أغرق مصر بالديون وعارض التدخل الأجنبي... لغز اختفاء إسماعيل المفتش

الثلاثاء 24 سبتمبر 201901:33 م

سنة 1868، أسند الخديوي إسماعيل وزارة المالية إلى إسماعيل صديق باشا المشهور بـ"المفتش"، خلفاً لإسماعيل راغب باشا الذي عُزل بحجة عدم خبرته في المسائل المالية، ليتولى إدارة خزائن مصر حتى اختفائه في ظروف غامضة في نوفمبر 1876.

يذكر أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر الدكتور عاصم الدسوقي لرصيف22 أن "المفتش" كان أخاً للخديوي إسماعيل في الرضاعة، وعندما شبّ عمل موظفاً في الدائرة السنية، ثم تدرج في المناصب حتى حظي برتبة الباشوية، وتولى منصب مفتش عموم الأقاليم، ومن هنا حاز لقب "المفتش"، ثم أصبح وزيراً المالية لثماني سنوات قطعتها فترة قصيرة تولى فيها عمر باشا لطفي الوزارة، سنة 1873.

سنوات مشؤومة

"كارثة حلت بمصر". هكذا يصف عبد الرحمن الرافعي "المفتش" في كتابه "عصر إسماعيل/ الجزء الثاني". يذكر أن السنوات الثماني التي تولى فيها وزارة المالية "مشؤومة"، وجرّت الخراب المالي على مصر، وكانت "أتعس فترة في تاريخ مصر المعاصر".

ظل "المفتش" طوال هذه السنوات حائزاً لرضا الخديوي وعطفه، بعد أن تفنن في جمع المال من القروض، أو من إرهاق الأهالي بمختلف أنواع الضرائب، فكان الخديوي يجد ما يطلبه من المال كلما أراد.

وبحسب الرافعي، كان صديق أيضاً "يقتطع نصيبه من الغنيمة، فأثرى ثراء فاحشاً، وقلد مولاه في عيشة البذخ والإسراف والاستكثار من القصور والأملاك والجواري والحظايا، وإليه يرجع السبب في استدانة الحكومة نحو ثمانين مليون جنيه ضاع معظمها سدى، أو ذهبت إلى جيوب الأجانب".

لكن الدسوقي يرى أن الخديوي إسماعيل ليس مسؤولاً بصفة رئيسية عن الديون التي أثقلت مصر في تلك الفترة، وإنما يتحملها سلفه سعيد باشا، لأنه ترك لمصر مديونية كبيرة بعد أن خدعه القائمون على مشروع حفر قناة السويس بمنحه 44% من أسهم القناة، بينما تلتزم مصر بسداد قيمة الأسهم الأخرى لحامليها الأجانب، وهذا ما واجهه الخديوي إسماعيل فور توليه الحكم.

تورط دون مبرر

يذكر جلال أمين في كتابه "قصة الاقتصاد المصري من عهد محمد علي إلى عهد مبارك"، أن الخديوي سعيد ترك عند وفاته ديوناً قدرُها نحو 18 مليوناً من الجنيهات، فضلاً عن توريط مصر في شرطين بالغي القسوة وردا في امتياز شركة قناة السويس، وأراد إسماعيل التخلص منهما.

تمثل الأول في شرط توفير عمال السخرة في حفر القناة وفي حفر ترعة تزود منطقة المياه بالمياه العذبة، الأمر الذي كان من شأنه سحب نحو 60 ألف عامل من الزراعة، والثاني هو التنازل لشركة القناة عن الأراضي المتاخمة لقناة المياه العذبة وتستخدم هذه القناة في ريها.

وبحسب أمين، كان على إسماعيل تعويض الشركة عن إلغاء هذين الشرطين بمبلغ أربعة ملايين جنيه، طبقاً لقرار التحكيم الذي قضى به الإمبراطور نابليون الثالث.

وكان نحو نصف ديون سعيد مستحق الدفع عبر ثلاثين عاماً، والتعويضات المستحقة لشركة القناة كانت مستحقة الدفع بأقساط سنوية عبر 16 عاماً. أما الجزء الباقي من الديون وقدره نحو عشرة ملايين جنيه، ويشمل ديون سعيد قصيرة الأجل، فقد كان يكفي لسدادها كلها تخفيض الإنفاق الحكومي بأقل من 20% خلال السنوات الخمس الأولى من حكم إسماعيل.

وبالتالي لم يكن وضع مصر المالي في بداية تولي الخديوي إسماعيل الحكم يفرض عليها التورط في المزيد من الديون لو أديرت الأمور بحكمة، وتم تخفيض الإنفاق الحكومي، بل وأهم من ذلك لو لم يقع الحاكم الجديد تحت تأثير إغراء الأجانب له بالاستدانة، بحسب أمين.

ولكن إسماعيل لم يفعل هذا، فزاد الإنفاق الحكومي، وبعد 13 عاماً من حكمه، أي سنة 1876، وهي السنة التي خرجت إدارة المالية المصرية عن سيطرته وأصبحت في يد المراقبين الماليين الأجانب، كانت ديون مصر الخارجية (بما في ذلك الديون الخاصة) قد بلغت نحو 91 مليون جنيه.

بداية التدخل الأجنبي

يذكر أمين أن التدخل الأجنبي بدأ بقبول الخديوي إسماعيل، تحت وطأة الديون، أن يضع تحت تصرف الخبير البريطاني ستيفن كايف، في 1875، ما يريد جمعه من معلومات عن إيرادات مصر ونفقاتها.

وفي السنة التالية اضطر الخديوي إلى القبول بإنشاء صندوق الدين المكوّن من مراقبين أوروبيين يمثلون أهم الدول الدائنة، ومهمتهم تسلم وتوزيع ما تضعه الحكومة تحت تصرفهم من إيرادات بغرض تسديد الديون، وفي نفس السنة وافق على شروط تسوية إعادة جدولة الديون التي فرضها ممثلا الدائنين الإنكليزي جورج غوشن والفرنسي م. جوبير.

عقبة كبيرة

رغم تحمل صديق جزءاً كبيراً من مسؤولية الديون التي غرقت فيها مصر خلال تلك الفترة، إلا أنه كان يعارض مرونة الخديوي مع الأجانب واستجابته لكل مطالبهم، والتي كانت تنذر بالرقابة الأجنبية على الاقتصاد المصري، وبالتالي فإن تحقيق مندوبيْ الدائنين لأهدافهما لم يكن ليحدث دون المرور على جثة "المفتش"، حسبما ذكر أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر الدكتور أحمد الملا لرصيف22.

كتب مؤرخون أنه اتخذ موقفاً وطنياً بمعارضته لأي إذعان من الخديوي للدائنين الأجانب، وعارض وضع مالية البلاد تحت المراقبة كي لا تخسر مصر استقلالها... قصة وزير المالية المصري إسماعيل المفتش الذي اختفى بشكل غامض
وصفه عبد الرحمن الرافعي بأنه "كارثة حلت بمصر" وذكر أن السنوات الثماني التي تولى فيها وزارة المالية كانت "أتعس فترة في تاريخ مصر المعاصر"... قصة وزير المالية المصري إسماعيل المفتش الذي اختفى بشكل غامض

ويرجح الملا قتل "المفتش" بواسطة الخديوي، وإنْ كان هنالك غموض حول كيفية القتل وأسبابه الحقيقية، خاصة أن صداقة كبيرة جمعت بينهما على مدار عمرهما، ومن ثم لا يمكن الجزم بأن الخديوي قتله لخلاف نشب بينهما على خلفية خلافهما في قضية الديون، أو بإيعاز من فرنسا وإنكلترا.

موقف وطني

ويروي تيودور روذستين في كتابه "تاريخ مصر قبل الاحتلال البريطاني وبعده" (ترجمه للعربية علي أحمد شكري) أن "المفتش" اتخذ موقفاً وطنياً صحيحاً بمعارضته لأي إذعان من الخديوي لغوشن وجوبير.

وكان "المفتش" يقول إنه بما أن مسألة الدين ستسوى بالتوافق مع الدائنين مباشرة فمن الحمق الموافقة على تسوية أساسها 7%، وألّح في طلب تخفيض الفائدة إلى 5% باعتبارها أقصى ما تستطيع أن تدفعه مصر دون أن تجر على نفسها الخراب.

وكان "المفتش" يرى أيضاً أن السماح بوضع مالية البلاد تحت المراقبة يعني وضع الإدارة (أي الحكم) تحت المراقبة، وكان من رأيه أن ذلك سيكون الخطوة الأولى في تسليم الوطن إلى أيدي الأجانب وهي الخيانة العظمى بعينها.

وبحسب روذستين، أنذر "المفتش" الخديوي بأنه إذا أقر تلك المادة من برنامج "غوشن-جوبير" ستقع ثورة. وهنالك ما يحمل على اعتقاد أن صديق ما كان ليحجم لحظة عن تنفيذ ذلك التهديد أو يتأخر عن بذل كل ما في وسعه لنجاح هكذا ثورة، ومن ثم أصبح إبعاده ضرورياً.

ويضيف الكاتب أنه بسبب عجز الخديوي عن مواجهة تهديدات غوشن، ولعدم قدرته من جهة أخرى على فصل "المفتش" بالطرق المعتادة لما كان له من نفوذ كبير، دعاه للتنزه معه ذات يوم وهنالك أوعز بقتله. ولم يمضِ أسبوع حتى أرسل الخديوي إلى غوشن وجوبير بقبول مشروعها.

رواية أخرى

لكن الرافعي يطرح رواية أخرى. يذكر أن غوشن كان مع مطالبته بالرقابة الثنائية، يطلب إقصاء "المفتش" عن وزارة المالية، كشرط جوهري لإصلاحها، فقبل الخديوي مضطراً بالتضحية بوزيره وعيّن الأمير حسين كامل (السلطان حسين في ما بعد) خلفاً له.

ولم يكتفِ غوشن بذلك، بل اعتزم مقاضاة "المفتش" أمام المحاكم المختلطة عن العجز الواقع في الميزانية، متهماً إياه بتبديد المال والإضرار بحقوق حملة الأسهم، "فاضطرب الخديوي من هذا التهديد، وأدرك من حديثه مع وزيره، أنه لن يبقي على ولائه لمولاه في سبيل الدفاع عن نفسه، وأنه إذا قدم للمحاكمة فإنه سيشرك الخديوي معه في تبديد أموال الدولة، بل ربما ألقى عبء المسؤولية على عاتقه".

لذا فكر الخديوي في التخلص من صديقه، ودبر مشروع محاكمته بتهمة التآمر عليه، وإثارة الخواطر الدينية (أي إثارة الناس باعتبار أن الفوائد تعتبر ربا) ضد مشروع غوشن وجوبير. وقبل أن تبدأ المحاكمة، اعتزم أن يتخلص منه بلا جلبة ولا محاكمة، فاستدعاه إلى سراي عابدين، وهدأ من روعه، ثم اصطحبه إلى سراي الجزيرة، مظهراً أنه رضي عنه.

"ولم تكد العربة التي أقلتهما تجتاز حدائق السراي وتقف أمام باب القصر حتى نزل الخديوي وأمر بالقبض على إسماعيل صديق واعتقاله في ناحية من القصر. ومن تلك اللحظة اختفى نبأ المفتش عن الجمهور، إذ عهد الخديوي إلى أتباعه بقتله، فقتلوه، وألقوا جثته في النيل في نوفمبر 1876".

ويذكر الرافعي: "لم يعلم الناس بادئ الأمر بما حل بالمفتش، واستمرت المحاكمة الصورية ماضية في سبيلها، وحكم المجلس الخصوصي بنفيه إلى دنقلة بشمال السودان وسجنه بها، في حين أنه لقي حتفه قبل أن تتم المحاكمة".

الرمي في النيل

رواية قريبة من تلك التي رواها الرافعي لكن بتفاصيل أكثر استقاها ولفريد سكاون بلنت من ريفرز ولسون الذي عيّن وزيراً للمالية بعد عزل إسماعيل المفتش، وذكرها في كتابه "التاريخ السري للاحتلال الإنكليزي لمصر/ رواية شخصية للأحداث"، وترجمه للعربية صبري محمد حسن.

روى بلنت أن الخديوي إسماعيل كان يدعو المفوضين الأوروبيين من حين إلى آخر لتحري أحواله المالية، وكان يخفي عنهم قدر المستطاع الحقيقة الصارخة لإسرافه غير المسؤول، واستطاع بفضل تعاون وزيره إسماعيل صديق أن ينجح في تقديم بيان غير صحيح عن ديونه للجنة غوشين-جوبير.

ولما تنبهت اللجنة للاستخفاف بها، قرر الخديوي أن يجعل من "المفتش" كبش فداء وضحية له خوفاً من انكشاف الحقائق، وحتى يبرئ نفسه.

وبحسب بلنت، كان من عادة إسماعيل باشا مع وزيره الذي كان يرتبط به بأوثق روابط الصداقة الشخصية، أن يقوم بزيارته في المساء في وزارة المالية، ويصطحبه معه في نزهة بالسيارة إلى قصر شبرا، أو أي قصر آخر من قصوره، وهذا ما فعله، وركب الوزير الذي لم يشك في تصرف الخديوي السيارة إلى قصر الجزيرة.

وما إن دخل الاثنان القصر حتى استأذن إسماعيل منتحلاً عذراً، وترك صديق وحده في أحد صالونات القصر، ثم أوفد إليه على الفور ولديه الصغيرين حسيناً وحسناً، ومعهما ياوره (مرافقه الشخصي) مصطفى بك فهمي.

وبعد أن ضرب الأميران الوزير الأعزل وسبّاه، وُضع على ظهر باخرة من بواخر الوالي كانت راسية في النيل بلا أية مقاومة من جانبه، وسُلّم إلى شخص يدعى "إسحاق بك"، إلى أن توفى وهو معه.

وبحسب بلنت، يقول البعض إن صديق جرى إلقاؤه، مثل آخرين قبله، في النيل بعد أن رُبط حجر بقدميه، ويقول آخرون إنه أرسل حياً إلى المنطقة الواقعة بين وادي حلفا ودنقلة، وهنالك خُنق.

وبحسب بلنت، لا شك في أن المفتش بعد أن ركب على ظهر الباخرة لم يره أحد حياً مرة ثانية. وبعد إبحار الباخرة إلى أعالي النيل بأسابيع، جرى الإعلان رسمياً أن المفتش كان في مهمة في الوجه القبلي، فأسرف في الشرب ما أدى إلى وفاته.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard