الأخبار... صناعة البارانويا والاستكانة

الثلاثاء 10 سبتمبر 201904:44 م

تفترضُ المواد الصحفية الإخبارية، مرئية أو مكتوبة أو مسموعة، أنها جدية، وتسعى لحلِّ "سوء الفهم" المحيط بأي "حدثٍ" تتناوله، هي تنقل "الحقيقة" لا "الواقع"، لاستحالة "نقل" الأخير، هي الوسيط بين ما حدث وبين ما علينا معرفته، فالصحافي ينقل الأخبار، يكوّنها، يُسهّل تلقّيها، يضع حججه في قالبٍ ذي شكل اعتدنا عليه، ليكسب ما يقدّمه هالةً من الاتزان.

يمكن تجاهل المقدمة السابقة، والاستغناء عن نبرتها الجدية والاطلاع على قسم "#ليتها_الحدود"، في موقع الحدود الساخر، لنكتشف مدى هشاشة "الجدي"، ونتعرف على التقنيات اللغوية والإيديولوجية التي تحيط بـ"الخبر".

إدراكنا لـ"صناعة" الأخبار والحكايات الإخبارية، يكشف عن خصائصها كسلعٍ، خصوصاً أنها تتقنّع أحياناً بالتسلية أو النزعة الإنسانية المفرطة، تتدفّق بصورة لا متناهية، تُعيد تكوين أحداث العالم أيديولوجيا، وترمّزها لتخلق حقيقةً ما، ندافع عنها لأننا "قرأناها" أو "شاهدناها" في الأخبار.

المفارقة السابقة بين العالم ورمزه، بين الحياة اليومية والحوادث الإخبارية، والسعي الدائم لكشف اللبس، يجعل الأخبار أشبه بتيارٍ متدفق للرعب يؤرخ للعالم عبر حوادثه، ويعمّق الفجوة بين الثنائيات السابقة، خصوصاً أن هناك دوماً ما نجهله وما هو خفي ومخبّأ وراء الإيديولوجيا، ليظهر "الصحافي" كشخصٍ يتحلى بالجدية والرصانة، يشارك في تكوين هذا التيار والتعليق عليه ونفيه.

الأهم، أن كل الأخبار تحدث "الآن"، العالم يتدفّق أمام الشاشة، كم هائل من المفارقات والاختلافات تهدد وعينا بالعالم ووجودنا نفسه، فمن يموت مرة في الواقع، يموت مرات لا متناهية في الأخبار.

"مونتاج" التجربة الإنسانية

تدفّق الزمن الإخباري مختلف عن الزمن العادي، لكن "الأخبار" تخلق الانطباع بـ"الآنية" و"القُرب"، وبمجرّد تحول الحدث إلى "خبرٍ" يفقد أصله، يتحول إلى "سلعة" تُعاد وتُكرّر وتستنسخ، كما أن مكوناتها و تسلسل الأحداث ضمنها لا يتطابق مع ما نختبره، حتى في البث المباشر الذي يدّعي التطابق مع زمننا اليومي الذي "يحدث" خارج الشاشة ولا يعتبر "أخباراً" لتفاهته ولا تناهيه، كحالة قنوات "المباشر"-الجزيرة، العربي- التي كانت تبثّ من ساحات العالم العربي أثناء التظاهرات، والتي في بعض الأحيان تكرر الزمن وتعيده للبداية، خصوصاً في حالة سوريا.

المفارقة بين الزمنين تنشر رعباً مستمراً، وكأن كل شيء يحدث "الآن" وبصورة "متكرّرة"، لتبدو الأخبار "مُنتجات" كالبورنوغرافيا، لها هدف واحد، لا فقط أن "تنقل" حقيقة ما، بل ترسيخ حاجة مستمرة لكشف اللبس، فلابدّ أن نعرف ما يحصل لأنه قد يكون خارجاً، بجانب باب المنزل، وهذا بدقة ما كان يحصل في سوريا مثلاً، الخطر يتحرك على الشاشة، يعرف الناس ما يحصل خارج أبواب بيوتهم من مشاهدة "الأخبار".

هذا المونتاج قائم على الاختيار الذي يتجلى بجهود الصحافيين والمحررين لتشفير السلعة الإخبارية، تلك التي تعاد وتكرّر ويقتبس منها، ثم تنفى أو تؤكد، هذا الاختيار نراه أيضاً في الأداء أمام العدسة، ضمن تقريرٍ أخباري، ولا نتحدث عن صور الموت أو القصف ونتائجه، بل تلك المواد التي تحاول الاقتباس مما "يحدث" ضمن الحياة اليومية، لرصد "آراء الناس" الذين يقولون "رأيهم" بوصفهم نبض الشارع، المجاهيل، الذين قد يتحوّلون إلى تريند أو يُنسون، هم كتلة البشر تلصق بها تهمة "قول الحقيقة" في تجاهل تامٍّ لأدائهم أمام الكاميرا وتحديقتها.

لا يوجد حقيقة إخبارية حالياً، وما توظفه الأنظمة السياسية، قائم على نفي حقائق الآخرين، بل ونفي مفهوم الحقيقة نفسه، لنخسر ثقتنا بأي مصدر لأنه جزء من "الصناعة " الإعلامية

يُخلق الرعب، حين تفقد ثنائية الحياة والموت تعريفها البيولوجي من جهة والسياسي من جهة أخرى، وتكفي "كذبة" واحدة لنفي "حقائق" الجميع، لكن يبقى السؤال معلّقاً، جثة من هي التي استلمها أهل زينب؟

القوالب الحميمية

هناك شكل آخر للأخبار، أقل جدية وأكثر دعوة للتعاطف، نراه في الحكايات والفيتشرات الحميمية، التي تناقش حالة فردية ثم تنتقل للعمومية، والتي يتورط فيها الصحافي نفسه و"يصف" و"يرتب" ما يراه كأنه اختبره أو "لمسه"، ما يعطي انطباعاً بأن الصحافي جزء من الحدث، وتعريفه يتطابق مع تعريف الموضوعة التي يلتقيها، لنرى أنفسنا أمام أشخاصٍ تحولت فجأة حياتهم إلى "مادةٍ إخبارية" تكتسب قيمتها من حميمتها، ومن قدرتها على أن تكون مدخلاً إلى "حقيقة كبرى"، حكايات هذه الأفراد المُصنّعة والمُشفّرة تتراكم لخلق صورةٍ عامةٍ عن خرابٍ مستفحل، أو سلام مستفحل، دون الخوض حقيقة بما ما "يحدث"، الأهم أن هذه التجارب الخاصة للأفراد مفتاح لخلق التناقض مع الحقيقة السياسية، ليتنكّر الخبر كتجربةٍ إنسانية في حين أنه حقيقة أيديولوجية.

لا تكمن المشكلة في الأفراد/ الموضوعات بل في الصيغة اللغوية والأسلوب الذي يستخدمه الصحافي "المُفرط في إنسانويته"، لا لاستخلاص معلومات من موضوعاته، بل لإضفاء نزعة رومانسية على "الحقيقة" تُحرّرها من الأيديولوجيا الواضحة و تدخلها في السرد الرومانسي، أولئك الصحافيون مُدّعو المساواة مع موضوعاتهم، رفاق الدراويش، متفهّمو "المزعبراتية" هم الأشدّ قدرة على خلق الرعب والارتباك بين الشخصي وبين الإخباري، كما يحدث حين نقرأ عن بائع متجوّل في مدينة مدمرة يتابع حياته دون أي إشارة لما شهده، بل فقط جهوده الذاتية، لننتقل بعدها إلى أرقام وإحصائيات عن الدمار العام، الإيديولوجيا هنا تكمن في الكذبة الأولى، لا يتساوى أبداً الصحافي مع موضوعه، خصوصاً في مساحات الرعب، والثانية هي في التوصيفات وترتيب الحجج وكيفية سوقها واستخدام الأدوات اللغوية، كالمبني للمجهول والزمن الماضي، وبالطبع، التشفير الأيديولوجي، حرب/ أزمة/ مشكلة، لتجنّب الاتهام والحفاظ على "مساواته" مع موضوعه.

"أنا" الصحافي؟

ادّعاء الصحافي الجدية يكسبه هالة ما، كونه مولداً للأخبار، ولا يفقد قدرته هذه خارج فضاء العمل، خصوصاً أن كلامه يفترض "حقيقة" ما، في ذات الوقت يخلق مفارقة مع باقي "الحقائق"، هو الذي يشير إلى الجدي واللا جدي، ما يجوز قوله وما لا يجوز قوله، بدءاً بالأخطاء اللغوية الشائعة وانتهاءً بالنكات غير الصحيحة سياسياً، هو لا يضحك حين يسمعها، بل يرسم خط المسموح وغير المسموح علناً، خصوصاً أنه يوظف" المسلّمات" و يروّج لها مهما كان توجهه، ليبدو الحدث المثير للجدل كصدام بوجه المسلّمات بوصفها سلاحه الأيديولوجي، هي تلك التكوينات المفاهيمية والثقافية المُتفق عليها ولا داع لمساءلتها وذلك لترسيخ الهيمنة، بحكم أن أي تصادم مع "المُسلمات" ليس إلا غباء وكلاماً فارغاً. هو يتحدّث باسم جمعٍ غائب ويُدافع عن مُسلّماته، "من المسلم به إسقاط النظام في سوريا" وأيضاً "من المسلم به سيادة بشار الأسد" أو "من المسلم به الدفاع عن حقوق المرأة" و"من المسلم به احترام عاداتنا وتقاليدنا"، هناك دوماً مُسلّمة ما ترفع بوجه "المختلف" سواء كان حدثاً أو شخصاً، وكأنها قاعدة تَبطلُ "اللعبة" بدونها.

الرعب ضد الحقيقة

لا يوجد حقيقة إخبارية حالياً، وما توظفه الأنظمة السياسية، قائم على نفي حقائق الآخرين، بل ونفي مفهوم الحقيقة نفسه، لنخسر ثقتنا بأي مصدر لأنه جزء من "الصناعة " الإعلامية، فإن كنا نحن نكذب كنظام سياسي، فالجميع أيضاً يكذبون، وتزاد هذه القدرة على نسف الحقيقة في حالات الحروب، إذ تتحدّث سلوى اسماعيل في كتابها "حُكم الرعب" في سوريا عن "الزومبي" أو "اللا-موتى" الذين ماتوا رسمياً ثم عادو للحياة، كحالة زينب الحصني ذات الـ18 عاماً، إذ قيل أن النظام السوري قتلها وسلّم جثتها ميتة لأهلها، لتظهر لاحقاً على شاشات التلفاز الوطني السوري حية، تحكي "حقيقة" ما حدث معها.

يُخلق الرعب، حين تفقد ثنائية الحياة والموت تعريفها البيولوجي من جهة والسياسي من جهة أخرى، وتكفي "كذبة" واحدة لنفي "حقائق" الجميع، لكن يبقى السؤال معلّقاً، جثة من هي التي استلمها أهل زينب؟

هذه المفارقات التي توظّفها الأنظمة القمعية تهدد العاملين في "الصحافة"، وتحضر أيضاً في الدول "الديموقراطية"، فترامب نفسه اخترع مفهوم "الأخبار الكاذبة"، بوصفها الأشكال الجدية الموجهة ضده، هو يكذب، وعبر كذبه الجدي يُبطل "حقائق" الآخرين وأثرهم، وكأننا في عالمٍ مائعٍ تتداخل فيه الحدود بين الحياة والموت، الحقيقة والكذب.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard