هل بالفعل كانت ميا خليفة ضحية الاتجار بالبشر؟

الجمعة 6 سبتمبر 201906:15 م

بملامح "فاترة" مهما حاولت إظهار الامتعاض والخجل، خرجت نجمة الأفلام الإباحية المعتزلة ميا خليفة في مناسبتين مؤخراً، للحديث عن ماضيها الذي باتت لا تعتبره مشرفاً، وعن كونها "ضحية" لأناس تاجروا بها واستغلّوا حداثة سنها... لكن هذا لم يقنع الكثيرين.

مطلع آب/أغسطس الماضي، أطلّت خليفة في مقابلة بُثّت عبر يوتيوب مع "صديقتها" مدربة الحياة ميغان أبوت، روت فيها قصتها لأول مرّة، معربةً عن خجلها من ماضيها.

رغم محاولتها التي بدت واضحة لـ"تلميع صورتها" وإبراز الجوانب الإنسانية المؤلمة في حياتها، قبل وبعد الانجراف في تصوير أفلام البورنو، لجلب نوعٍ من التعاطف معها، كانت ضحكاتها ومزاحها مع محاورتها غير مقنع، بل ورآه الكثيرون مستفزاً، واعتبرته مواقع إعلامية "محاولة للعودة إلى الأضواء لكن بصورةٍ أكثر نظافة".

في المقابلة الثانية، ظهرت خليفة خلال برنامج "هارد توك" عبر "بي بي سي" لتصدم جمهوراً أعرض بحديثها عن "استغلالها وإجبارها على العمل في عالم البورنو القذر والمذلّ"، على حدِّ وصفها.

سعت خليفة لتلمّس بعض العذر لنفسها، فقالت إنها كانت "مجرد آلة تدر المال (بالنسبة لصانعي تلك الأفلام) ... ليس أكثر، لم أكن أبلغ أكثر من 21 عاماً".

وشرحت أن شخصاً استدرجها للعمل في أفلام البورنو قائلاً: "كم أنتِ جميلة. هل ترغبين في العمل كموديل؟ جسمك رائع وستبلين حسناً في العروض العارية"، وأنها شعرت بالارتياح في البداية، قبل أن تكتشف حقيقة العمل بتصوير أفلام البورنو.

وعن خطورة تصوير أحد المشاهد الإباحية وهي ترتدي الحجاب، قالت في المقابلة "لقد أخبرتهم: أنتم يا شباب سوف تتسببون في مقتلي"، مؤكدةً أن الرد جاءها بالضحك فقط. وعن عدم رفضها تصوير المشهد قالت: "إنه الشعور بالرهبة. لم يكونوا ليجبروني على ذلك، لكن توتري دفعني للانصياع إليهم دون اعتراض".

فقدان الخصوصية وخجل الظهور

وأوضحت أنها على الرغم من اعتزالها ومحاولاتها لتخطي تلك الفترة من حياتها، ما تزال تشعر بالعار بشأن ماضيها، مشيرةً إلى أن الأمر يبلغ ذروته حين تتواجد في الأماكن العامة.

واستطردت: "أشعر وكأن الناس يستطيعون تعريتي تماماً... يشعرني هذا بالعار الشديد. أشعر وكأنني فقدت خصوصيتي تماماً بسبب صوري العارية"، مردفةً "لا يمكنني محو هذه الصور من محركات البحث ولا من ذاكرة أي شخص".

خليفة ليست "الضحية" الوحيدة، على ما يبدو، إذ أكّدت أنها ومنذ كشفت عما تعرّضت له، تواصلت معها أخريات روين لها قصصاً عن تعرّضهن للاستغلال أو خضوعهن لضغوطٍ للقيام بأشياء لا يردن القيام بها.

وتابعت: "دُمّرت حيوات العديد من الفتيات بسبب رجال استغلوهن ودفعوهن للتوقيع على عقودٍ لا يدركن عواقبها جيداً".

اللافت أن محاورها على بي بي سي نفسه بدا غير مقتنع بصورة الضحية التي سعت لرسمها لنفسها، فكان يلحّ في أسئلته: "لماذا لم ترفضي، لماذا لم تطلبي مساعدةً قضائية، ألم تخشي القيام بذلك؟".

لماذا تظهر وتقول هذا الآن؟

"أنا هنا للحديث عن تجربتي لأن آخرين يعانون ما مررت به، وهم يشبهونني تماماً في الشعور بانعدام الأمان، والتعرض للضغط للقيام بأشياء لا يرغبون حقيقةً في فعلها"، هكذا أوضحت.

كما سعت إلى التحذير من مخاطر الأفلام الإباحية وتأثيرها السلبي على العلاقات قائلةً: إن "إدمان الأفلام الإباحية منتشر، وهو يدمّر العلاقات. فما يشاهده الرجال في هذه الأفلام ويتوقعونه من نسائهم ليس حقيقياً، فلن تستطيع أي واحدة أن تفعل هذا بتلك المثالية التي تظهر بالأفلام ولا القيام بتلك الأفعال".

وضمّت منظمةُ الصحة العالمية (WHO)، في أيار/مايو 2019، السلوكَ الجنسي القهري ضمن قائمة أمراضها التي تعدّل سنوياً وتصدر كل 30 عاماً وتضم 55 ألف مرض.

وتشير المنظمة إلى أن السلوك الجنسي القهري "يحدث عندما تصبح الأنشطة الجنسية مهيمنة للغاية في حياة المرء، لدرجة أنه/أنها يتجاهل الصحة الشخصية وغيرها من الأنشطة والمسؤوليات على مدار فترة من الزمن". ويشمل بذلك الإدمان الجنسي ومشاهدة الأفلام الإباحية عبر الإنترنت.

لكن، هل يمكننا اعتبار خليفة ضحية إتجار بالبشر؟

بحسب الأمم المتحدة، فإن الاتجار بالبشر يتمثّل في "تجنيد شخص أو نقله أو تنقيله أو إيوائه أو استقباله بواسطة التهديد بالقوة أو استعمالها أو غير ذلك من أشكال القسر أو الاختطاف أو الاحتيال أو الخداع لغرض الاستغلال".

ويجرى الاتجار بالأشخاص لاستغلالهم في مجالات مختلفة، أبرزها: الاستغلال الجنسي (شكل 53% من إجمالي ضحايا الاتجار بالبشر عام 2011) والعمل القسري، أو ما يعرف بالعبودية العصرية، (40% من ضحاياه في نفس العام).

ومن أنواعه الأخرى: الزواج القسري، وتجارة الأعضاء، والتبني غير القانوني واستغلال الأطفال في التسوّل والتجنيد. كما يندرج تحته، بحسب الانتربول الدولي، تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر من أجل الأنشطة الإجرامية القسرية.

ولا يوجد إحصاء دقيق لضحايا الاتجار بالبشر، لكن التقديرات تشير إلى أن "ملايين البشر" يتاجر بهم سنوياً. كما أن منظمة العمل الدولية تقدر ضحايا العمل القسري في العالم بـ21 مليون شخص، ويشمل هذا الرقم ضحايا الاستغلال الجنسي.


خليفة ليست "الضحية" الوحيدة، على ما يبدو، إذ أكّدت أنها ومنذ كشفت عما تعرّضت له، تواصلت معها أخريات روين لها قصصاً عن تعرّضهن للاستغلال أو خضوعهن لضغوطٍ للقيام بأشياء لا يردن القيام بها
لا يوجد إحصاء دقيق لضحايا الاتجار بالبشر، لكن التقديرات تشير إلى أن "ملايين البشر" يتاجر بهم سنوياً. كما أن منظمة العمل الدولية تقدر ضحايا العمل القسري في العالم بـ21 مليون شخص، ويشمل هذا الرقم ضحايا الاستغلال الجنسي

"إتجار واستغلال جنسي لكن برغبتها"

وتوضّح المحامية المصرية والناشطة الحقوقية ورئيسة مجلس أمناء مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون، انتصار السعيد، لرصيف22، أنه "من منطلقٍ قانوني تعرّضت خليفة للمتاجرة، لأن هناك أشخاصاً استفادوا مادياً من عملها. هي حالة استغلال جنسي بيّن، لكن الجدل نشأ بسبب أنها تمّت بالموافقة والرضائية".

وتضيف: "هي عاملة بالجنس التجاري ولم تكن طفلة (أقل من 18 عاماً) حين فعلت ما أقدمت عليه، لكنها تعرّضت (من خلال قصتها التي روتها) لاستغلال نفوذ وضغط نفسي شديد تولّد من خشيتها من فقدان الوظيفة... هو إجبار معنوي أو خفي لكنه مؤثر".

وتردف: "هي ضحية انتهاك خصوصية، ولا يمكنها وقف بث هذه الأفلام الإباحية رغم اعتزالها. ونظراً لما قالته عن مقاييس الجمال ومعاناتها من الوزن الزائد، أصبحت فريسةً من السهل استدراجها واستغلالها جنسياً، خصوصاً مع صغر سنها وقلّة خبرتها في الحياة"، مشيرةً إلى أن "من يهاجمونها حالياً، كانوا وما زالوا يشاهدون أفلامها الإباحية، وهذا يكشف الازدواجية في عالمنا العربي".

رغم ما سبق، لا تستبعد أنها "ترغب في تحسين صورتها"، مشيرةً إلى أنها قابلت حالات من الاتجار بالنساء لأغراض جنسية خلال عملها الحقوقي، لكنها لا تصل إلى تصوير الأفلام الإباحية".

"غرضها الشهرة"

أما المتخصص في العلوم الاجتماعية والحقوقي المغربي، مروان بنفارس، فيعلق لرصيف22 على ما قالته خليفة بالتصريح: "عالم المشاهير يتطلب الكثير من التصريحات والردود والمزايدات التي تجعل من أصحابها دائمي الحضور والظهور لضمان البقاء، وهكذا يمكن أن تفهم التصريحات الأخيرة لميا خليفة".

وأضاف: "ظاهرة الاتجار بالبشر وتقاطعه مع البغاء القسري، أو الانخراط في الدعارة الاحترافية، ظاهرة عالمية ولها حضور في كل بلدان الوطن العربي"، لافتاً إلى أن "آخر حدث أبرز هذه الظاهرة ما حصل قبل سنوات داخل الجماعات المتطرّفة في سوريا والعراق بجهاد النكاح، حيث كانت هذه الجماعات ووسطاؤهم يشجّعون الشابات المسلمات للالتحاق بساحات القتال لهذا الغرض، ليجدن أنفسهن في براثن دعارةٍ مقدسة، كما حصل مع المغربية إسلام ميطاط، أو الاتجار بالأيزيديات".

وتابع: "الاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، من فقر وهشاشة وتنمّر أسري، تلعب دوراً كبيراً في ولوج بعض النساء لعالم البغاء القسري في الدول العربية"، مشدداً على أن "الهجرة يمكن أن تكون مدخلاً للبغاء القسري، سواء داخلية أو خارجية".

ويلفت إلى أن "التحوّل الرقمي الذي نعيشه يعد بانتشار البغاء القسري، فمجموعات النساء وخاصة المراهقات على شبكات التواصل الاجتماعي والحميمية التي يتبادلنها، وكشف خصوصيتهن مع نساء غريبات، تجعلهن ضحايا من السهل استقطابهن من الوسيطات الجنسيات المتواجدات بكثرة في هذه المجموعات".

لكنه قال في الوقت نفسه "لا أظن ظاهرة الاتجار بالبشر وصناعة البورنو تتوازيان في الوطن العربي".

إتجار بالقاصرات في تونس

أكدت الناشطة بالجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات، مروى الماجري، لرصيف22، أن حالات الاتجار بالبشر المتكاملة الأركان تقع كثيراً في بلادها بحق النساء لاسيما القاصرات، اللاتي يبعن في مناطق "معروفة" أشبه بأسواق النخاسة، ليس بغرض الجنس بل الخدمة المنزلية، لكنها تشدد على أن "الاستغلال الجنسي في هذه الحالات وارد جداً".

وهي تؤكد أن جمعيتها بصدد الكشف عن نتائج دراسة حول عدد من يتعرّضن من هؤلاء العاملات المنزليات القاصرات للاستغلال الجنسي، استناداً إلى 100 مقابلة أجريت مع البعض منهن.

وتضيف "بالطبع يحدث إتجار جنسي بالنساء، لكن من دون تصوير، لذا لا يصل إلى إتجار بغرض البورنو". لكنها لا تستبعد وجود شبكات دعارة تجبر النساء والفتيات على العمل لديها من دون منحهن أي مقابل، مع تأكيدها صعوبة إثبات هذا الأمر بسبب صعوبة التواصل.

في النهاية، ترى المحامية السعيد أن " تشريع قوانين تجرّم العنف والاستغلال الجنسي للمرأة، على أن تتضمن عقوباتٍ مشددة، والتمكين الاقتصادي للنساء بحيث لا يقعن فريسة لمثل هذه الجرائم لحاجتهن للمال" هو الحل لعدم وقوع مثل هذه الحالات.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard