أسئلتي كمصوّر مصري في بلد مُنع التصوير في شوارعه

الخميس 5 سبتمبر 201909:46 م

أعلم جيداً وأعرف من واقع قاموس اللغة أن المنع كمصطلحٍ يعني الحيلولة دون التصرّف، أن يُحال بين المرء وبين الشيء الذي يريد، وهو، خلاف الإعطاء وتحجيراً للشيء، أداة يلجأ إليها البعض عادة، خصوصاً من لهم علاقة بالسلطة أو النظام، لأجل حماية أمرٍ ما أو أشخاص من أي أذى -هذا حسب التصوّر- وتقليل المشاكل محتملة الحدوث في المستقبل وتحجيمها، خاصة إذا كان هذا له أضرار على أي وضعٍ قائم.

له مبرراته كما يتصوّر مشرّعوه، ومنفذوه، ومستخدموه، لكن أن يحكم الهوى في المرء، فيمنع كما يشاء ويبيح كما يشاء، حسب مصلحته وهواه، فهو أمر لا أعلمه ولا أعرفه على الإطلاق.

تصوير الشارع أو فن الـStreet Photography ببساطةٍ شديدة هو تعمّد إبراز وإظهار الحياة اليومية للناس من خلال لحظة الالتقاط، فن اللحظة هو بالطبع، دائماً ما ينتج صوراً ربما لا تتكرّر أبداً.

تنتهي فيه حرية المصور عندما يبدأ في مضايقة الآخرين، فيه بعض الاختراق لخصوصية الناس وهذا أمر منكر، لكنه عندما يأتي في إطاره فهو مبرر تماماً، لأن تصوير الشارع ببساطة يعكس نبضه، يحفظ ذاكرة الناس والأماكن أياً كانت، ومنعه عنها يُعدُّ إقصاء لها من الذاكرة الجمعية.

أحتفي من خلال تصوير الشارع باللحظة الحاسمة أو لحظة القرار كما يسميها المصور الفوتوغرافي الفرنسي، هنري كارتييه بريسون، التلقائية هي سر النجاح ولبه، مهما كانت وأينما ظهرت، خاصة مع الأشخاص هدف الصورة الأول، الذين هم على غير علم ووعي بحضوري كمصور، هذا نابع من إيمانٍ شديدٍ بالطابع الإنساني الموسوم به الشارع.

وسواء في اهتمامها بالحياة أو تقديرها الواعي لإيقاعها المحموم، صاحب الرتم الضاغط المتسارع الوتيرة، كانت فوتوغرافيا الشارع مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بإمكانية نقل الحدث وتداوله وإيصاله عبر عدسات المصورين، وهو ما فرض عليها تحديات ترفض التشظي الاجتماعي وعملية الفردنة.

ومع ولادة الصورة وأهميتها، وما لها من آثار، ظهر على السطح، وكي أكون دقيقاً، طفح في وجوهنا توجه سلطوي الطابع كان سبباً وراء انحسار فوتوغرافيا الشارع في الفترة الأخيرة، بعدما تكرّر إلقاء القبض على بعض المصورين في مناسبات مختلفة بتهمة "التصوير بدون تصريح أو إذن"، وهو ما تسبب في إحجام الكثير من ممارسيه عن أخذ خطوة فيها مخاطرة، قد تعرّضهم لنتائج سيئة المردود.

ورغم مخالفة ذلك للمادة 65 من الدستور والتي تنصّ على أن:

"حرية الفكر والرأي مكفولة ولكل إنسان حق التعبير عن رأيه بالقول، أو بالكتابة، أو بالتصوير، أو غير ذلك من وسائل".

ورغم أنه لا يوجد نص واحد صريح في أي قانون يفيد بضرورة الحصول على تصريح للتصوير، أو يوجد نص يمنع ويجرّم التصوير الفوتوغرافي أو حيازة الكاميرا، إلا أنه يبدو أن الدستور والقوانين عموماً شيء والحقيقة على أرض الواقع شيء آخر، حيث صارت الكاميرات هدفاً حيوياً لرجال الأجهزة الأمنية، وهو ما صعّب على المصورين الهواة في الشارع ممارسة ما يحبونه.

وقد تعرّضت لذلك مراراً وتكراراً في مناسبات مختلفة، آخرها في إحدى الأيام القليلة الماضية، وأنا أترجل في أحد شوارع مدينة القاهرة بوسط المدينة، وبعد انتهاء مقابلة عمل، استوقفني أحد رجال الأجهزة الأمنية في نقطةٍ ثابتة، وهو أمر اعتادوا القيام به وفقاً لحالتهم المزاجية أو ما قد يملى عليهم من أوامر، لأجل إبراز بطاقة الهوية وتفتيش محتويات حقيبتي التي أحمل فيها معدات عملي الذي أمارسه منذ عام 2013.

وبغض النظر عن التهكّم الواضح على موطن نشأتي، وهو أمر غبي يلجأ إليه أهل المدينة المركزية، كنوع من أنواع التنفيس أو الغرور مع النازحين من الأقاليم والأطراف الأخرى بحثاً عن فرصة عملٍ مناسبة في سوقها المفتوح.

لا يوجد نص صريح في أي قانون يفيد بضرورة الحصول على تصريح للتصوير، أو يوجد نص يمنع ويجرّم التصوير الفوتوغرافي أو حيازة الكاميرا، إلا أنه يبدو أن القوانين عموماً شيء والحقيقة على أرض الواقع شيء آخر

تصوير الشارع هو أرشفة وتسجيل لتاريخنا الحي، وعالمنا الذاهب إلى زوال لن تبقى منه إلا الصورة وحدها شاهدة علينا وعلى محاولاتنا العديدة الطالبة للحياة

لفت نظري أنه ما أن علم أنني أمتهن مهنة التصوير فوتوغرافي حتى بدأ في تفتيش محتويات الحقيبة بجديةٍ شديدة وطلب مني استعراض ما بالكاميرا من صور، ولا أعرف هل من حسن الحظ أنني لم أصوّر شيئاً في هذا اليوم أم أنه من سوئه؟! المهم أنه تركني لحال سبيلي بعدما أكّد على أن: التصوير في الشارع ممنوع منعاً باتاً، ولكي يتم لابد لي من الحصول على تصريح أو إذن كتابي من إدارة العلاقات العامة والإعلام بوزارة الداخلية.

التصوير الفوتوغرافي في الشوارع يحتاج تصريحاً أمنياً!

أمر دفعني بشدة للتساؤل: لماذا يمنع التصوير في الشوارع ولا يكون إلا بتصريح؟

ولماذا أصبح عادياً بل ومعتاداً أن تجد من حيث العدم شرطياً متحمساً أمامك وأنت تقوم بالتصوير في شارع ما أو ميدان مفتوح مردداً عبارة: ممنوع التصوير يا أستاذ! فإن جادلته أو تركته أخذك في الحالتين للضابط المسؤول عنه.

رأيت بأم عيني وأنا في زيارة لمنطقة خان الخليلي بحي الجمالية بمصر القديمة بالقاهرة، شرطياً يمسك بثلاث كاميرات كما يُمسك الأرنب من أذنيه، ويسحب وراءه ثلاثة شبان لا يعرفون ما هي الجريمة التي صارت وراء تلك الممارسة المشروعة والعادية.

تصريح التصوير في الشارع والذي يتعلّل به رجال الشرطة لابد فيه للمرء -إن اتبعه- أن يمرَّ على جهاتٍ أمنيةٍ عديدة شديدة الأهمية، لأجل استخراجه، هذا إن حدث، والحجّة إجابة دائماً ما تتحدث عن الأمن وتأمين المنشآت الحكومية وأشياء من هذا القبيل، وهو أمر غير مجدٍ وغير مقنعٍ على الإطلاق، فمنذ متى صارت الشوارع والميادين العامة مناطق عسكرية تخضع للقانون رقم 136 لسنة 2014، والخاص بشأن تأمين وحماية المنشآت العامة والحيوية؟! وهل فعل المنع الممارس من رجال الأجهزة الأمنية دون مسوّغٍ قانوني يحجب نقل الصور إلى وسائل الإعلام في عصر تقوده التكنولوجيا ووسائلها؟ وما السبيل في مواجهة ذلك؟! خصوصاً أن هذا الأمر مع الوقت خلق داخل مجتمعاتنا نوعاً من أنواع الثقافة، تعادى فيه الكاميرا ويُحرّض على حامليها، أسهم في تكوينها الإعلام والأعمال الدرامية والسينمائية والأخبار فضلاً عن التوجه السلطوي.

ورغم تأسيس مجموعات ونوادٍ للفوتوغرافيا على يد بعض المصورين، تنظّم من حينٍ لآخر جولاتٍ تصويرية تعطي البعض أماناً نسبياً مقارنة بالتصوير الفردي، إلا أن شوارع مصر الغنية بالحكايات تختلف كثيراً عن المقتصرة منها على الآثار والمناطق السياحية المحددة.

تصوير الشارع الـStreet Photography أرشفة وتسجيل لتاريخنا الحي، وعالمنا الذاهب إلى زوال لن تبقى منه إلا الصورة وحدها شاهدة علينا وعلى محاولاتنا العديدة الطالبة للحياة، فهل من سبيل لإيجاد حل لذلك؟!


* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard