"محمد علي" اسم مغمور يتهم قيادات النظام المصري بالفساد والاحتيال

السبت 7 سبتمبر 201906:12 م

تتصاعد في مصر أصداء الضجة التي أثارها مقاول إنشاءات وممثل مصري شاب باتهامه الجيش المصري، ممثلاً في هيئته الهندسية، بإهدار المال العام عبر تشييد فنادق وقصور ومشروعات "باهظة التكاليف" في حين أنها "لا تعود على المواطن العادي بأي فائدة" والاحتيال عليه وعدم دفع مستحقاته على حد قول المدعي.

وأحال النائب العام المصري نبيل صادق، في 7 أيلول/سبتمبر، البلاغات المقدمة ضد علي إلى نيابة أمن الدولة العليا.

ومساء 6 أيلول/سبتمبر، خرج علي في مقطع مصور قصير نفى فيه اتهامات البعض له بالعمالة لحساب تركيا وغيرها، مشيراً إلى أن الجيوش الإلكترونية أغلقت حسابين باسمه عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ومشدداً على أنه ماضٍ في فضح فساد الرئيس المصري والجيش قائلاً إنه سيبث "قريباً، أهم فيديو في حياتي".

وأضاف في مقطع عبر خاصية البث المباشر "السفارة (المصرية في إسبانيا) تريد أن تحل (الأمر) معي، بس هو (الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي) يبحث عني ونفسه يعثر عليّ ويخلص عليّ".



كيف بدأت القصة؟                      

محمد علي (45 عاماً) هو صاحب شركة أملاك مصر العالمية للتنمية والاستثمار التي تتولى تنفيذ مشروعات لعدد من الوزارات المصرية طوال قرابة 15 عاماً، كما عمل ممثلاً في عدد قليل من المسلسلات التلفزيونية والأفلام، وأنتج في عام 2016 فيلمه "البر الثاني" الذي يتحدث عن ظاهرة الهجرة غير الشرعية وقوارب الموت.

وتصدر مواقع التواصل الاجتماعي بعدما تحدث عن تعرضه لـ"النصب والاحتيال" من قبل الجيش المصري الذي ماطل في منحه مقابل مشاريع نفذها لمصلحته، مسلطاً الضوء على "فساد وتنفيذ مشاريع غير مهمة" إرضاءً لأهواء بعض القيادات العسكرية حتى أهواء الرئيس المصري وزوجته، بحسب قوله.

مطلع أيلول/سبتمبر، خرج الممثل والمقاول الشاب في أول مقطع فيديو قائلاً: "لم أكن أرغب في أن تصل الأمور لتلك النهاية لكني أؤمن أن الأقدار هي التي تقود الإنسان إلى مصائره. باختصار شديد سأتحدث للمرة الأولى عن أمر يخص شركتي عبر السوشيال ميديا، والأمر متعلق بالجهة التي أتعامل معها وهي الجيش المصري. شركتنا واحدة من أفضل 10 شركات تتعاقد على مشروعات مع القوات المسلحة".

وأشار إلى أن سيرته الذاتية وسيرة شركته ناصعتا البياض لأن السلطات الأمنية، حتى رئاسة الدولة، سبق أن تحرّت عنهما قبل التعاقد لتنفيذ قصور للرئاسة ومشروعات تابعة للجيش. 

ورأى أن أي محاولة تشكيك تعد اتهاماً مباشراً في كفاءة السلطات الأمنية.



وأوضح "مشروع الشويفات، الذي أتوقع فشله، تسبب بخسائر مالية كبيرة لشركتي، والمسؤولون عن ذلك هم اللواء كامل الوزير (رئيس الهيئة الهندسية بالقوات المسلحة) واللواء عصام الخولي مدير إدارة المشروعات والعميد ياسر حمزة قائد لواء إدارة المشروعات".

"إرضاءً للسيسي ولزوجته"

وتابع "المشروع عبارة عن فندق فاخر باسم ‘تريومف‘ في منطقة التجمع الخامس الراقية وهو تابع للمخابرات الحربية، وقيل لي إن مديره في القاهرة صديق مقرب للسيسي (الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي) بتكلفة تقارب مليارَي جنيه مصري" مبيناً أن لا أهمية لإنفاق الملايين على هذا المشروع، وملمحاً إلى أنه جرت الموافقة عليه مجاملةً لصديق السيسي. 

ويستطرد في منتصف الرواية "منذ تولي الرئيس السيسي الحكم كنت غير راغب في التعامل مع الجيش، برغم أني لم أكن راضياً عن حكم الرئيس محمد مرسي، لكنني أيضاً لم أرغب أن يدير البلد أحد من الجيش".

قبل أن يكشف عن أن سبب الأزمة المالية التي تعرضت لها شركته هو تعويم الجنيه المصري ونشوء فرق كبير في الأسعار لم يعوض عنه، مشيراً إلى أن مطالبته المتكررة بحل الأزمة كان يرد عليها بالوعود والتأجيل مع الحث على الاستمرار في تنفيذ المشروع "والدفع من جيبه".

وأكد أنه في تلك الأثناء طلب منه بناء استراحة (قصر فخم) خاصة للرئيس المصري في محافظة الإسكندرية لتمضية العيد فيها، بعد هدم الاستراحة القديمة. ولفت إلى أن تشييد هذه الاستراحة "من أجل إرضاء زوجة الرئيس السيسي، انتصار" تكلف قرابة 250 مليوناً.

"لا تصدموا من الأرقام، الحاجة انتصار طلبت ‘تعديلات‘ في فيلا بالمعمورة (منطقة في الإسكندرية) بـ25 مليوناً... لا يزال هناك الكثير لأفضحه"، أضاف علي.

وسخر علي من تصريح سابق للرئيس السيسي "إحنا فقراء أوي"، قائلاً "يا عرة (عديم القيمة) يا حرامي... أنا شيدت لك قصورك حوالي 500 بيت... لماذا كل هذه القصور؟ متى ستعيش فيها؟".

يذكر أن أكثر من 60% من المصريين يعيشون في فقر بحسب البنك الدولي، وأن الرئيس المصري كثيراً ما يدعو مواطنيه في خطبه إلى مراعاة "ظروف البلد" والتقشف والاقتصاد وعدم المطالبة بأي زيادات على الرواتب.

"عايز فلوسي يا حرامية"

وقال على إن له أكثر من 220 مليون جنيه لدى الجيش المصري، معرباً عن حزنه على ما يجري في بلده وعلى إجباره على "الغربة" في هذه السن.

وفي مقطع آخر، يردد شتائم مهينة موجهة للرئيس المصري مثل: "أنت مش رجل... يا رجل يا بقف (فاقد الإحساس)... يا عرة (عديم القيمة)... أنت أوزعة (قزم)... أنا لا أقصد السخرية منك لكنك دفعتني لذلك".  ثم يوضح "لا علاقة لي بالسياسة أو الأحزاب وكل الذي أريده من ‘شوية الحرامية‘ (من قادة الجيش) إعادة أموالي. وليست مشكلتي أن السيسي يحابي صديقه المقرب على حساب الشعب أو غيرها من الفساد".

وختم "من سبع سنين وأنا في مشاكل معكم، ولم أسرق أي مال خاص بالدولة بل بعت من ممتلكاتي الخاصة... يا سيسي أعد أموال المشاريع التي تفتتحها من مال المقاولين أمثالي".

"لست هارباً"

في مقطع لاحق، في 5 أيلول/سبتمبر، رد علي على الاتهامات والانتقادات التي أثيرت بشأنه في وسائل إعلام تابعة للنظام المصري على النحو الآتي: "لست هارباً. تركت مصر قبل سنة لأستقر في إسبانيا، وأبنائي كانوا في مصر خلال تلك الفترة وسافروا منها قبل 20 يوماً فقط"، ورفض جميع اتهامات التشكيك في وطنيته وأخلاقه. 



وفي مقطع ثالث، أوضح أن صورة الشاب الذي يعيش حياة مترفة والمتداولة عبر وسائل الإعلام والحسابات الموالية للنظام المصري هو من افتعلها بغرض التمويه حتى يتمكن من مغادرة البلاد.

وتباينت مواقف المصريين مما قاله علي، فالبعض اعتبره بطلاً لفضح فساد "كبار الحرامية في البلد" بدون خوف من مصير القتل المحتوم.

لكن آخرين رفضوا التعاطف معه، معتبرين أنه "شريك في السرقة" وأن ما يفعله من أجل ماله فقط وليس صحوة ضمير أو رغبة في التوبة أو حتى تنبيه المصريين إلى جرائم حكامهم. 

وكان هناك فريق موالٍ للرئيس المصري رفض حديثه واعتبره كذباً وافتراء.

مقاول مصري شاب وممثل غير معروف يتصدر مواقع التواصل الاجتماعي في مصر بعد حديثه عن تعرضه للنصب والاحتيال من قادة في الجيش المصري وفضح إهدار المال العام لإرضاء الرئيس المصري وقرينته... ما القصة؟


بلاغ للنائب العام

وتقدم المحامي المصري محمد حامد سالم، في 3 أيلول/سبتمبر، ببلاغ للنائب العام المصري نبيل صادق، ضد محمد علي بتهمة الإساءة للدولة المصرية والقوات المسلحة.وورد في البيان الذي حمل الرقم  ١١٦٤٨ لسنة ٢٠١٩، أن المشكو في حقه "سجل مقطع فيديو ونشره على الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي قام فيه 

بالهجوم على الدولة المصرية والقوات المسلحة ونشر أخبار كاذبة بغرض إثارة الرأي العام والإساءة لمؤسسات الدولة والمؤسسة العسكرية”.   

واعتبر سالم أن علي عمد إلى نشر "أكاذيب وافتراءات وتناقضات تكشف عن مدى التضليل الذي تعمد نشره بغرض ابتزاز الدولة المصرية وتشويه صورتها بالداخل والخارج ولإفقادها الثقة والاعتبار".

وطالب بـ"اتخاذ جميع الإجراءات القانونية اللازمة والتحقيق في هذا البلاغ وضبط وإحضار المبلِّغ ضده وسماع أقواله وإدراجه بقوائم الترقب والوصول واتخاذ إجراءات المطالبة بتسليمه عبر الإنتربول وسماع أقوال من يثبت اشتراكهم معه في ارتكاب الجرائم موضوع هذا البلاغ وإحالتهم إلى المحاكمة الجنائية العاجلة".

استخدام الأب كورقة ضغط؟

ومساء 4 أيلول/سبتمبر، زعم مذيع برنامج "على مسؤوليتي" المعروف بدفاعه الدائم عن النظام المصري، أحمد موسي، أن والد محمد، البطل الرياضي السابق ورجل الأعمال المصري علي عبد الخالق، طلب الظهور معه لتوضيح "الحقيقة"... حقيقة ما بدر من ابنه.

ونفى الأب ما قاله ابنه وقدم الاعتذار للرئيس المصري والجيش.

وقال الأب عبر قناة "صدى البلد": "الحاجات (المشاريع) الخاصة جداً لدى الجيش كنا نقوم بتنفيذها"، معدداً المشاريع التي عمل عليها هو وابنه، قبل أن يقاطعه محاوره مطالباً إياه بالتركيز على "قصة محمد"، وقد دأب على توجيهه طوال المقابلة إلى التركيز على ما يريد.

وتحدث الأب عن ثراء ابنه الفاحش وممتلكاته الطائلة من فيلات ويخوت وسيارات فارهة، "من أرباح العمل مع الجيش".

وأضاف الأب: "حدث تغيير لم يعجبني في سلوك ابني منذ بدأ في التردد إلى إسبانيا، وهو مهاجمة البلد"، مردفاً وهو يبكي "محمد كان غالياً لدي جداً، ولا أصدق ما فعله. لقد كنا مثالاً للوطنية".

"مش دا محمد... مش ابني... لو هو محمد الطبيعي كنت أتبرأ منه" تابع الأب، موضحاً أن ابنه يتواصل معه بشكل يومي وأنه ينصحه بالرجوع عما فعل والعودة إلى مصر.

ولم ينفِ الأب أن شركة العائلة تعاقدت على معاملات لمدة 15 سنة، لكنه أكد أن الجيش لم يتأخر يوماً في السداد.

ثم استطرد "لا أعرف من يستخدم ابني (للإساءة إلى الجيش والرئيس) ويقف وراء تحوله الجذري. لو أعرفه لكنت قتلته"، قبل أن يسأله المذيع، أحمد موسي، "كيف تكون جميع ثرواتكما من خير الجيش والدولة وتهاجمانهما؟"، ويرد الأب متلجلجاً "لا أعرف كيف فعل هذا".

وتحت إلحاح المذيع على السؤال عمن "أثر" في ابنه، قال الأب: "الولد هشام عبد الله قال له اجهز، وهناك مسؤول من دبي (قالها بالخطأ قبل أن يصحح) قطر قال له (لمحمد) إن طائرةً خاصة سترسل إليه. والولد مطر (معتز مطر) قال له أنت الآن قد انضممت إلينا، وهناك طائرة خاصة ستأتي لاصطحابك".

قبل أن يوجه رسالة لابنه متسائلاً "نهاجم البلد التي صنعتنا؟ نسبُّ الرئيس الذي جعلنا في هذه المكانة؟ من الذي وضعك في وجه المدفع لأشرف شخصية في العالم؟ نحن مؤسسة (جزء من) عسكرية، نحن (جزء من) الجيش". ويختم مخاطباً السيسي "حقك على رأسي، اعتبره ابناً أخطأ... تحمّله. أدعو الله أن يهديه... أعلم أنني لن أراه مرة ثانية".

وقبل حذف حساباته عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ألمح محمد علي إلى أن والده جرى الضغط عليه أو تهديده للتصريح بما قاله. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard