قصر البارون... شيّده بلجيكي في مصر ويُشاع أنه "مسكون"

الاثنين 9 سبتمبر 201904:47 م

بعد سنوات طويلة من الإهمال، بدأت الحكومة المصرية أعمال ترميم قصر "البارون إمبان" بحي مصر الجديدة بالعاصمة المصرية القاهرة، وهو أحد أجمل القصور المصرية وأكثرها غموضاً وإثارة. ما علاقة الهند وبلجيكا بالقصر؟ ولماذا يؤمن بعض المصريين بأنه قصر مسكون بالشياطين؟ ولماذا قررت مصر ترميمه بعد سنوات طويلة ظل فيها مهجوراً؟

هذه التحفة الهندية بناها بارون بلجيكي على أرض مصرية، يصفها الباحث رفيق جورج في كتابه "قصر البارون" بأنها تحفة معمارية فريدة استوحاها صاحبها من العمارة الهندية، يراها كل مغادر لمصر عن طريق شارع العروبة، متوجهاً إلى مطار القاهرة.

ويضيف أن من شيده هو المليونير البلجيكي البارون إدوارد إمبان، (20 أيلول/سبتمبر 1852 - 22 تموز/ يوليو 1929)، الذي جاء إلى مصر من الهند نهاية القرن التاسع عشر، فوقع في غرامها وقرر أن يعيش فيها، قبل أن يقرر بناء القصر في قلب حي مصر الجديدة بالقاهرة، الذي كان وقتذاك صحراء جرداء من دون مرافق أو خدمات أو حتى وسائل مواصلات.



يقول محمد المسعود، عضو لجنة السياحة بمجلس النواب المصري، لرصيف22 إن ترميم قصر البارون تأخر كثيراً، معتبراً أن مصر اتخذت قراراً سليماً بالتفكير في إعادة افتتاح "هذه التحفة المعمارية التي لا يوجد مثيل لها في العالم".

وصرح المسعود بأن افتتاح القصر للزيارة سيكون قريباً جداً، خلال شهرين على أقصى تقدير، مؤكداً أن الحكومة استخدمت في ترميمه أحدث التقنيات العالمية لحرصها على الحفاظ على التراث المعماري النادر للقصر المهم.

ويبرر المسعود ترميم مصر للقصر بعد سنوات من إغلاقه بأنه يهدف لتشجيع السياحة التي عانت كثيراً بعد سنوات الفوضى التي تلت الثورة المصرية، مضيفاً أن هناك اتجاهاً عاماً يهدف لإعادة ترميم جميع الأماكن التاريخية التي تجاهلتها الحكومات السابقة للاستفادة منها في جعل مصر دولة سياحية مهمة.

ما قصة القصر؟

تعود قصة القصر إلى نهاية القرن التاسع عشر إذ وصل المليونير البلجيكي إدوارد إمبان إلى القاهرة، وسرعان ما عشقها وقرر أن يعيش فيها طوال حياته، تحديداً في مكان مميز يصبح علامة في ما بعد، وبسبب عشقه للصحراء وللشمس اختار أن يبني قصره بعيداً عن وسط القاهرة الصاخب، فاختار الحي الذي أطلق عليه لاحقاً حي مصر الجديدة، وكان صحراء بعيدة عن عمران القاهرة.

كانت للبارون علاقات قوية مع الحكومة المصرية، فعرض عليها حينذاك أن يتكفل ببناء حي جديد في الصحراء شرق القاهرة، فوافقت الحكومة وباعته مساحة كبيرة من الصحراء بسعر جنيه واحد للفدان، كان لدى البارون حلم أكبر بكثير من بناء قصر له فقط، إذ كان يحلم ببناء حي كامل يحمل بصمته، يطلق عليه اسم "هليوبوليس"، أي مدينة الشمس، وهذا ما حدث بالفعل.



كلف البارون إمبان المهندس البلجيكي أندريه برشلو الذي كان يعمل في ذلك الوقت مع شركة مترو باريس إنشاء خط مترو يربط الحي الجديدة بوسط القاهرة، وهو الخط الذي ما زال إلى اليوم، وحتى وقت قريب كان وسيلة مواصلات يستخدمها المصريون للانتقال من حي مصر الجديدة إلى وسط القاهرة.

قرر البارون إقامة قصر في المنطقة يكون تحفة أسطورية لم تشهد مصر شبيهاً له من قبل، ومن أجل ذلك كلف المعماري الفرنسي ألكساندر مارسيل بناء هذا القصر، كما كلف الفنان جورج لويس كلود زخرفة القصر، واكتمل البناء في العام 1911، ويشبه القصر بدرجة كبيرة معبد أنكور وات في كمبوديا، ومعابد أوريسا الهندوسية.

في كتابه "قصر البارون"، يصف رفيق جورج القصر بأنه أسطورة مصرية من طابقين، صممت بحيث لا تغيب عنها الشمس طوال النهار، فكان عالياً، وله نوافذ وشرفات من جميع الاتجاهات، وهو ما يؤكد أن البارون كان عاشقاً للشمس، ولهذا أطلق على المنطقة اسم مدينة الشمس.

وبسبب عشقه للخمور، قرر البارون أن تكون غرفته داخل القصر مميزة بلوحة فنية تجسد كيفية عصر العنب لتحويله إلى خمر، ثم شربه حسب التقاليد الرومانية.

لم يكتف البارون إمبان ببناء القصر في الحي الجديد، حيث كلف المهندسين أيضاً بناء منازل في الحي على الطراز البلجيكي الكلاسيكي، وما زالت هذه البيوت قائمة حتى اليوم، كما بنى فندقاً ضخماً هو فندق هليوبوليس الذي ضمته الحكومة قبل سنوات إلى قصور الرئاسة بمصر.

الهند على أرض مصر

مساحة القصر حوالى 12.5 ألف متر، ويظهر عشق البارون للهند التي عاش فيها سنوات طويلة من إصراره على أن يحوي القصر تفاصيل هندية كثيرة، فالشرفات الخارجية محمولة على تماثيل الفيلة الهندية، والعاج ينتشر في الداخل والخارج، والنوافذ ترتفع وتنخفض مع تماثيل هندية وبوذية.

لو انتقلنا لداخل القصر، نجده أقرب لمتحف فني يضم تحفاً وتماثيل من الذهب والبلاتين وساعة أثرية قديمة لا مثيل لها إلا في قصر باكنجهام الملكي بلندن توضح الوقت بالدقائق والساعات والأيام والشهور والسنين وتغييرات أوجه القمر ودرجات الحرارة.

 قصر البارون واحد من أجمل القصور المصرية وأكثرها غموضاً، شيد في العام 1911 ويؤمن بعض المصريين بأنه قصر "تسكنه الشياطين”، السلطات المصرية شرعت بترميمه بعد سنوات طويلة ظل فيها مهملاً ومهجوراً. رصيف22 يأخذكم إلى دهاليز القصر وحجراته وممراته

من الخارج تشعرون أن القصر ضخم جداً، لكن عند دخوله تكتشفون أنه لا يحوي سوى 7 غرف، والسبب أن مساحات الغرف كبيرة. في الطابق الأول صالة استقبال كبيرة، وثلاث حجرات، اثنتان للضيافة والثالثة استعملها البارون إمبان صالة للعب البلياردو، وحين تصعدون للطابق العلوي تكتشفون أنه من 4 حجرات للنوم ولكل حجرة حمام.

للقصر سرداب كبير، كان يستخدم في الماضي مطبخاً للقصر، إضافة إلى وجود عدة غرف صغيرة صنعت خصيصاً من أجل الخدم.



أرضيات القصر مبهرة فهي مصنوعة من الرخام والمرمر الأصلي المستورد من إيطاليا وبلجيكا.

وداخل القصر نفق سري، يصل بين القصر وكنيسة "البازيليك" الموجودة حتى الآن بالقرب من القصر، وهذا ما يعني أن البارون كان لا يحتاج للخروج من القصر للذهاب إلى الكنيسة، بل كان يستخدم هذا النفق مباشرة.

بعد وفاة البارون إمبان يوم 22 تموز/يوليو 1929، أصبح القصر مهملاً ومهجوراً، وصارت حديقته الكبيرة التي كانت في الماضي تحوي أندر أنواع النباتات، أرضاً قاحلة، لكن في السنوات السابقة تم استخدام القصر بطريقة غير رسمية في تصوير بعض الأفلام، منها على سبيل المثال فيلم آسف على الإزعاج، من بطولة منة شلبي وأحمد حلمي، كما صور فيه الممثل المصري محمد سعد مشاهد من فيلمه حياتي مبهدلة. وصُورت فيه أيضاً أغنية "أول مرة" للممثلة والمطربة دنيا سمير غانم والمطرب محمد حماقي.



قصر الشياطين؟

في العام 1997 ادعى بعض المصريين أن القصر تسكنه الشياطين والأشباح، بسبب أنه في هذا العام دخل بعض الشباب القصر وأقاموا حفلاً على أنغام موسيقى البلاك ميتال، فقبضت عليهم الشرطة، متهمة إياهم بأنهم "يعبدون الشياطين"، وأطلقت وسائل الإعلام عليهم "عبدة الشيطان"، إذ كانوا يرتدون ملابس سوداء مرسوم عليها جماجم.

وقد أكد الشباب حينذاك أنهم ليسوا عبدة شيطان بل فنانون أرادوا إحياء حفل فني داخل القصر لأصدقائهم. لكن بعض الإعلام المصري، اختلق وقائع كاذبة ونجح في تشويه صورة القصر، وجعل فئة كبيرة من الناس تخاف منه وتعتبره قصر الأشباح والشياطين.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard