابن عربي.

لم يكتف ابن عربي بحصر المناجاة في "التسبيح" الذي يشتاق به كل الخلق لباريهم، بل وسّع مفهوم "الصلاة" ليشمل "الأمة البهيمية"، أي مملكة الحيوان بجميع أممها الفرعية

شغل "مبحث الحيوانية" العقل الإسلامي الوسيطي كثيراً، في حركة احتكاكه المتواصل بنصوص المدوّنتين القرآنية والحديثية، وتفاعله مع مصادر أسطورية وحكمية وأدبية وعلمية عديدة انشغلت إما بتقديم الحيوانات، أو بعضها، كنماذج أخلاقية تعليمية للإنسان، وإما بفتح كوّات في الجدران الفاصلة بين المخلوقات، وإطلاق العنان لكل "عجيب" في هذا المجال

يتفرّد هنا الكتاب الصادر العام الماضي، بالفرنسية، للباحث في الإسلاميّات، المتبحّر خصوصاً في تراث التفاسير "الباطنية" للقرآن، بيار لوري، "منزلة الإنسان بإزاء الملائكة والحيوانات والجن" (البان ميشال، 2018). يستعيد لوري في هذا المجال منطلقاً أساسياً بيّنه أستاذه روجي ارنالديز، الذي أظهر أن ميزة الإسلام هو أنه لا يقرّ بـ"ما فوق طبيعة"، أي أن كل الكائنات التي ليست الله تتشارك في مضمار من السواسية "الوجودية" فيما بينها، على اختلاف مراتبها.

أما لوري، فيستكمل هذا المنطلق بالإيضاح بأنه في هذا النسق القرآني ليس لأي من الكائنات المخلوقة أعياناً أو طبائع ثابتة، وبالتالي ليس هناك أي "طبيعة" ثابتة لا عند الإنسان ولا عند الملائكة، فقط مقامات قصدية أناطها الله بها، ولا يتناقض ذلك مع انتشار تراتبيات بين الكائنات يمكن أن تستقي من النص القرآني أو من سواه، واهتم العقل الإسلامي الوسطي بتصنيفها وتكريسها. إلا أن بيار لوري ينبّه إلى الفاصل الأساسي بين تراتبيات الكائنات في تراث المعتزلة والفلاسفة المشائيين من ناحيةٍ، وبين تراتبيتها في التراثين الصوفي والتفسيري من ناحيةٍ ثانية.

في التراث الأوّل، هناك نظام سببي معقول للكون وللكائنات، في حين أنه في التراث الثاني أي شيء عرضة للتبدّل في أي لحظة، وهذا يعود ويخفف من نزعة التمركز حول الإنسان، لصالح "السواسية الوجودية" بين سائر المخلوقات. بالتوازي، يستنتج بيار لوري أن الإنساني ليس في القرآن بمعطى مسبق، بل هو أقرب ما يكون الى الصيرورة والمآل. الإنسان "كائن اجتهادي" إما أن يتقرّب إلى الملائكة، وإما أن يتمثّل بالشياطين... وما بين هؤلاء وأولئك له أن يحاكي النماذج "الاجتماعية الأخلاقية" عند النحل والنمل، أو أن يتشبّه بالحيوانات المفترسة، أو أن يمسخ كذلك الأمر على هيئة حيوان.

ومن هذه الزاوية بالتحديد يرصد لوري كيف تحوّل مركز الاختلاف بين الإنسان وبين "الأمة البهيمية" في العقل الإسلامي بالعصر الوسيط من ثنائية "ناطق – غير ناطق" إلى ثنائية "مكلّف (بالشرع) – غير مكلّف"، ما ارتبط أيضاً بجدلٍ حول المصائر الأخيرية للحيوانات، وهو جدل حسم التقليد التفسيري – الفقهي المهيمن بنفي هذه المصائر، جنة أو نار، عنها.

معادلة بيار لوري إذاً هي المساواة "الأنطولوجية" (الوجودية) في القرآن بين الإنسان والحيوانات (لكن أيضاً الملائكة والجن)، في مقابل إخراج الحيوانات من عالم "الإسكاتولوجيا" (الحياة بعد الموت). هذا مع التنبيه إلى صعوبة نفي الإسكاتولوجيا تماماً في هذا المجال، طالما أن المدوّنة القرآنية نفسها لم تحصر التسبيح بالإنسان والحيوان، بل بالنبات والجماد أيضاً، أي مدّت مفهوم الحياة نفسه لكل أنواع "اللاحيّ".

"ملائكية" النحل

رغم تعاظم الاتجاه الذي ينفي المصائر "الأخيريّة" عن البهائم، فإن شمس الدين القرطبي آثر مثلاً في القرن الثالث عشر، في تفسيره "الجامع لأحكام القرآن" اعتماد منظار أخيري محض اعتبر فيه أن الحشرات مخلّدة في جهنم، باستثناء النحل.

والنحل، في التراث التفسيري، أعلى منزلة من النمل، رغم امتياز كل من الأمتين بسورة في القرآن.

"وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ.

ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ" (النحل 68-69).

في تفسير الرازي أنّ الوحي الموحى إلى النحل غير مرتبط بحقبة زمنية بعينها، هذا بخلاف الوحي الموحى إلى النمل أو الهدهد في القصص المرتبط بسليمان الحكيم. بالنسبة إلى بيار لوري، يتجاوز مقام النحل في القرآن منزلة "النموذج الأخلاقي التعليمي" للإنسان، نموذج أكل الطاهر وإقامة الليل وإطاعة الأمير.

"النحل" هو مناط الصوفية، والخلوة الصوفية مستوحاة من قفير النحل. هو نموذج مثالي للتقوى، وأكثر، هو بمثابة بعد "ملائكي" عيني بالنسبة إلى البشرية. هنا بالذات يضعنا بيار لوري أمام اختبار تأويلي حقيقي لا يكتفي بدراسة التفاسير القديمة والموازنة بينها، وإنما بشق السبيل لما يسميه "الأنثربولوجيا الروحية" كمحور أساسي وكلي الراهنية، للتفاعل مع المدونة القرآنية ومع التراث التفسيري.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard