ارحموني أنا أحترق نفسياً... كيف يدمّر الـ burnout حياتكم؟

الاثنين 9 سبتمبر 201904:15 م

في نوفمبر 2017، تم الإبلاغ عن حالة فقدان بصر محيّرة في إحدى مستشفيات بيروت، بحيث أصيب طبيبٌ متخصصٌ في جراحة العيون بشكلٍ مفاجئ، برؤيةٍ ضبابيةٍ في عينٍ واحدة، بعد مرور يوم أو يومين من التعرّض لإرهاقٍ شديد في غرفة العمليات.

لم تكن هذه المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك، إذ سبق وعانى الطبيب من الأعراض نفسها حوالي 4 مرات في غضون عامٍ واحدٍ فقط، والمثير للجدل أنه في كل مرة كان يسبقها يوم مليء بالضغوط، وقد تم تشخيص حالة الطبيب بأنها اعتلال المشيمية والشبكية المصلي المركزي (CSCR) جرّاء تجمّع كمية ضئيلة من السائل خلف منطقة صغيرة من الشبكية ما أدى إلى انفصالها مؤقتاً.

خلال أسابيع عولجت مشكلة الطبيب، ووُضعت له خطة صارمة للتحكّم بالإجهاد وذلك بهدف تجنّب ظهور هذه الأعراض مرة أخرى.

تُعد غرفة العمليات الجراحية نموذجاً مصغراً لبيئات العمل حول العالم، بحيث تتطلب طبيعة العمل اليوم مجهوداً بدنياً أقل من المجهود الذهني، مما يجعل الدماغ يقع ضحية المخاطر المهنية وظاهرة الـburnout أو متلازمة الاحتراق النفسي، فما هي هذه الظاهرة؟ ما هي أعراضها؟ وكيف تنظر إليها المجتمعات العربية مقارنةً بالمجتمع الغربي؟

دمار وخراب

أنتم تعملون ليلاً ونهاراً من أجل مهنةٍ تحبونها، فتبذلون قصارى جهدكم من أجل ضمان النجاح في كل خطوة، غير أن ذلك يجعلكم تستنزفون جميع طاقاتكم، فيصيبكم التعب والإرهاق والخوف مما قد يخبئه المستقبل لكم، وهكذا تشعرون دوماً أنّ في داخلكم ناراً مشتعلة قادرة على إحراق كل ما يعترض طريقها ببطىءٍ شديد، ونيران ملتهبة تخلّف وراءها الدمار والخراب، هذا هو بالضبط الاحتراق النفسي الذي يُعرف بالـBurnout، والذي يؤثر سلباً على أوجه الحياة المختلفة: الإنتاجية في العمل، جودة النوم، العلاقات العاطفية والحياة الجنسية...

في العام 1974، أدخل عالم النفس هربرت فريودنبرغ مصطلح Burnout إلى معجم البحوث، ويُعدّ بحثه بعنوان "الاحتراق النفسي لدى العاملين" أول محاولة لتوصيف هذه الحالة، وحينها عرّف هربرت مصطلح Burnout syndrome (متلازمة الإحتراق النفسي)، بأنه حالة من الإنهاك الشديد الذي يتعرّض له العاملون المعالجون في العيادات المجانية في نيويورك، معتبراً أن هذا النوع من الاحتراق يعود بشكلٍ خاص إلى فقدان الدافع لدى الشخص تجاه عمله، لاسيما عندما لا يؤدي انخراطه الشديد في العمل إلى النتائج المتوقعة.

وفي وقتٍ لاحقٍ بدأت الباحثة في علم النفس الاجتماعي كريستينا ماسلاش بدراسة هذه الظاهرة عن كثب، من خلال إجراء سلسلة من المقابلات مع بعض الموظفين في الحقل الطبي، فأبلغ العديد منهم عن تعرّضه لانهاكٍ عاطفي عميق، عن سلبيةٍ تجاه المرضى وأزمة في مشاعر الكفاءة المهنية، وعلى غرار أعراض الاكتئاب، كان الاحتراق النفسي يخنق طموحات الناس ويؤثر سلباً على إحساسهم بقيمتهم وبتقديرهم لذاتهم.

تشعرون أن في داخلكم ناراً مشتعلة قادرة على إحراق كل ما يعترض طريقها ببطىءٍ شديد، ونيران ملتهبة تخلّف وراءها الدمار والخراب، هذا هو بالضبط الاحتراق النفسي الذي يُعرف بالـBurnout، والذي يؤثر سلباً على أوجه الحياة المختلفة: الإنتاجية في العمل، جودة النوم، العلاقات العاطفية والحياة الجنسية

ولم تكن هذه الظواهر مجرّد حالاتٍ فرديةٍ خاصة بالحقل الطبي، بل كانت مشكلة منتشرة بشكلٍ نسبي بين مختلف الناس، وهكذا ساعد مصطلح الاحتراق النفسي على سدّ فراغ توصيف ظاهرةٍ كانت سائدة في بيئة العمل.

وعندما نتحدث عن burnout قد يغيب عن بالنا أن هناك 3 أنواع مختلفة من هذه الظاهرة، وفق ما ذكره موقع inc:

Overload burnout (الاحتراق النفسي الزائد): هو حال الأشخاص الذين يعملون بجهدٍ كبير وبشكلٍ هوسي بحثاً عن النجاح، فهؤلاء الأفراد على استعدادٍ كاملٍ للمخاطرة بصحتهم وبحياتهم الشخصية في سبيل تحقيق طموحاتهم.

Under-challenge burnout (الاحتراق النفسي تحت التحدي): تشمل علامات هذا النوع من الإرهاق عدم شعور المرء بالتقدير والرضا، بالإضافة إلى الملل والافتقار إلى فرص التعلم، ولكون بعض الأشخاص لا يجدون أي شغفٍ أو متعةٍ في عملهم، فإنهم يعوّضون هذا النقص عن طريق عزل أنفسهم عن العمل وبالتالي التفلّت من المسؤوليات.

Neglect burnout (الاحتراق النفسي الإهمالي): ينتج هذا النوع من الاحتراق النفسي نتيجة الشعور بالعجز في العمل، فيشعر الأفراد بعدم الكفاءة أو بعدم القدرة على تلبية متطلبات وظيفتهم، وبالتالي يميل بعض الموظفين ليكونوا سلبيين وغير متحمسين.

 

الدماغ لم يعد يكفي للبقاء على قيد الحياة

ليس الاحتراق النفسي مجرّد حالة ذهنية أو استجابة عاطفية لساعات طويلة في العمل الشاق، إنما يعود إلى مجموعةٍ من ردود الأفعال الجسدية والعاطفية والذهنية المختلفة التي تحدث نتيجة الاستجابة للإجهاد والضغوطات التي نختبرها على المدى الطويل في حياتنا، وتخلّف وراءها خسائر جسدية وندوباً نفسية عميقة.

على مدار العشرين عاماً الماضية، طوّرت كريستينا ماسلاش نموذجاً يحدد 6 مكونات رئيسية لبيئة عمل تساهم في إيصال المرء إلى حالة الإرهاق النفسي: عبء العمل، التحكم، المكافأة، المجتمع، الإنصاف والقيم.

وفي معرض الحديث عن الأسباب التي قد تؤدي إلى الاحتراق النفسي، أوضح موقع بي بي سي أن الضغط النفسي قد يكون له علاقة بالمركز الاجتماعي، فإذا كنتم تعتبرون مثلاً أن مركزكم الاجتماعي على المحك، فحينها قد يصيبكم التوتر والقلق، إذ ستشعرون أن الأمور خرجت عن سيطرتكم، ونتيجة التنافس وعدم المساواة والخوف من آراء الأخرين فإنه من المحتمل أن تقعوا تحت رزح الضغوطات النفسية وتختبروا ظاهرة الـburnout.

من ناحيةٍ أخرى، فإن الشعور بأن مردود العمل لا يعادل المجهود المبذول قد يسبب بدوره الضغط النفسي طويل المدى، فقد كشف بحث أن معاناة الموظف الذي يشعر أن راتبه لا يعادل المجهود الذي يبذله، يؤدي إلى استنزاف المشاعر وتدهور الأداء الذهني.

والجدير بالذكر أن الاحتراق النفسي لا يحدث فقط بسبب الأعمال المضنية والمسؤوليات الكثيرة وهموم الراتب وهاجس تأمين لقمة العيش، إذ أن هذه الظاهرة قد تطال أيضاً العاطلين عن العمل وربات المنزل...فبمعزل عن الضغوطات المهنية، هناك عوامل أخرى تساهم في الوصول إلى الاحتراق النفسي، أهمها أسلوب حياة الشخص (كيفية تمضية وقت فراغه) وبعض السمات المتعلقة بشخصيته (التوق إلى المثالية، نظرته إلى العالم...).

وإذا نظرنا من حولنا لوجدنا أن معظم الأشخاص يعانون من متلازمة الاحتراق النفسي، بخاصةٍ في ظل وتيرة الحياة التي نعيشها اليوم وإيقاعها السريع، مع ما يتطلبه ذلك من جهدٍ وتعبٍ في سبيل البقاء على قيد الحياة، وفي هذا الصدد، كان الفنان البلجيكي توماس ليروي قد عرض في أحد المعارض في باريس، تمثالاً برونزياً لشخص سقط رأسه أرضاً تحت وطأة الضغوطات النفسية، مرفقاً بالعبارة التالية: "الدماغ لم يعد يكفي للبقاء على قيد الحياة".

 

الاختلاف في الثقافات

مع الوقت انتشر مصطلح Burnout بكثرةٍ في الثقافة الأجنبية وتم إدراجه في مايو 2019 ضمن قائمة "التصنيف الإحصائي الدولي للأمراض" من قبل منظمة الصحة العالمية، نظراً لارتباطه بالعديد من المشاكل الصحية والنفسية كالاكتئاب، القلق، أمراض القلب وغيرها...

فخلال مقابلة مع الإعلامية الشهيرة أوبرا وينفري، كشفت صاحبة أمبراطورية "هافيغتون بوست" أنها كانت مرهقة للغاية في عملها لدرجة أنها انهارت في إحدى المرات في مكتبها، فقالت أريانا هايفغتون بوست في حديثها: "ضربت رأسي على المكتب، انكسرت عظام الخد وأُصيبت عيني اليمنى بأربع غرزات...كنت محظوظة جداً لأنني لم أخسر عيني".

تظهر الدراسات الاستقصائية العالمية أن نسبةً كبيرةً من الناس يعانون من الإحتراق النفسي تماماً كحال أريانا، فقد كشفت الأبحاث التي أجرتها مؤسسة غالوب أن 2.7 مليون عامل في المانيا أبلغوا عن شعورهم بآثار الـburnout، ووجد استطلاع آخر في العام 2013 لمديري الموارد البشرية في المملكة المتحدة أن حوالي 30% من هؤلاء أفادوا بأن الإحتراق النفسي كان متفشياً داخل مؤسساتهم.

وفي حين أن العالم الأجنبي منكبّ على دراسة هذه الظاهرة ومدى شيوعها بالإضافة إلى اعتبار الـburnout مرضاً يحتاج إلى علاج وراحة وإجازة مدفوعة، لا يزال الكثير من الناس، بخاصة في العالم العربي، يعانون من هذه المتلازمة بصمت ومن دون أن يعلموا أحياناً أنهم وقعوا ضحيتها.

منذ حوالي 7 سنوات، بدأت لين (اسم مستعار) البالغة من العمر 29 عاماً، تختبر بعض الأعراض الجسدية والنفسية: ألم دائم في الصدر، صعوبة في التنفس، نوم متقطع، توتر دائم وعجز عن تحريك الجسد بشكلٍ طبيعي، وفق ما كشفته لرصيف22: "كنت حس إني عم جرّ حالي جرّ تاقوم واتحرك وكأنو حاملي طن عاكتافي...".

إثر ذلك، قصدت لين، التي كانت تعمل يومها في شركة هندسة، طبيبها، وبعد أن فحصها طرح عليها بعض الأسئلة التي وجدتها غريبة بعض الشيء: "صار يسألني عن علاقتي بزوجي وعن طبيعة شغلي واذا كنت مبسوطة أو لأ، وقديه بشتغل بالنهار..."، وبعدها توصل إلى تشخيص متلازمة الاحتراق النفسي: "قلّي الدكتور إنو ما عندي مشكلة طبية، يلّي عم بصير معي هنّي عوارض الـburnout...ونصحني إنو خفف شغل وريّح حالي وساعتها بيمشي الحال".

كانت هذه المرة الأولى التي تسمع فيها لين كلمة burnout، على غرار سيرين (اسم مستعار) والتي بدورها تخبر رصيف 22، أنها تعرفت على هذا المصطلح لأول مرة عندما انتقلت للعيش في باريس من أجل العمل.

 وأوضحت سيرين (34 عامًا)، التي تعمل في حقل الإعلام، بأنها عندما كانت تعبّر عن شعورها بالإرهاق لزميلاتها، نصحوها بأن تتخذ الحيطة والحذر من موضوع الـ burnout:"كان غريب المصطلح عليّ، وكان لازم أدوّر وأقرأ شو بيعني وشو عوارضه على الفرد... ويمكن كان أحسن لو ما سمعت عنه من قبل! لأنه نمط الحياة اللي كثير مننا عايشينه ببلادنا، هو إنه نحنا موجودين ضمن منظومة عمل منفكر إنها عادية، ويمكن لأنه هيك الواقع بيطلب مننا عشان نعيش. بس بالنهاية، هاي منظومات عمل بمعظمها مش صحية... والشي ارتبط عندي بأهمية الصحة النفسية للإنسان، اللي هي مش دايماً إلها قيمة، لأنه الصحة النفسية مربوطة بأحكام قاسية، مثل العيب والخجل... وبالتالي، على الأرجح كلنا واقعين في دوامات منهكة نفسيًا"، وتضيف:"يمكن كثير مننا بصير معهن burnout، بس ما منعرف شو هاد... ويمكن كمان صارت جزء من حياتنا وعشان هيك عرفنا - بلا إدراك واعي - إنه نتعامل معها وتصير جزء من حياتنا، بدون ما نعرف قديش ممكن تكون مؤذية“.    

الاحتراق النفسي لا يفرّق بين شخص عربي وآخر أجنبي، إنما المشكلة تكمن في فقر الوعي بالصحة النفسية في أوطاننا العربية بحيث يتم تجاهل الأمراض النفسية وتصنيف العلاج النفسي في الكثير من الأحيان على أنه"لوكس"

في الحقيقة إن مصطلح "الاحتراق النفسي" غير متداول كثيراً في مجتمعاتنا العربية التي تتجاهل هموم المواطن وصحته النفسية، فلا نسمع عن هذه الظاهرة إلا نادراً، باستثناء بعض الدراسات التي تحاول تناول هذا الموضوع عن كثب، كالدراسة التي قامت بها جامعة النجاح في فلسطين لتحليل مستويات الاحتراق النفسي لدى معلمي اللغة الإنجليزية كلغةٍ أجنبية في محافظات شمال فلسطين، وعلاقتها ببعض المتغيرات الديموغرافية، ومن بين النتائج التي توصلت إليها هذه الدراسة أن مستوى انتشار ظاهرة الاحتراق النفسي لدى معلمي اللغة الإنجليزية كان عالياً على بُعد الإجهاد الانفعالي، بينما كان معتدلاً على بُعدي تبلد المشاعر ونقص الشعور بالإنجاز، والدراسة التي أُجريت بهدف تحليل الاحتراق النفسي بين معلمي المدارس الابتدائية في البصرة، العراق.

لا شك أن الاحتراق النفسي لا يفرّق بين شخص عربي وآخر أجنبي، إنما المشكلة تكمن في فقر الوعي بالصحة النفسية في أوطاننا العربية بحيث يتم تجاهل الأمراض النفسية وتصنيف العلاج النفسي في الكثير من الأحيان على أنه"لوكس" (ترف) ومسألة ثانوية غير جديرة بالاهتمام.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard