الرب والأب والسلطة على الأبناء... إسراء غريب ضحية التبعية القاتلة أيضاً

الجمعة 6 سبتمبر 201906:01 م

منذ نعومة أظفارنا تعلمنا أن من أوجد شيئاً صار ملكه، يفعل به ما يريد، حتى ولو حطمه أو تفنّن في اختراع أدوات التعذيب التي تستخرج منه كل مفردات الألم، أو ساقه نحو المذبح مقيداً، لا يهم، فهو السبب في وجود هذا الشيء ولو شاء لما سمح له بتلك النعمة التي يمقتها من أُنعم عليهم بنعمة الوجود.

هل نتحدّث عن الأب أو عن الرب أو عن كليهما، أو أن أباً ما في قديم الزمان، صاغ مشاعره على هيئة رواية الرب، فظل كل هذا الشبه يجول في أعماق نفوسنا؟

في الحقيقة إن فلسفة البشرية في تبجيل فكرة الوجود هي منبع كل الشرور اللاحقة، بأمر التسلط والتحكّم والانقياد دون حرية أو اعتراض، الرب كما الأب، أو الأب كما الرب، لا فرق، فأحدهما أطلق تلك الفلسفة التي استفاد منها دوماً الآخر، ويمكن تلخيص تلك الفلسفة في جملةٍ بسيطةٍ غير معقدة وهي: "أنا السبب في إعطائك فرصة الحياة، لذا فالطاعة واجبة النفاذ، ولا سبيل لك علي إلا برضاي".

هل تكفي "نعمة الوجود" أو "نعمة الحياة" كما يُطلق عليها، لنيل كل هذه السلطة؟

العديد منا سيثور على السؤال ذاته هنا، وأقصد هؤلاء الذين لا يرون في الحياة والوجود نعمةً من الأساس، بل سلسلةً من الاختبارات والتجارب المريرة التي لو عُرضت عليهم قبلاً لرفضوها بلا نقاش، بالتالي فلا معنى أن يُطالب أب أو أم أو حتى رب بواجبات الطاعة، واقعياً قد يقوم هؤلاء بتحميل من تسبب في وجودهم نتاج ما ترتب على هذا القرار من أضرارٍ أصابت النفس والجسد، ومن هنا ربما تبدأ حملة المطالبة بالتعويضات أيضاً: لا بد وأن يُساعدني الأهل في تجهيزات استقلالي عنهم، لا بد وأن يتحمل الأهل تكاليف الدراسة والمسكن والملبس وغيرها من أمور الحياة الأساسية، فأنا لم أطلب أن أخوض تلك المغامرة حتى يظنَّ البعض بأنه يجب علي فعل كل ذلك بمفردي، وإن اضطررت لفعل ذلك فبالتأكيد لن ترافقني في رحلتي المُزعجة أوامر الطاعة والتبجيل لأهلٍ أو لرب.

منذ شهور قليلة قام أحد الآباء في مصر بقتل نجله إثر مشادة عنيفة بينهما، وكان الحديث حينها عن بضعة أعوام قليلة سيقضيها الأب داخل السجن، على الرغم من أنها جريمة قتلٍ بكلّ الأدلة، بل وباعترافات الجيران والأب نفسه، وحينما بحثت عن سبب ذلك الحكم المُخفّف علمت بأن الشرع يقول "لا يُقتل والد بولده" وإن كان سرد الحديث به علّة ولكن جمهور علماء الإسلام انتهى إلى أن قتل الأب لنجله إن لم يكن عمداً، أي أضجعه واستخدم سكيناً لضرب رقبته مثلاً، فلا يُقتل الوالد بهذا الإثم، وهكذا فلو تشاجر أب وابنه وانهال الأول على الثاني بالضرب ومات إثر ذلك، فلا يجب عقاب الأب لأنه لم تكن نيته القتل المباشر، وإن كان هذا فعله لأن الابن وماله لأبيه، وتفسير ذلك بمنتهى الوضوح أن الوالد سبب في وجود الولد، فإن انتفى الوجود فهذا أمر تعود أحقيته للوالد السبب وليس لأي أحد آخر، لذا فلنبحث عن طرقٍ ملتويةٍ تجعل الأب يفلت من العقاب، كما فعل عمر بن الخطاب في قبول دية والد قتل نجله.

تماماً كما هي الفكرة عن الذات الإلهية التي يجب أن نعبدها لأنها أوجدتنا، حتى ولو كرهنا الوجود أو رفضناه فهذا ليس بالأمر المهم، فهو من أوجدنا -كما تقول الأديان- لذا فهو يحق له التصرّف بنا وفينا كما يشاء، وما يفعله هو "العدل والرحمة"، وإن خالف فعله تفسيراتنا للعدالة والرحمة أصلاً، وسيقول أحدهم إنه هو من أوجد العدل والرحمة أيضاً، وله الحق أن تقاس تلك الأمور على فعله وألا يقاس فعله على مفاهيمنا نحن.

لا أنادي هنا بعقوق الوالدين ولكن أطلب بتحجيم الأمور، صحيح أن الأهل هم سبب وجودنا ولكنهم لا يمتلكوننا، ولسنا مضطرين للعيش وفق شروطهم أو تحمل طاعتهم قسراً، وإسراء غريب واحدة من ملايين الفتيات والفتيان الذين كبروا ليجدوا مصير الإذلال والتبعية والحجر على شخصياتهم وحيواتهم، من أجل فلسفةٍ تافهةٍ تقضي بأن الوجود نعمة يجب أن تدفع ثمنها، وإن لم تطلبها أو تحبذها، وحينما أقرأ عن محكمةٍ أجنبيةٍ ما حكمت بفصل الابن/البنت عن أهلها مع ضمان حقوقها المادية، أجد نفسي راضياً عن هذا التحوّل البشري عن تلك الفلسفة المقيتة.

الفكرة عن الذات الإلهية التي يجب أن نعبدها لأنها أوجدتنا، حتى ولو كرهنا الوجود أو رفضناه فهذا ليس بالأمر المهم، فهو من أوجدنا -كما تقول الأديان- لذا فهو يحق له التصرّف بنا وفينا كما يشاء، وما يفعله هو "العدل والرحمة"

صحيح أن الأهل هم سبب وجودنا ولكنهم لا يمتلكوننا، ولسنا مضطرين للعيش وفق شروطهم أو تحمل طاعتهم قسراً، وإسراء غريب واحدة من ملايين الفتيات والفتيان الذين كبروا ليجدوا مصير الإذلال والتبعية والحجر على شخصياتهم وحيواتهم

ما بعد إسراء غريب..

على الرغم من اتخاذ خطوات واسعة في تغيير تلك الفلسفة إلا أن الفتية الذين رفضوا تلك الوصاية الغاشمة عليهم، كبروا وتزوّجوا وأنجبوا، وبدأ معظمهم في فرض وصايته الخاصة على أطفاله هو الآخر، وهكذا لن تُغلق هذه الدائرة بسهولة، وستظل القوالب تصنع القوالب وتدمر تلك القوالب التي لم تنتهي على شاكلة جميع ما سبق.

اختلف معي في وصاية الرب -إن وجد- على البشر، ولكن على الأقل كن تغييراً حقيقياً في رفض تلك الوصاية البشرية على نتاج عملية الإنجاب، وربما حينها قد لا نسمع مرة أخرى عن مثل تلك الجرائم أو أن تكون صرخات إسراء غريب هي آخر الصرخات في وجه فلسفة "أوجدتك فأنت ملكي".

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard