وائل غنيم... ماذا صنعت الثورة بأبنائها؟

الأربعاء 11 سبتمبر 201905:08 م

سادت حالة من الجدل في مصر بشأن الظهور الأول للناشط السياسي وائل غنيم، في 10 أيلول/سبتمبر، بعد غياب. ظهر غنيم حليق الشعر عاري الصدر وقد علا ملامح وجهه الوهن الشديد، لكن الحالة النفسية التي بدا عليها كانت أكثر إثارة للقلق، فخرج وهو يردد حديثاً يناقض بعضه بعضاً، وهذا ما سبب صدمة كونه أحد أبرز رموز ثورة 25 يناير عام 2011 التي أطاحت الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك عن الحكم.

وفي أحدث مقطع مصور، قال غنيم في 11 أيلول/سبتمبر: "أريد أن أحكي ما حدث لي في آخر 3 سنوات. لقد أصبت باكتئاب حاد بأعراض انتحارية، صحيح أنني لم أقدم على الانتحار وكانت مجرد أفكار، لكنني كنت معترفاً بمرضي ولم أكن متضايقاً بسببه لأنه من البديهي بعد ما عاشه الشخص (يقصد نفسه) في مصر في السنوات الأخيرة أن تأتي اللحظة ويقع (يضعف) ويصبح غير قادر على الاستمرار"، مردفاً "محاسبة النفس شيء صعب، وصعب أن يعترف المرء بأخطائه".

اعتراف بالتناقض والمرض النفسي

ثم أضاف: "منذ فترة وأنا أحاسب نفسي حتى وصلت إلى مرحلة أسميها ‘التصالح مع النفس‘ وأسعى لإخراج شحنات الغضب الذي بداخلي"، موضحاً أنه قام بحلق رأسه وحاجبيه لتنشيط الدورة الدموية.

وخلال المقطع المصور الذي امتد 47 دقيقة وبثه عبر خاصية البث المباشر على فيسبوك، استمر غنيم مؤسس صفحة "كلنا خالد سعيد" التي كانت منصة نددت بالتعذيب وحشدت الجماهير ودعت للتظاهر في يناير 2011، في توجيه شتائم لكل من انتقده أو هاجمه في التعليقات، وقام أيضاً بخلع قميصه، وتحدث كثيراً عن معاناته النفسية والجسدية.

وحرص على تقديم النصائح الطبية لمساعدة من هم في مثل ظروفه. ورداً على تساؤل من يدعم حالياً، أي فريق سياسي، أجاب "أنا مع الجميع لأني شخص متناقض، هذه طبيعتي، أنا أحب كل الناس وأرى الجيد فيهم وأعرف كيف أتعامل معهم. أخطأت بحق أشخاص كنت أظن أنني كنت أفضّل إهانتهم لكنني اكتشفت العكس".

ونفى تماماً أن يكون قد تعرض للتعذيب أو الصعق بالكهرباء، قائلاً "تعذيب إيه؟ سيبكم (دعكم) من الكلام دا (هذا) بقى، أنا أجلس أمام لوحة رسمتها ابنتي".

ثم أوضح: "لا أريد أن أتحدث سياسة في هذا الفيديو لأن مشكلتنا في مصر ليست مشكلة سياسة بل هي مشكلة مبادئ وأساسيات وتربية". 

وأضاف: "الناس التي تعتقد بأن العيب في النظام هي نفسها تعاني عيوباً في بيوتها ولا تعترف بها... كانت مشكلتي أنني أردت أن أصلح العالم ولم أنظر إلى نفسي"، معاوداً تبادل السباب مع المتابعين والنصح الطبي.

"بداية جديدة"

وكان غنيم (39 عاماً) قد أثار الجدل في 10 أيلول/سبتمبر، حين أبدل صورته الشخصية في حسابه الشخصي الموثق على فيسبوك بصورة أخرى يظهر فيها حليق الرأس والحاجبين وعاري الصدر. البعض لم يتمكن من التعرف على غنيم بسبب التغير الملحوظ في مظهره، في حين تساءل آخرون هل يعاني حالة نفسية سيئة أو فقد شعره إثر إصابته بالسرطان.

ثم وضع منشوراً كتب فيه "اليوم بداية جديدة بالنسبة لي. لقد سامحت نفسي على كل شيء سيّىء. وسامحت الجميع أيضاً. يرجى التواصل إذا لم أحترم، في أي وقت مضى، مشاعرك. أريد أن أتعلم كيف ألا أفعل ذلك مرة أخرى. الحب أفضل".

وبعد ساعات قليلة بث مقطعي فيديو، قال في أولهما: "وأنا في هذه الظروف وقد سامحت نفسي وجميعكم قلقون (بشأني)  وترون أني أصبحت مجنوناً، أرغب في توجيه الشكر إلى والدتي التي علمتني أن أحترم الناس وأحترم كرامتي".

"حتى عندما سافرت إلى الخارج، لم أهن نفسي. محمد علي (المقاول الشاب الذي يتهم السيسي والجيش المصري بالفساد وإهدار المال العام) اتلم (تأدب) بطل (توقف) عيب. أنت تريد الأموال... عيب أن تفعل ذلك. أنا عندما خرجت لم أوافق على توجيه الشتائم، وكان ممكناً أن أفعل ذلك... اتصلت بعبد الله بن زايد (وزير خارجية الإمارات) وشتمته هاتفياً، وسيسمعني الآن وسيغضب مما قلت لكن لا يهمني، لازم يفهم أنه خلاص... وتريدون قتلي افعلوا ذلك لأني خلاص ليس لي آخر".

محمد علي يرد

ورد المقاول والممثل المصري الشاب محمد علي على غنيم في مقطع فيديو قائلاً "كل يوم هحكيلكم حكاية فساد، لكن اليوم أنا متضايق جداً لأن وائل غنيم الذي سمعت عنه وقت الثورة، وهو شخص محترم وكان سبب في قيام ثورة في مصر... تخيلوا أنه ترك كل شيء يحدث وخرج ليحدثنا عن حلق شعره"، قبل أن يضيف ساخراً "يا شعب مصر قدروا وائل غنيم حلق شعره عشانكم وبقى مصاص دماء... وترك البلد والفساد وبيتحدث عن محمد علي تقريباً أنا دمرت مصر ولو تخلصتم مني يكون أفضل شيء". 

وتابع ساخراً: "وائل: أنا من منطقة شعبية ولساني طويل، تربية حكومة وليس تربية (مدارس) لغات ودبي (يظن خطأً أن غنيم مقيم حالياً في دبي والحقيقة أنه في أمريكا) مثلك... خليك رجل محترم يا أهبل"، مردفاً "أنا بتخانق مع رئيس الجهورية إيه دخلك بينا يا حمار مش فايق لك... أنا بضحي بعمري وأجلت فيديو (عن السيسي) عشان أرد عليك".

مقطع ثان أكثر إثارة

وفي المقطع الثاني سعى غنيم  إلى طمأنة متابعيه القلقين بشأن الحالة التي ظهر فيها بالقول: "أنا كويس (بحالة جيدة) ومسامح نفسي في كل حاجة وحلقت شعري لأننا منذ وقت طويل كل شخص يخشى حكم الناس عليه. لكنني اليوم لا أخشى حكم الناس عليّ، لأن ما بداخل قلبي كويس. أتمنى أن يصبح السيسي جيداً ومصر أيضاً. وأتمنى جميع المسجونين يخرجوا".

واستطرد "أتمنى أم عبد الله (زوجة الرئيس الراحل محمد مرسي) الأم التي حبس زوجها ثم مات ولحق به ابنها، أتمنى أن تهدأ لأننا جميعاً نسينا كيف تعاني هذه السيدة وتتعذب لأننا فاقدي الإحساس".

ثم مضى قائلاً: "يا سيسي (الرئيس المصري الحالي) إذا كان لديك دم (إحساس) روح حب على (قَبِّل) يد هذه السيدة ودعنا نرى أن لديك دم وأن والدتك أجادت تربيتك، لأنك وجعت هذه السيدة وأضريت بها ولو والدتك على قيد الحياة كانت ستخبرك أنك أخطأت بحق هذه السيدة".

قبل أن يعود ليناقض نفسه "لن أشتمك لأنك رجل بداخلك الخير وأنا أعرف ذلك، لكن لو سمحت حب على (قبل) يد هذه السيدة وقل لها أنك آسف".

تساؤلات عدة عن الحالة التي ظهر فيها الناشط السياسي المصري وائل غنيم، أحد رموز ثورة يناير عام 2011: هل استماله نظام السيسي؟ هل عذبه وأجبره على الظهور للتغطية على فيديوهات محمد علي؟ على هذين السؤالين رد غنيم في أحدث مقطع مصور له


ما بعد الثورة

يعتبر غنيم أحد مفجري ثورة 25 يناير عام 2011، عندما أنشأ صفحة "كلنا خالد سعيد" عبر فيسبوك ودعا منها إلى التظاهرات التي انتهت برحيل نظام مبارك. 

وكان قد فاز في آذار/مارس عام 2011 بجائزة كينيدي السنوية للشجاعة، وهو العام نفسه الذي شهد اختياره ضمن أكثر 100 شخصية تأثيراً في العالم بحسب مجلة التايم.



وكان من الصعب على جيل ثورة يناير أن يروا إحدى أيقونات انتفاضتهم في هذه الحالة، وتباينت التحليلات، فالبعض اعتبر أنه تعرض للتعذيب من قبل النظام الحالي للخروج بهدف الرد على شريحة واسعة عن الفيديوهات المتتالية للمقاول محمد علي. في حين دافع عنه كثيرون، مشيرين إلى مروره بحالة نفسية سيئة نظراً لحزنه على ما آل إليه حال مصر وإحساسه بالذنب كونه كان أحد المتسببين بالوضع الراهن، وبالانسحاب وترك الساحة للإخوان تارة والعسكر تارة أخرى.

لكن هذه ليست المرة الأولى التي يثير فيها غنيم الجدل، وهو الذي صدم متابعيه في تموز/يوليو الماضي، بالإعجاب بمنشور لنجل الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، علاء، ينفي فيه شائعة وفاة والده ويؤكد أن والده محبوب بشدة برغم أنف الكارهين.



وعززت إعجابه بهذا المنشور تكهنات البعض بأنه "نادم" و"شاعر بالذنب" لدوره في الثورة على مبارك.

أين ذهب أبناء الثورة؟

غير أن التيار الأكبر من المعلقين على مواقع التواصل الاجتماعي ذهب إلى اعتبار أن ما حدث لغنيم أمر "طبيعي للغاية" و"متوقع" بعد كل الخيبات التي مرت بها البلاد والتحولات العكسية منذ الثورة.

واعتبر آخرون أن صورتي غنيم في 2011 والآن مماثلة تماماً لحال مصر إبان الثورة وتحت حكم السيسي.

يشار إلى أن غنيم ليس الوحيد من ثوار يناير عانى ولم يزل يعاني، فالآن عقب مرور 8 سنوات، لم يبق منهم أحد في المشهد تقريباً وهم إما قابعون في السجون أو يخضعون لأحكام المراقبة المقيدة أو خارج البلاد، متهمين بالعمالة وتنفيذ أجندات أجنبية، وجميعهم أُبعد تماماً عن المشهد السياسي في البلاد.

ومن هؤلاء، المدون والناشط السياسي علاء عبد الفتاح الذي قضى 5 سنوات في السجن ويخضع حالياً للمراقبة اليومية من 6 مساءً حتى 6 صباحاً في قسم الشرطة.

وما زال أحمد دومه في السجن، بعد مرور كل هذه السنوات. في حين ترددت أنباء أخيراً عن احتجاز أحمد ماهر تعسفياً أثناء قضائه فترة المراقبة الشرطية. ويعد هيثم محمدين أحد أسوأ رموز ثورة يناير حظاً إذ تعرض للسجن والتعذيب والإخفاء القسري بضع مرات. وحالياً هو مسجون احتياطياً بتهمة الانضمام إلى "جماعة إرهابية" مع مصطفى، شقيق أحمد ماهر.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard