الحلبيون في طرطوس... جيران البحر في الحرب حتى إشعار آخر

الثلاثاء 10 سبتمبر 201901:17 م

"حلب رجعت". تناقلها النازحون الحلبيون في الداخل السوري أواخر عام 2016، بنبرةٍ حذرة، فلا ضمان لأي شيء باستثناء الأرض التي تحتضن بيوتاً ودكاكين في علم الغيب، كل ما وصلهم عنها أنها مشوّهة المعالم جزئياً أو كلياً، أو ما زالت على حالها، فارغة مما احتوته من "شقا العمر". لذا، في كل وجهات النزوح السوري، ومنها طرطوس، كان السؤال التالي الذي فرض نفسه "فينا نرجع"؟

منذ عام 2011، وعلى مدى ست سنوات، استقبلت طرطوس نحو 800 ألف وافد من المحافظات المتضررة، بحسب تصريح لمحافظ المدينة عام 2016، الذي نقلته وكالات أنباء، حيث أن أغلبهم من حلب وريفها، ممن اختاروا طرطوس وجهةً دائمة أو كمحطةٍ إلى تركيا. وبينما لجأت العائلات الميسورة إلى استئجار شققٍ بأسعار متزايدة، توزعت الأسر الأقل دخلاً في 22 مركز إيواء حكومي داخل المدينة وفي ريفها، وهم الذين توفرت عنهم إحصائيات رسمية، بخلاف مستأجري الشقق.

في نهاية عام 2016، عام "عودة حلب" كما سماه بعض الوافدين، كان عدد قاطني مراكز الإيواء في طرطوس 4880 شخصاً، سبعون في المئة منهم حلبيون، بدأ ترحيلهم إلى محافظاتهم في أوائل 2017، ليتقلّص العدد في منتصف العام إلى 3542 وافداً، بحسب إحصاء الصندوق الوطني للمعونة الاجتماعية، وفقاً لما صرّح به مديره أحمد قاسم لـ "رصيف 22"، أن عام 2017 شهد استكمال إخلاء المراكز، وتخيير الأهالي بين العودة او البقاء على نفقتهم، لا سيما أن أغلبهم حصل على عمل.

الأمان وحده لا يكفي

"إلى أين نعود؟ والأهم.. إلى من؟" سألت أم سلمى (اسم مستعار) نفسها عندما أخبرها والدها بعودة الأمن إلى قريتهم "أم جبار" بريف حلب الشرقي، لتجيب سريعاً بأن العودة غير واردة. تتذكّر حياتها المنغلقة في قريتها، ونبْذها وعائلتها بسبب عدم اشتراكهم في مناهضة النظام. كما تتذكّر زيجتها التقليدية من شاب أصبح طليقها بسبب عنفٍ جعلها تفضل النأي بنفسها. تقول إنها أحبت البحر والانفتاح الاجتماعي في طرطوس، وتأمل أن يتيح لها فرصة زواج أفضل حتى لا تبقى عالةً على أبيها.

تدير أم سلمى (33 عاماً) كشكاً للغذائيات والمنظفات وسط المدينة، "شغل ما بيجيب همه"، يعيلها وأسرتها في محل تجاري أصبح مسكناً بالأجرة منذ ترحيلهم من مركز الإيواء. "الأمان أولوية، ومن ذلك ألا يتدخّل الناس في حياتك". تتذكر تفصيلاً لا ينسى: "مرة واحدة شعرت بالخوف، عندما وقع التفجير في كراجات طرطوس، وهجم على المركز رجال اعتدوا بالضرب المبرح على بعضنا. كنا نعلم أنها ردّة فعل. لكن ذلك ذكّرنا بالعنف الذي هربنا منه. شعرنا أنه قدر سيلازمنا أينما ذهبنا".

الرزق مضمون مع "الأكّيلة"

لا ذكريات لأبي حسن عن مراكز الإيواء، ولا حتى ذكريات سابقة عن طرطوس، إذ كان قبل الحرب يختار اللاذقية للاستجمام. أما اليوم، فقد استأجر مسكناً ومحلاً في طرطوس لمواصلة عمله في بيع المشويات والشاورما والكبة. "لا يمكن للعمل في الطعام أن يتوقف، وهناك دوماً فضول لتجربة الطعام الحلبي، الكبب خصوصاً". يستعيد كمّ إنتاجية محله في حي الشعار بحلب: "كنا نبيع 250 فروجاً في اليوم، بينما هنا لا تتجاوز مبيعاتنا الأربعين في أفضل الأحوال. في حلب ازدحام أكبر وبالتالي (الأكّيلة) أكثر". يشعر أبو حسن بالاطمئنان لنعمة العمل دون خوف، ويشير برضا إلى من يعملون لديه، وفيهم الحلبي والطرطوسي، وكلهم لا يريدون للمحل أن يغلق إذا اتخذ أبو حسن قراره بالعودة. يؤكد: "سأبقيه كفرع لمحلي الأوّل، فأنا عائد حالما تصبح الظروف مواتية".

المنطقة الصناعية ملاذ الحرفيين

عَمِل في المنطقة الصناعية خلال سنوات الحرب أكثر من ألفي حرفي من حلب وحماة وإدلب ودير الزور والرقة، وهو ضعفي عدد الحرفيين في طرطوس، كما يوضّح عبد الكريم عبود رئيس اتحاد حرفيي المحافظة. يقول لرصيف22: "إن حوالي 10 بالمئة من هؤلاء تملّكوا محلات، وبعضهم تملّك محلاً ليصبح فرعاً ثانياً لمحله في محافظته الأصل. ومن كل هذا العدد، عاد نحو 1200 حرفي إلى مدنهم".

يصف عبود التجربة بالجيدة عموماً، ويذكر تميّز الحلبيين خصوصاً في الميكانيك والخراطة والنجارة وتجارة قطع الغيار وإصلاح المكيفات والالكترونيات. يستدرك: "لم يفتقر حرفيو طرطوس إلى الخبرة، لكن مكانة حلب الصناعية والتجارية كانت قد صقلت أبناءها على نحو مضاعف، فاجتذب العديد منهم زبائن طراطسة في مدّةٍ قصيرة. ربما أثر الأمر سلباً على حرفيي المدينة الصغيرة بسبب اشتداد المنافسة، لكن ذلك كان بمثابة تحفيز للجهد المبذول في العديد من الحِرف. لم تشهد المنطقة الصناعية أي حوادث أمنية طوال تلك الفترة".

"حلب رجعت". تناقلها النازحون الحلبيون، بنبرةٍ حذرة، فلا ضمان لأي شيء باستثناء الأرض التي تحتضن بيوتاً ودكاكين في علم الغيب، كل ما وصلهم عنها أنها مشوّهة المعالم جزئياً أو كلياً، أو ما زالت على حالها، فارغة مما احتوته من "شقا العمر"

"إلى أين نعود؟ والأهم.. إلى من؟" سألت أم سلمى (اسم مستعار) نفسها عندما أخبرها والدها بعودة الأمن إلى قريتهم "أم جبار" بريف حلب الشرقي، لتجيب سريعاً بأن العودة غير واردة

ورش مدمرة.. ومحلات في مناطق مؤجلة المصير

بين قطع غيار السيارات الكورية، يجلس التاجر عبد الكريم (47 عاماً) بانتظار الزبائن في محله بالمنطقة الصناعية. يوضّح: "إنه محل بالأجرة. ولي هنا شريك تمتد شراكتي به إلى ما قبل الحرب، لذا كانت طرطوس وجهتي الوحيدة المؤكدة بعد خسارتي محلي في الشقيف بحلب".

"حركة العمل في طرطوس أقل نظراً لصغر المحافظة"، يقول عبد الكريم مستذكراً صخب الحياة والتجارة في الشقيف، السوق الأشهر على مستوى سوريا ودول الجوار في مجال صناعة الآلات وهياكل السيارات وتجارة قطع الغيار. "لا يمكن لمن عمل في الشقيف ألا يتأمل عودتها إلى عهدها. كانت سوقاً مزدهرة. كان سوق الجمعة فيها يستقطب زبائن وتجاراً حتى من تركيا وإيران، لذا كنا نعطل يوم الأحد. المنطقة اليوم بيد الأكراد ومصيرها مجهول، ولا أعرف عن محلي شيئاً. دعاني أقاربي في اليابان للسفر إليهم، لكني رفضت. أنتظر رؤية محلي بفارغ الصبر، بكل ما لدي من أوراق ثبوتية تثبت ملكيتي".

بعد نزوحه قبل ست سنوات من حلب الشرقية إلى طرطوس، وجد أحمد تعويضه في مهنة الخراطة بالمنطقة الصناعية، العمل الذي أتقنه منذ الصغر في ورشة أسرته بحي القاطرجي. لم يكن قد زار طرطوس، لكنه اختارها بسبب خدمة أخيه فيها كمجنّد. يقول: "خسرنا ورشتنا بما فيها من عدة، لذا أعمل في المهنة نفسها كأجير مع أخي بعد تسريحه. العمل يعيد التوازن وبعض الاستقرار. لا أفق لعودتنا، حيّنا مازال منكوباً".

يؤكّد صاحب المحل أبو حسن ثلجة، العلاقة الوثيقة التي تجمعه بأحمد وأخيه كعاملين جيدين. ويوضح: "منذ إخلاء مراكز الإيواء، ساعدتهما في تأمين مسكن، ولو كان القانون يسمح بامتلاكهما بيتاً كنت سأساعدهما في ذلك".

الأشدّ فقراً يحترفون جمع النفايات

يذكر الناشط في المجتمع المدني، فؤاد شدود، حالات تكافلٍ عديدةٍ مشابهة. إذ كان واحداً من متطوّعي الإغاثة الذين عملوا في إطارٍ مستقل أو مؤسسي. يقول: "سعينا لاحتواء آثار الحرب تعليمياً وترفيهياً على وجه الخصوص. كانت حالات التسرّب من المدارس أو عدم تسجيل الأطفال أو حتى عدم تثبيت نسبهم أمراً مقلقاً تعاملنا معه على اختلاف اختصاصاتنا. كما قمنا بحملات تعليمية للعديد من الأطفال الوافدين في سن الدراسة، بدءاً من مدينة طرطوس حتى تجمّعات النزوح جنوبها".

يؤكد فؤاد استمرار المشكلات ذاتها في تجمّعات النزوح غير الرسمية الأكثر فقراً، رغم التناقص الكبير في أعداد الوافدين الحلبيين، فمنهم من لم يستطع العودة بسبب دمار منطقته، ومنهم من عاد، ثم اختار الرجوع إلى وجهة نزوحه، لأنه لم يستطع البدء من تحت الصفر، حيث لا خدمات في مدينته أو قريته تساعده على استعادة حياةٍ طبيعيةٍ بعد. ويشير إلى إقامة هؤلاء في خيام صنعوها من الصفيح ضمن أراضٍ على هامش المدينة، بينما لجأ الأوفر حظاً إلى أقبية ومنازل على الهيكل بأجرة أو دون أجرة، برضى أصحاب البيوت.، فضلاً عن بعض أجزاء طرطوس القديمة. يضيف: "عَمل أغلب القاطنين في الخيام في جمع النفايات، وكان بينهم 136 طفلاً من سن السادسة إلى السادسة عشرة، بقي منهم اليوم 79 طفلاً، نعمل بتمويلٍ محلي صرف على تعليمهم ومساعدتهم للاندماج في المدرسة".

يرى فؤاد أن طرطوس، على صغرها، عبرت المرحلة الأصعب بأمان، وأقل قدر من الصدامات، لولا ذلك ما استمر التوافد إليها، ولما حرص العديد من الحلبيين على تأسيس عملٍ فيها، حيث لم يمنع التباين الثقافي من حصول تمازج ترك آثاره على بيئة العمل خصوصاً، فأصبح العديد من أرباب العمل من طرطوس مثلاً ينقدون العمال أجورهم أسبوعياً بدلاً من آخر الشهر، والكثير منهم بات مهتماً بتشغيل أبنائه معه في سنٍّ مبكرة، على غرار معظم تجار حلب وصناعييها، عدا عن انتشار أسلوب الترغيب التجاري الذي يتميّزون به بحكم الخبرة المتوارثة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard