"قشّة في الميقات" لِجلال آل أحمد... رحلة ثورية إلى الحجّ

الأحد 15 سبتمبر 201906:00 م


من خلال يومياته التي دوَّنها الكاتب والمُفكِّر الإيراني محمد حسين حسيني طالقاني المعروف بـ"جلال آل أحمد" (1923-1969) فإنّ رحلته إلى الحج سنة 1964، لأداء الفرض الخامس، والذي كان قد ترك الدراسة في الحوزة العلميّة في النجف الأشرف، ليلتحق بحزب "تودة" الشيوعي سنة 1944، ومنها يغادر إلى الجامعة الأمريكية في بيروت، ثمَّ يتركها ليلتحق بمعهد المدرِّسين في طهران، ويتخرَّج منه سنة 1949 نحنُ مع مثقَّف، كان في تنقلاته الفكرية من الدينية إلى الماركسية فالوجودية يحمل همَّ الدين الإسلامي، ورحلته إلى الحج هذه التي كتب عنها، وظَّف فيها الموروث الحكائي والفلكلور، ولكن بحسٍّ ثوريٍّ نقديّ من سلوك وعادات الحجيج.

فنقرأ رؤية أنثربولوجية لمثقَّفٍ وليس موضوعاً إنشائياً. إذ جمع بين التهكّم والغضب وهو يرى الناس/المسلمين لم يتخلَّصوا بعد من عيش الحياة القطيعية التي روّضتهم عليها الدولةُ الاستبدادية، في حين أنَّ الشريعة الإسلامية هي شريعة الطبيعة التي يحقِّق فيها العقلُ الإنساني نفسه.

جلال آل أحمد في "قشَّة في الميقات" (دار الهادي- ترجمة: حيدر نجف)، يتحوَّل إلى بطلٍ يقهر التخريف الذي تحوَّل إلى وحشٍ مقدَّس، فمنذ أن وطأت قدماه أرض مطار جدَّة، وسيقَ مع الحجيج الإيراني إلى مدينة "الحاج" وهي في المطار، وهذه أوَّل ملاحظة أنها مدينة/بناية من أسوأ ما تكون في القذارة، فالمجاري مسدودة والمغاسل بلا ماء، وعلب البيبسي ونفايات المسافرين في كلّ مكان، وهذه الدولة العليَّة يبدو أنَّها منهمكة بمعالف النفط، فحتى لو مات كلّ هؤلاء الحجّاج من المرض، فالمهمّ سلامة آبار النفط.

آل أحمد في مشاهداته هذه كأنَّه يحكي عن اضطرابٍ عميقٍ أصاب السيرورة الكونية، هو جاء يحجّْ، ولكنه جاء ليقرأ كعالِم أنثربولوجي. فالإمبريالية موجودة في الحج، وهي المسؤولة عن كل هذا التخلُّف
مررتُ على الصرّافين وهُم في الباحة قرابة عشرين رجلاً كلّ واحد منهم يجلس على سجادة في زاوية ويفرش نقوداً بعضها سعودية، وبعضها عليه صورة نابليون ورأس أتاتورك وتمثال إليزابيت، وغيره

جلال آل أحمد لا يسخر، هو ينتقد حالة فقدان التوازن بين الحلال والحرام، بين النظافة والقذارة، ذلك في أرض الله، أرض الحج، فما يراه ليس تناقضاً، بل سوء احترام لآدمية الحجَّاج. ويتحدَّث -وهي ملاحظات نقدية كما ذكرنا عن (الصرافين) في الحج- هو يوخزنا، فيقول: مررتُ على الصرّافين وهُم في الباحة قرابة عشرين رجلاً كلّ واحد منهم يجلس على سجادة في زاوية ويفرش نقوداً بعضها سعودية، وبعضها عليه صورة نابليون ورأس أتاتورك وتمثال إليزابيت، وغيرهم. السعر واحد في كلّ مكان.

آل أحمد في مشاهداته هذه كأنَّه يحكي عن اضطرابٍ عميقٍ أصاب السيرورة الكونية، هو جاء يحجّْ، ولكنه جاء ليقرأ كعالِم أنثربولوجي. فالإمبريالية موجودة في الحج، وهي المسؤولة عن كل هذا التخلُّف. من ينتصر؟

جلال آل أحمد المفكِّر الإيراني، يدوِّن أراءه وملاحظاته كمثقفٍ يقبض على جذر الاستبداد، بإدراكه وحسِّه الإنساني الناقد

يقول آل أحمد بحسٍّ عالٍ من التعاطف مع المهزومين أن لله جَدَّة، وحمَّالوها الذين يقعُ عليهم العبء الأكبر في مراسم الحجّ تحمله كواهلهم، حمَّالون بلا سروج ظهور ولا أحزمة، بل بأيدٍ خالية تماماً. ولكن رئيس القافلة قال لآل أحمد والحجَّاج الإيرانيين إنه أعطى (رشاوي) للمسؤولين أو نوابهم، وأغرقنا بالمنَّة لنسير قبل موعد سيرنا. حجٌّ ورشوة؟! بل إنَّه وهو يمرّ من ساحة "بدر" في المدينة التي وقعتْ فيها أوَّل حربٍ بين الرسول (ص) والمشركين، وبكلّ ما لها من فتوحات في صدر الإسلام صارت ساحتها مكتظة بدكاكين بيع الزيوت والبنزين! كأنها قيامة. ثمَّ يتساءل: هل كان سوق عكاظ هنا في الجاهلية؟ ثمّ هل العبادة والتجارة توأمان؟ أم أنَّ إحداهما زائدة دودية للأخرى؟ ترى الواحد يفرش سجادته للصلاة وسط الشارع استعداداً ليصلّي، وما أن يفرغ من صلاته حتى تنقلب سجادته تلك إلى بساط تجارة؟

جلال آل أحمد المفكِّر الإيراني، يدوِّن أراءه وملاحظاته كمثقفٍ يقبض على جذر الاستبداد، بإدراكه وحسِّه الإنساني الناقد. أينَ فكرُ التقدُّم، أين البذور الجنينية للإيمان، تلك التي فتحَ بها الرسولُ (ص) والذين هم بمدينته وفي مسجده أصقاعَ الأرض.

يكشف آل أحمد عورات التخلف حتى في العمارة، فعمارة مسجد النبي الذي هو في غاية العظمة والأهميَّة تراه مبنياً من قطعٍ إسمنتية بما فيها المآذن بكلّ ما فيها من شموخ وارتفاع، وكذلك ممرات الكعبة، ويتمنى آل أحمد لو أنه يعرف "المهندس" المسؤول عن هذا البناء ليقبض عليه من تلابيبه، ويقول له: يا أستاذ! يجب التعبير عن العظمة الروحية لمثل هذا البناء بأبسط رموز الطبيعة، بالأحجار. ألا يخطر ببالك أيها المهندس أن تستشير الذي نقل الأطواق وأشكال الرسوم والمقرنصات من الهند إلى الأندلس؟ أسئلة مؤلمة وأكثرها إيلاماً سؤاله لهذا المهندس: أليس بناء الكعبة ونسبته إلى إبراهيم الخليل (عليه السلام) يعني إسكان البدو الرحّل في المدن والقرى، وإذا كان إبراهيم معماراً ومشيِّداً للكعبة، ونوح نجاراً ومصمِّمَ سفنٍ، وداوود صاحبَ مزمار وشاعراً، ونبيُّنا محمد (ص) تاجراً -أي سفيراً بين المدن- ألا يعني هذا أن كلاً منهم كانت له مهنة من مهن المدينة والحضر؟

جلال آل أحمد في كتابه " قشّة في الميقات- رحلة مثقَّف إلى الحج" لا يعادي الدين؛ هو ضدّ الجهل والتمسُّك بالنقل؛ يريد أن يحكم (العقل)، فبالعقل يقبض المسلمون على روح الشريعة، ويتمُّ فصل الجوهري عن العرضي، وإظهار الروح الشرقيَّة. ما معنى أن تأتوا إلى الحجّ ولزيارة بيت الله، ولا ينفكُّ الرجل يئنُّ ويولولُ حنيناً إلى زيارة كربلاء؟ وهل الشيطان في رمي الجمار في متناول أيدي الناس لدرجة حين تنفد الأحجار التي يرمونه بها، يرجمونه بالأحذية، فردات أحذية منزوعة، وخردات نعال خفيفة من صناعة أندونيسيا؟ بل ما معنى أن تدفن لحوم الأضاحي في الحُفر؟ ما الضير لو تمَّ طبخها وتعليبها وتجميدها وتقديمها هدية إلى فقراء العالم؟ ثمَّ ما هي مهمة هذا الأسد والشمس الأحمرين والهلال الأحمر؟ ألا يبصرون هذا الإسراف الوحشي؟! والحال أنَّ ثلثي الناس في دهرنا لا يأكلون اللّحم مرةً واحدة في العام.

يكتب آل أحمد بألم وكأنَّ الحجَّاج لا يذبحون كبش إسماعيل بقدر ما يمرنون أيديهم للطعن بالسكاكين، لسفك الدماء، ورؤية أنهارها. الرجال والنساء والأطفال يمسكون بأيديهم، ويخوضون في أجساد الحيوانات. وبعضهم يطعنون بقايا الذبائح لمجرَّد التسلية، وشررُ الغبطة والرضا يبرق من أعينهم، كأنهم جميعاً يدرسون علم التشريح، أو أنهم يقومون بعمل بطولي نادر.

جلال آل أحمد يكتب ملحمة ترى فيها الإنسان مهدَّداً دوماً باغتصاب إرادته ومصادرة ثرواته. وهذا ما عاد به من رحلته إلى الحجّ. إذ يعتبر أنَّ ما كتبه في هذه الملحمة الروائية التي أبطالها مئات الآلاف من البشر، قد يكون اعترافاً، أو اعتراضاً، أو زندقة، أو أيّ شيء آخر، إلا أنه كما يقول: كان يبحثُ في هذه الرحلة عن أخيه الإنسان، أكثر من بحثه عن الله، فالله موجودٌ في كلّ مكان لمن يؤمنُ به.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard