رياض السنباطي… الموسيقار المترهبن الذي نجا من فخِّ الوقوع في حبّ أم كلثوم

الثلاثاء 10 سبتمبر 201904:06 م

أدام النظر إلى الوراء وأطال التأمّل تحت قدميه، وأبدع في الوقوف "محلّك سر"، صحيح أن وقفته كانت رائعة، لكنها في النهاية تمنعك من التقدم إلى الأمام، تلك الجهة التي تجعل منك حلقةً من حلقات التطور... لكن كان للسنباطي رأي آخر... "ظل في بيتك ولا تخرج إلا للضرورة!".. هكذا كان شعاره مع الموسيقى.

38 سنة مرّت على رحيل الموسيقار المُترهبن رياض السنباطي، وبعد رحيله بعامين، كنتُ أستمع إلى لحنه الأهم، "الأطلال"، وأنا ابن 6 سنوات، وكان أخي، الذي لا يميل كثيراً إلى الغناء والمُغنين، دليلي إلى هذا العالم الصعب، فجلس يشرح لي كم أن هذه القصيدة عظيمة. استمعتُ معه حينها بتركيز إلى هذا الصوت صاحب العزم القوي وهو يستجمع مصادر وجوده ويقول: "أعطني حريتي"، ولم أفهم الجملة التي تلتها "أطلق يديّا".

ألحان السنباطي تجافي فينا الشوق إلى مستقبلٍ ما، وتستدعي فينا الحنين إلى أمس الذي خسرناه وربحه الزمن رغماً عنا

لكن بمرور السنوات كلما صادفتُ الأغنية جلستُ لأذاكرها، وفي كلِّ مرّة أعي جزءاً مما فعله ملحنها، حتى بقيتُ مشدوهاً بروعة اللحن ووعي "السنباطي" بفكرة الطلل العربية، من وقوفٍ متوجّعٍ على بقايا الديار التي رحل عنها الأحبّة. من هذه الوقفة صدّقت أن "رياض" استلهم كل مشروعه اللحني، المبني على الجمل الفخمة واستعراض الآلات في مشهدٍ جنائزي باكٍ، وتنويعات تتألم على مقامات تدغدغ الوجدان، يستعذبها العاشق المنتمي للماضي، لا إلى اللحظة أو إلى المستقبل، ولم يتجاوز عالمه إلى ما هو أرحب ويخاطب العقل. لذا فإن ألحان السنباطي تجافي فينا الشوق إلى مستقبلٍ ما، وتستدعي فينا الحنين إلى أمس الذي خسرناه وربحه الزمن رغماً عنا.

هو الذي تعلّم من درس محمد القصبجي، ونجا من فخِّ الوقوع في حب أم كلثوم، فعمل على إرضاء ذاته، ولحّن ما يرضيها فقط وما رسخ في وجدانها من إنشاد صوفي، لذا لم يكن شاغله إرضاء الموسيقى بالتطوير واكتشاف مناطق جديدة، فتصلّب لديه منطق التجريب، الذي يفوز باللذّات فيه كل مغامر، لكنه أمِن إلى دفء بيته وما تعوّد عليه، فترى مقدماته الموسيقية في مجملها كأنها مقدمة واحدة، بسماتٍ ثابتةٍ وإنْ تنوع "الميلودي" الذي يُسرسبها إلى نفوس الناس، حتى أنه أهمل صوته ولم يقدّم نفسه كمطربٍ رغم جمال صوته، بعكس القصبجي وزكريا، وخبا وراء الكواليس لتظهر الستّ في المقدمة وترضى عنه وتسند إليه مزيداً من الألحان.

هو الفتوة اللحني لأم كلثوم بلا شك، قدّم لها 90 لحناً، ولولا القطيعة التي وقعت بين الست وزكريا أحمد، الملحّن الأصلي والأصيل للتجربة الكلثومية، ولولا تبخّر طاقة "القصبجي" بعد سنوات من الطموح وتجريب التجريب، لَمَا استفرد "السنباطي" بفترة الخمسينيات الذهبية في عمر الست، وبنى مجداً وجودياً على أنقاض الآخرين.

"ليس مدرسةً"

سُئل الملحن الموهوب والمجدد الموسيقي المتجدّد، محمود الشريف، عن المدارس اللحنية الموجودة في زمنه، فقال إن "عبد الوهاب مدرسة والقصبجي مدرسة، حتى زكريا أحمد مدرسة، لكن السنباطي ليس مدرسة"، ما أغضب الموسيقار المتوحّد وطلب من "الشريف" أن يزوره، لاحظ صيغة الطلب بأني يأتي الشريف لا أن يذهب إليه السنباطي! وحين حضر "محمود" فتح له "رياض" الباب موجهاً إليه اللكمات في غيظ وهو يقول: "بقى أنا مش مدرسة يا محمود؟".

لم يخطئ "الشريف" في تحليله موقف رياض السنباطي الموسيقي، فهو كالمدرّس الماهر الذي حفظ منهجاً واحداً وتبحّر فيه دون أن يشغل باله بأي ابتكار، ماذا لو غيّر الزمن المنهج يا أستاذ رياض؟

في لحنه المسْخ لقصيدة "من أجل عينيك"، التي غنتها أم كلثوم عام 1971 قبل وفاتها بأربع سنوات، حاول "السنباطي" أن يخرج من عباءة ذاته ويستخدم الآلات الغربية كالأورج والعياذ بالله، والتي كان يرفضها تماماً ويرى أنها شياطين أُدخلت على التخت الشرقي، لذا تجد الجملة اللحنية التي وضعها في مقدمة الأغنية كما لو كانت جسد فلاحة على شط ترعة ألبسها السنباطي فستاناً إفرنجياً فوق الركبة، لذا لا أكاد أحتمل أن أستمع إلى "من أجل عينيك" إلا في بعض اللزمات الموسيقية. باستثناء ذلك.. لا أم كلثوم هي أم كلثوم ولا رياض هو رياض.

ماتت أم كلثوم في عام 1975، وعاش "رياض" 6 سنوات بعدها كالأموات، لا يجد قيثارته التي عرّفته إلى الجمهور، ولم تعوّضه "وردة" بمساحاتها الصوتية عن الست، رغم أنه لحّن لها أكثر من لحن جيّد لكن بقي مزاجه معها كلثومياً، تحديداً في لحن "لعبة الأيام"، ولم يكن العيب في "وردة" بالتأكيد، رغم محدوديتها مقارنة بأم كلثوم، لكن الأزمة كانت في عدم تعددية "السنباطي"، فهو عابد لإله واحد، لا متعدّد العبادة مثل "عبد الوهاب"، هو لا يرى إلّا من زاويةٍ واحدةٍ كناظر من عَلٍ، يرى رؤوس الصخور ولا يتعامل مع الطحالب الخضراء تحتها، لذا عجّل برحيله لأنه عرف أن الوقت قد تأخّر للتأقلم على دنيا غير تلك التي عرفها، في حين عاش "عبد الوهاب" مضيئاً متشابكاً ومشتبكاً مع زمنه حتى آخر يوم من عمره عام 1991، أي بعد عشر سنوات أخرى من رحيل السنباطي، أنتج فيها موسيقار الأجيال تحفته "من غير ليه" ليؤكّد أن نظرية التطور ستبقى سيدة المواقف كلها.

تعلّم السنباطي من درس القصبجي، ونجا من فخِّ الوقوع في حب أم كلثوم، فعمل على إرضاء ذاته، ولحّن ما يرضيها فقط، لذا لم يكن شاغله إرضاء الموسيقى بالتطوير واكتشاف مناطق جديدة، فتصلّب لديه منطق التجريب

ماتت أم كلثوم في عام 1975، وعاش "رياض" 6 سنوات بعدها كالأموات، لا يجد قيثارته التي عرّفته إلى الجمهور، ولم تعوّضه "وردة" بمساحاتها الصوتية عن الست، رغم أنه لحّن لها أكثر من لحن جيّد لكن بقي مزاجه معها كلثومياً

لماذا لم نسمع لحناً سُنباطياً للأطفال؟ ... لأن تفكيره كان ضدّ المستقبل الذي تمثله الطفولة. لماذا تخصص في غناء وتلحين القصائد؟ لأنه ابن لعمود القصيد العربي، الذي أنكر الشعرية على كل من حاول أن يخرج عن أوتاد الخيمة وعمودها. لماذا لم نره ملحناً شعبياً - إلا فيما ندر-؟ لأنه لا يمثّل المجموع بل يمثل ذاته، كأي نبي اهتم برسالته فقط لا بالمرسَل إليهم في الزمن الآتي.

إن الاحتفاء بذكرى "السنباطي" ونحن في القرن الواحد والعشرين يجب أن يكون من منطلق المستقبل لا الماضي، فما أضاع قيمةً كبيرة مثل رياض السنباطي إلا الاغتراب الشديد عن الزمن بالغرق في أشكال تعيش الأمس، فهو لم يكن الشخص الاجتماعي، لا يخرج من بيته إلا للضرورة، يعمل في صمتٍ لدود، لا يصاحب إلّا عوده، حتى أنه من فرط التوحّد فيه غنى لآلته تلك التي تشاطره غرفة مكتبه. صحيح أن هذا خلق منه راهباً موسيقياً متصومعاً منتجاً، لكن منذ متى والرهبان يقودون الحياة؟ إنهم أدلاؤنا إلى الموت وسفراؤنا للآخرة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard