الناس نيام، فإذا هم حلموا انتبهوا...

الأربعاء 11 سبتمبر 201901:42 م

ورأيتُ فيما يرى النائم، بلداً على هيئة سفينة في عرض البحر وقد استولى عليها قراصنةٌ أشرار، يعرّون الرجال من ثيابهم ويدسّون أصابع حيث كنّا نظن أن لا شيء يدخل هناك سوى المحاقن، ثم قادونا إلى جزيرة غريبة، تنبت النساء على أغصانها كأنها فاكهة، ثم أدخلونا مغارة مظلمة وجدنا فيها بضعة أطفال يشربون البيرة، وينادون بعضهم بأسماء غريبة كأبي الجماجم وأبي الغضب، ووددتُ لو أمسك بأذن أحدهم وأصفعه ليتأدب، لكنه أخرج سكيناً طويلة وقال لي: ما رأيك أن أقشّرك كالليمونة؟! فاستيقظت.

علم نفس الأجهزة

الأحلام قصص، هي "أدب النوم" كما يقول الكاتب الفرنسي جان كوكتو، العديد من علماء النفس تفاعلوا مع الأحلام وقدّموا تفسيراتهم لها، فبينما يرى فرويد أنها، بالرغم من قصصها غير المتماسكة ومبرراتها السخيفة، تمثّل رغباتٍ مكبوتة، وبالتالي نستطيع عبر تحليل الأحلام الوصول إلى فهم الشخص بشكلٍ أعمق والوصول إلى رغباته اللاواعية، ويتفق معه عالم النفس السويسري، كارل يونغ، لكنه يرى أن الأمر مرتبط بالناحية التعويضية أو التكميلية، فيهدف الشخص عبر أحلامه لتحقيق التوازن النفسي، أما جدتي ريما فلا تتفق معهما، فهي ترى ببساطة أن الرب يستغلّ نومي ليرسل رسائل إلي، تتعلّق بطريقة حياتي وضرورة الكف عن استهلاك تلك الكمية الهائلة من الكحول والتبغ، أما الحكومة فتخالف الجميع، حيث تظن أن الأحلام عبارة عن مؤامرات المواطنين ضد نظام الحكم، فماذا يعرف فرويد أو يونغ أو جدتي ريما حتى، عن علم النفس أكثر مما يعرفه عنصر المخابرات حين يستخدم خياله الحزبي مثلاً؟

عبثاً أجهد الفقهاء أنفسهم في وصف الجحيم وأهواله، أظنهم يجب أن يكتفوا بهذا الوصف: لا أحلام فيه

هذه المفردة "حلم" انتقلت في ذهن المواطن العربي من حيّز الوظائف الطبيعية للنشاط الدماغي إلى مفردةٍ تتعلّق بالحقوق اليومية، فعلى الأغلب سيقع فرويد وربما ابن سيرين نفسه، أرضاً عندما سيستمع لأحلام مواطن سوري في الألفية الثالثة، فتحت أي بند تصنّف الأحلام الخاصة بالخبز وجرّة الغاز ولباس المدرسة، لا ريب أن للسوريين علم نفس خاص بهم، يختلف في دلالاته عن باقي البشر، حيث لا يرمز تساقط الأسنان في الحلم للشعور بالعجز بل للكمةٍ قوية في أحد مراكز التوقيف، وحيث يرمز ارتداء الأبيض لا لفرح قادم بل لكفن، وحيث يرمز الألم في المنام للألم في اليقظة فحسب.

الأحلام الخاصّة بالفاتنات

الأحلام الجنسية تتفوّق على أفلام السينما في دقة الصورة واستخدام المؤثرات جميعها، وغالباً ما يضع الرجال "كاتالوغ للأحلام الجنسية" يتعلّق بالطول واللون والقياسات والوضعيات، على هيئة ملفٍّ يتمّ تحديثه باستمرار، (كان كاتالوغي يضم العديد من الممثلات والجارات والقريبات)، تحلم النساء أحياناً بأنهن رجال، ونادراً ما يفعل الرجال العكس، رغم أنه من المفيد أن يشعر رجلٌ ولو في الحلم، بغرابة أن يكون حاملاً مثلاً، ويحمل بدل معدته الواسعة كائناً حيّاً، مع سبعة أو ثمانية كيلوغرامات من السوائل، وثمة من يحلم بأنه الدب تيدي أو الغزال بامبي، لكن لا يحلم أحد بأن يكون شيئاً كساعة حائط مثلاً أو كرسي استقبال، بندقية أو دبابة، إذا حصل هذا لأحد فسيكون كافكا في مأزق.

امرأة تحلم بأنها نبي

رأيت نفسي مطاردةً من عدّة برتقالات بنفسجية اللون، لكنها ضخمة ومخططة كبطيخات كبيرة، أركض في شوارع مدينتي المصنوعة من بكرات الصوف وسنانير الحياكة، أجد أمامي باباً صغيراً مصنوعاً من خشب الجوز (كيف عرفت أنه من خشب الجوز؟ إنه حلمي أنا أيها الذكوريون الحمقى)، أدخل لأجد نفسي في جنازة والميت موضوع في علبة بسكويت ضخمة، أطرق عليه ثلاث طرقات، فينهض رجل من داخله ويقول لي: النساء قوّامات على الرجال.

رجل يحلم بأنه قرآن

أنا في زنزانة، أمامي طاولة صغيرة عليها علبة ثقاب أجنبي، أسمع ضجيجاً خلف باب الزنزانة الحديدي، ثمة أحد يحاول الدخول إلي، أعلم أنه سيضربني إذا دخل، أفكّر: إذا تحوّلت إلى نسخة من القرآن فربما يقبّلني ويتركني، أنظر إلى ثقب في الجدار وأتذكر فيلماً يستطيع فيه البطل أن يتحول لأي شيء يريده، أتمنى أن أتحول إلى نملة.

دمية تحلم بأنها امبراطور

وجدت نفسي معلقاً على جدار، أشعر أنني مرآة أو قميص رجالي لا غير، الناس جميعاً ينظرون إليّ باستغراب، أقفز وأبدأ بالركض، أتخيل نفسي بأقدام صغيرة كالخيوط، لكنها مرنة وسريعة، فجأة أجد نفسي على حافة ناطحة سحاب، وأقع، لكني خفيف كأني منديل ورقي، أطير وأطير، ثم أجلس على كرسي ضخم ككراسي الأباطرة، يأتي السفراء والوزراء وينحنون أمامي، وأنا ما زلت أشعر أني منديل ورقي فحسب، يقول أحدهم: منذ متى هذه القمامة هنا؟

 أما الحكومة فتخالف الجميع، حيث تظن أن الأحلام عبارة عن مؤامرات المواطنين ضد نظام الحكم، فماذا يعرف فرويد أو يونغ أو جدتي ريما حتى، عن علم النفس أكثر مما يعرفه عنصر المخابرات حين يستخدم خياله الحزبي مثلاً؟

أحلامنا مثلنا، تتنفس وتسيل دموعها في النوم، تساعدنا على الدفاع عن أنفسنا ضدّ المخاوف، يجب أن نستمرّ بالحلم، الأحلام كائنات هشة للغاية، تأتي على هيئة طفلة مذعورة تمسك بيدها بالون، أي حركة، أي تردد، سيفجّره

الأحلام الخفيفة

في مقالته عن الحلم والطاقة الروحية، يقول الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون "إن الحالم ينفصل عن الحياة، لم تعد لديه مخاوف المستيقظ: النوم هو عدم اهتمام النائم بالحياة، لذلك فإن أنا الحالم تتحدّث إلى الذات اليقظة"، إذن هو نوع من انفصال ذات الحالم عن حلمه، أو عن حياته في الحلم، كأننا أمام ذاتين: واحدة تمثّل الماضي الذي حصل وأخرى تمثل الواقع الثابت في لحظة النوم، كأننا بالضبط دمى متقنة الصنع، ذات ذاكرة غير مسيطر عليها، وفي هذا الخط الفاصل بين الحلم واليقظة، الماضي المتحرّك في الحلم والواقع الثابت في الوعي، نستطيع أن نفهم ما قاله فيلسوف الطاوية جوانغ زي: رجل حلم أنه فراشة فاستيقظ ولم يعد يعرف إن كان رجلاً يحلم أنه فراشة أم فراشة تحلم بأنها رجل.

إن حياتنا في حالة اليقظة هي حياة متحركة، حياة عمل مستمر حتى عندما نعتقد أننا لا نفعل شيئاً، لأنه في أي لحظة نقوم بالمفاضلة بين آلاف الأحاسيس ونختار أحدها، لقد جرّبنا من حين لآخر أن نتخلّص من هذا الرقيب العقلي بتأثير الكحول أو المخدرات أو بتأثير التعب والانهاك، وحصلنا على لحظات من الإبداع غير المتوقعة كما جرّب السورياليون أن يؤكدوا، أو نستطيع أن ننظر للأمر بطريقة أخرى: نحن، والعالم برمّته، مجرّد حلم، يدور في دماغ كائن آخر نائم، أو في دماغ نجم ما، حيوان كبير، ويوماً ما سيستيقظ هذا الكائن وينسانا كلياً أو جزئياً، ثم يجلس على طرف المجرّة محاولاً أن يسجّل أطراف حلمه.

لا مكان للأحلام في الجحيم

أحلامنا مثلنا، تتنفس وتسيل دموعها في النوم، تساعدنا على الدفاع عن أنفسنا ضدّ المخاوف، يجب أن نستمرّ بالحلم، الأحلام كائنات هشة للغاية، تأتي على هيئة طفلة مذعورة تمسك بيدها بالون، أي حركة، أي تردد، سيفجّره، توقف الشجرة عن الحلم يعني موت الجذور، توقف الغيمة عن الحلم يعني انحباس المطر، "الناس نيام، فإذا هم ماتوا انتبهوا"، في الموت فحسب تتوقف الأحلام، عبثاً أجهد الفقهاء أنفسهم في وصف الجحيم وأهواله، أظنهم يجب أن يكتفوا بهذا الوصف: لا أحلام فيه.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard