تهديد بالفصل واستدعاء أولياء الأمور لفرض "الزي الشرعي" على طالبات غزة

الأربعاء 11 سبتمبر 201912:39 م
Read in English

حالةٌ من الجدل مصحوبٌ بجملةٍ من انتقادات تسود صفوف الطالبات في المرحلة الثانوية وذويهم، مع بداية الأسابيع الأولى للدوام المدرسي، إثر ما تقوم به بعض كوادر الهيئة التعليمية في المدارس الحكومية بقطاع غزة، حول فرض زيٍّ معيّن يتعيَّن على الفتيات دون سن السابعة عشر الالتزام به، بما يخالف لوائح قانون التعليم الفلسطيني.

في أول يوم لها في العام الدراسي الجديد، استيقظت الطالبة رنا سامح (15 عاماً)، مبكّراً بحماس ونشاطٍ لخوض غمار تجربةٍ تعليميةٍ جديدة، والتعرف على صديقات جدد في السنة الأولى بالثانوية العامة، ضفرت جدائلها، وحزمت حقيبتها، مرتديةً زيها المدرسي.

فرض الالتزام بـ"الزي الشرعي"

تروي الطالبة رنا ما حدث معها في أول يوم دراسي لرصيف22: "ذهبتُ للمدرسة في يومي الدراسي الأول، كنت مبتهجةً لرؤية صديقاتي في المقاعد الدراسية، واجتمعنا مستعدات لتدوين استراتيجيات للدراسة في هذه المرحلة المهمة، وبعد أن انتهينا من الجلوس سوياً، هممنا بالصعود الى الفصل، لكن ما تفاجأت به، وشكّل لي حالة من الاستهجان، أنّ معلمة أشارت لي، ونادت عليّ باسمي، طالبةً مني التوجّه فوراً لناظرة المدرسة".

تكمل رنا، حينها  حمل رأسي أفكاراً عديدة، فأنا ما زلت طالبة جديدة ماذا عساني فعلت؟! نفّذتُ الأوامر، وطرقتُ باب مكتب "الناظرة"، وعندما سمحت لي بالدخول دون أن أجلس، أخبرتني بأني طالبة مخالفة للزي الذي شرّعته المدرسة، والذي يتوجّب على جميع الطالبات الالتزام به، وبلغةٍ حذرة نبّهتني أنّ وجودي دون ارتداء غطاء رأس أو جلباب، قد يحرمني من استكمال تعليمي بدعوى أني فتاة غير ملتزمة بالزي الشرعي، ويجب عليّ عدم الاعتراض، حتى لا أتعرّض لأي ردة فعل قد تسبب لي إحراجاً من قبل بعض المعلمات اللواتي دائماً ما يرددن كلمات للبنات، تحثهن على ضرورة "لبس زيٍّ مناسبٍ للبيئة المدرسية"، فهي ليست "مسرحاً لعرض الأزياء".

وفي اليوم التالي اصطحبت الطالبة والدتها التي انتقدت سلوك "الناظرة" بمدرسة فهد الأحمد الصباح في حي التفاح شرق غزة، واحتدم النقاش بينها وبين مديرة المدرسة، لكن جلستهما لم تخرج عن إطار المناوشات الكلامية، انتهت بتقديم المديرة خيارين للفتاة ووالدتها، إما أن تخضع لشروط المدرسة وترتدي (شالاً أبيض) و(جلباباً) أو تذهب لمدرسةٍ أخرى، وما كان لرنا سوى أن ترضخ لقرار مديرتها الذي وصفته بـ"الجائر"، لم يحترم حريتها الشخصية، ورفضت الانتقال لمدرسةٍ أخرى وترك صديقاتها، رغم ما تركه هذا التصرف من آثارٍ سلبية، بحسب روايتها.

ويشار إلى أن الزي المدرسي المتعارف عليه سابقاً مكون من تنورة وقميص "جينز"، لكن تفرض المدارس الحكومية الخاضعة لحكومة حماس زياً معيناً، يشمل جلباباً ذا لون أسود أو كحلي، حذاءً وغطاء رأس غير ملوّنين، يوجب على الطالبات الالتزام به، وتنشر هذه الضوابط والمعايير على أبواب المدارس وصفحات مواقع التواصل الاجتماعي، قبيل بداية العام الدراسي الجديد.

"بلغةٍ حذرة نبّهتني أنّ وجودي دون ارتداء غطاء رأس أو جلباب، قد يحرمني من استكمال تعليمي بدعوى أني فتاة غير ملتزمة بالزي الشرعي، ويجب عليّ عدم الاعتراض، حتى لا أتعرّض لأي ردة فعل"

"تعدي على الحريات والقانون"

في قصةٍ أخرى مشابهة، كتبت ناريمان حويحي، الناشطة الفلسطينية على السوشيال ميديا، في تغريدة نشرتها على موقع التدوينات القصيرة "تويتر"، تشكو فيها ما تعرّضت له شقيقتها التي بدأت دراستها هذا العام في مدرسة بيت حانون شمال القطاع، من سلوكياتٍ ترغمها على ارتداء الجلباب بدل "طقم الجينز".

و صرحت لرصيف22 أنَّ شقيقتها الطالبة رزان غير متقبلة لهذه الفكرة، فمازالت بنيتها الجسدية تدلّ على أنها طفلة، وهي بالفعل لم تتجاوز الـ15 عشر عاماً، وطالبت بضرورة احترام حرية التعليم، وعدم إقصاء الفتيات وفرض زي غير منصوص عليه قانونياً من قبل التعليم العالي الفلسطيني.

تغريدة ناريمان أثارت عدة ردود من المؤيدين لقرارات مديرة المدرسة، وآخرين معارضين.

واعتبرت مديرة "طاقم شؤون المرأة" والناشطة النسوية، نادية أبو نحلة، في تصريحات لرصيف22، ما تتعرّض له الطالبات من ممارسات صادرة عن مديرات المدارس الحكومية، وتصمت أمامها وزارة التربية والتعليم، تحت إطار ما يسمى بـ" الزي الشرعي" تعدياً على الحريات، فلا يوجد بند قانوني يجيز هذه الأفعال والمعايير التي تتبع نمط تفكير وأيديولوجيا معينة، صادرة عن مديرات المدارس التابعة لحكومة "حماس".

تفرض المدارس الحكومية الخاضعة لحكومة حماس زياً معيناً، يشمل جلباباً ذا لون أسود أو كحلي، حذاءً وغطاء رأس غير ملوّنين، يوجب على الطالبات الالتزام به

"الحجاب قضية حساسة"

من ناحية أخرى، دافعت صفاء الأسطل، معلمة ومشرفة على الطالبات في مدرسة "عيلبون" في الجنوب الشرقي لقطاع غزة منذ عشرة سنوات، عن ممارسات فرض "الزي الشرعي" على طالبات غزة، تقول في تصريحات لرصيف22: "إن العادات المجتمعية، وليس القانون، تفرض على الفتاة، التي تبدأ المرحلة الدراسية الإعدادية والثانوية، ارتداء غطاء الرأس الأبيض والجلباب، وعندما كانت صغيرة، اعتادت أن تصحبها والدتها لشرائه قُبيل بداية العام الدراسي لارتدائه أثناء ذهابها للمدرسة".

"العادات المجتمعية، وليس القانون، تفرض على الفتاة، التي تبدأ المرحلة الدراسية الإعدادية والثانوية، ارتداء غطاء الرأس" 

تبرّر صفاء تلك الممارسات بأنّ الحجاب من القضايا الحساسة في المجتمع الفلسطيني، لذلك تحرص المعلمات في المدارس من خلال نصح وحثّ الفتيات على ارتدائه مع الجلباب كزي رسمي "شرعي" معتمد، تحديداً في مرحلة الثانوية.

إجبار الطالبات في مرحلة الثانوية العامة على ارتداء (غطاء الرأس) و(الجلباب) تبرّره صفاء على أنه مسؤولية مجتمعية تهدف للحرص على سلوكهن في سن المراهقة، وحمايتهن من التعرض للتحرّش، فالهيئة التدريسية، كما تبيّن المعلمة، لا تقبل مجيء إحدى الطالبات على المدرسة بزيٍّ مخالف لمعايير معينة، كأن لا يكون فضفاضاً مثلاً، فهذه قيود وضعها "الدين الإسلامي على الفتاة المسلمة"، على حد وصفها.

حسب إفادة هذه المعلمة فإن غالبية الفتيات في مدارس المناطق الشرقية والجنوبية لقطاع غزة يرتدين الحجاب والزيَّ المدرسي الشرعي طوعاً وليس قسراً، حتى لا يشعرن أنهن منبوذات من المجتمع.

  ويعكس رأي صفاء شريحة من القائمين على شؤون التعليم في غزة، ويتماهى مع "شعارات" حركة حماس التي تدير القطاع،  واللافت في الأمر ورغم تجدّد هذه الموجة من الجدل في كل عام تجاه قضية الزي المدرسي للطالبات، إلّا أن وزارة التربية والتعليم لا تصدر أيّ قرار يوضح موقفها.

يقول مدير عام التعليم العالي بغزة محمد صيام، في تصريحات لرصيف22: "إن هنالك معايير معينة للزي المدرسي الفلسطيني، يجب على الطالبات في المراحل التعليمية الانضباط بما لا يتخالف مع طبيعة العادات والتقاليد في البيئة الفلسطينية".

تهديد وترهيب وإقصاء

رفض صيام اعتبار ما تقوم به بعض مديرات المدارس الثانوية بالتعدي على الحريات، موكلاً للناظرة الحق في إدارة مدرستها بالشكل الذي تراه يتناسب مع العرف الاجتماعي والمعايير التي تضعها الوزارة، بما يحافظ على مصلحة الطالبات في هذه المرحلة وليس من باب التسلّط أو الإجبار.

وأكد في حال  ثبت وجود أي إشكاليات بين إحدى المديرات والطالبات حول هذه القضية، يتم إحالة الأطراف للتحقق لدى وزارة التربية والتعليم وغالبيتها سلوكيات فردية، بحسب تصريحات صيام.

ولكن نادية ترى أن الهيئة التدريسية في بعض المدارس تستخدم وسائل الترهيب والتهديد بالحرمان من التعلّم ضد الفتيات اللواتي يرفضن الانصياع لقراراتهم، وأحيانا أخرى يتم إقصائهن، وتعريضهن للإحراج أمام زميلاتهن.

وشددت على أن تلك الممارسات السلبية قد يكون لها عواقب وخيمة على شخصية الطالبة، لاسيما من بدأن حديثاً الانخراط في الثانوية العامة، ويترك آثاراً سلبية على نفسيتهن، ومحصلهن التعليمي، وتركهن المدرسة، وتعرضهن للتنمّر.

وشدّدت الناشطة نادية، على ضرورة منح الطالبات مساحة من الحرية الشخصية طالما لا تتعدّى على حقوق الغير، وقد أتيحت لهن قانونياً، إضافة لعدم الضغط عليهن من قبل المعلمات أو مديرات المدارس.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard