رحلة حول العالم في كيلومتر واحد... "خاو سان رود" وما يحدث فيه

الخميس 5 سبتمبر 201911:40 ص



بدأ الرحّالة والصحفي المصري أحمد بلال منذ منتصف شهر يونيو 2019، رحلةً حول العالم بدأتْ من دبي، ويشاركنا في سلسلةٍ من المقالات، الآفاقَ والصورَ التي يكتشفها خلال هذه الرحلة عبرَ قسم "رود تريب" في موقعنا.


هل جرّبتم العيش في "غيتو" من قبل؟ أنتم مدعوون اليوم للقيام بهذه التجربة في الغيتو الأكثر انفتاحًا في العالم. هنا تتلاقى الثقافات والقوميات والأعراق والجنسيات والألوان واللغات، ليشكّلوا سويًا سبيكة هي الأكثر تنوعًا، وغيتو هو الأكثر انفتاحًا وسماحة وقبولًا لكلّ ما ومن هو مختلف؛ سبيكة من الرحالة والمسافرين الذين استطاعوا إليه سبيلًا، فأتوه من كلّ فجّ عميق. أهلًا بكم في "خاو سان"، قلب العاصمة التايلاندية النابض دومًا بالحياة.

الغيتو في تعريفه الشائع، هو مكان مغلق على مجموعة من البشر ذوي خلفية دينية أو عرقية محددة، يعيشون فيه طوعًا أو كرهًا، أما في خاو سان، فالأمر مختلف تمامًا، هو غيتو من نوع فريد. صحيح أن كلّ سكانه من الرحالة والمسافرين، وصحيح أن كلهم يسافرون إليه ويقيمون فيه طوعًا، إلا أن كلًا منهم جاء من ثقافة وقومية ولغة مختلفة عن الآخر، وكلًّا منهم منفتح على الآخرين، ويشعر معهم وكأنهم أصدقاء منذ سنوات.

ليست المرّة الأولى التي أزوره فيها، ولا هي المرة الأولى التي أسهر فيه حتى يقرر الليلُ النومَ، ويتركني فيه سهرانًا، إلا أنني وبكلّ صدق، في كلّ مرة أذهب إليه أشعر بفرحة طفل يبيت ليلة العيد محتضنًا ملابسه الجديدة التي ينتظر الصباح حتى يرتديها، ويذهب ليلعب ويلهو مع أقرانه، فيما يحلم بلعبته الجديدة. أنا الآن أحلم بما سأكتشفه جديدًا في هذا الشارع هذه المرة. أجلس خلف سائق موتوسيكل بعد ارتدائي خوذة الأمان الخضراء، فيما ترتسم على وجهي ابتسامة، وشريط ذكرياتي في الشارع يمرّ من أمامي.

لم أنتبه إلا بعد أن نبّهني سائق الموتوسيكل أننا على رأس الشارع الأشهر في العاصمة بانكوك. دفعت الخمسين باتًا (دولار ونصف) بعد أن ترجّلت، وهممتُ ببدء الجولة التي أعشقها، وإذا بالسائق ينبهني مرّة أخرى أن ثمة شيئًا ما غير طبيعي، مشيرًا إلى الخوذة التي نسيتُها فوق رأسي.

صحيح أنني اعتدت تناول بعض أطباقه، إلا أن الأطباق العربية، حتى وإن لم أتناولها تمنحني إحساسًاً ألذّ من إحساس الشبع، هو الإحساس بالوطن البعيد القريب. هذا ما شعرت تمامًا عندما وجدت نفسي أمام عربة شاورما في بداية شارع خاو سان

تأخرت زيارتي له هذه المرة 3 أيام كاملة، قضيتها في "هوستيل" في الحيّ الصيني ببانكوك، دون خروج تقريبًا لأكتب ما تأخر من تقارير الرحلة، وهو الشارع الذي عادة ما أحجز في أحد الهوستيلات المنتشرة على جانبيه. في كلّ رحلاتي إلى العاصمة التايلاندية. وجودي في الحي الصيني، فرض علي مطبخًا بعينه. صحيح أنني اعتدت تناول بعض أطباقه، إلا أن الأطباق العربية، حتى وإن لم أتناولها تمنحني إحساسًاً ألذّ من إحساس الشبع، هو الإحساس بالوطن البعيد القريب. هذا ما شعرت تمامًا عندما وجدت نفسي أمام عربة شاورما في بداية شارع خاو سان.

لستُ من عشاق الشاورما، لكن إقامتي في الحيّ الصيني، جعلت منها رمزًا للتنوع الثقافي في بداية الشارع. هذا التنوّع الذي سرعان ما ستغرقون فيه كلّما توغلتم بداخله؛ هو غرق ممتع وغير مخيف على كلّ حال.

"خاو سان رود"، الواقع في حيّ "بانغلومبو"، غرب بانكوك، لا يزيد طوله عن كيلومتر واحد، إلا أنه قد تحوّل إلى منطقة كاملة، بالإضافة إلى الشوارع المتفرعة منه، والتي تحمل نفس طابعه، ويعرفها الرحالة بكلّ بساطة بأنها "خاو سان رود"؛ فالقضية ليست شارعًا أو حارة، بل هي الطابع الثقافي والبهجة التي يتميز بها خاو سان، وكلّ من جاوره من شوارع صغيرة.

الشارع الذي يُعدّ قبلة الرحالة في العالم دون منازع، قصةُ تطوّرِه درامية بامتياز؛ الاسم يعني "الأرز المضروب"، والمعنى أن هذا الشارع كان مركزًا لبيع الأرز في تايلاند. وأن يكون شارع مركزًا لبيع الأرز في أول دولة زَرعت الأرزَ، فهذا يشير إلى أهمية الشارع منذ تأسيسه. قد تكون البداية مختلفة تمامًا عما آل إليه الشارع حاليًا، فمن طابع محلي محض إلى طابع عالمي كوزموبوليتاني، إلا أن الأكثر اختلافًا هو أنه قد تحول الشارع في فترة لاحقة إلى شارع ديني.

نسبة انتشار البوذية في تايلاند هي الأعلى في العالم، وفيما يبدو إن انحسار تجارة الأرز في خاو سان، جعل بعض المحلّات تفكر في بيع مستلزمات الرهبان، ما هو غير طبيعة الشارع تمامًا، وقد جعله شارعًا دينيًا بامتياز، يرتاده الرهبانُ لشراء مستلزماتهم. إلى هنا كان الشارع محليًا بشكل كبير، حتى جاء عام 1982، ليكون بداية لتغيير جديد في طبيعة الشارع، حيث تمّ افتتاح أول "غيست هاوس"، ليعرف السيّاحُ طريقهم إلى الإقامة في خاو سان.

الانفراجة الكبرى في تاريخ ومسيرة شارع خاو سان كانت عام 2000؛ في هذا العام عُرض فيلم "الشاطئ"، ببطولة ليوناردو دي كابريو، والذي بدأ قصته من الشارع ذاته، ليتسابق الرحالة والمسافرون بعد ذلك على المكان، حتى أصبح على ما هو عليه اليوم.

ورغم أن الفيلم كان سببًا في ذيوع صيت الشارع بين المسافرين، إلا أنّ كون الفيلم مأخوذًا من رواية "الشاطئ"، للكاتب أليكس غارلاند، والتي صدرت عام 199، ووصفه فيها بأنه "مركز الرحالة العالمي"، يعني أن الشارع أيضًا كان في هذا التوقيت وجهة هامّة للمسافرين إلى بانكوك.

يفضّل كثير من المسافرين إلى العاصمة التايلاندية، وأنا منهم، بدءَ رحلتهم من خاو سان رود. في رحلتي الأولى إلى بانكوك قبل سنوات، كنتُ أحمل همَّ وصولي إلى الشارع، خاصة أن طائرتي ستصل في وقت متأخر من الليل، إلى إذا أنهيت إجراءات الوصول، ففوجئت بالحافلات تتوجه إلى الشارع مباشرة، بينها حافلة S1 التي لا تتجاوز تذكرتها الستين باتًا (دولارين تقريبًا).

خاو سان، هو مكان مثالي للالتقاء والتعرّف على أشخاص من دولٍ وثقافات مختلفة، خاصة إذا كنتم رحالة أو مسافرين ذوي ميزانية محدودة، ففي هذا المكان تستطيعون بكلّ بساطة ترتيب رحلتكم، أو محطتكم أو لنقُلْ محطاتكم المقبلة، مع أشخاص يشبهونكم تمامًا في طريقة سفركم، بل ومستعدين مشاركتَكم الرحلةَ لتقليل تكلفتِها في بعض الأحيان. هؤلاء عادة ما تكون تايلاند مكانًا مثاليًا بالنسبة لهم للانطلاق إلى وجهات قريبة، مثل كمبوديا، ولاوس، وماليزيا، وفيتنام، وكذلك وجهات داخل تايلاند نفسها.

يُعدّ حساء "التوم يام" جسرًا بين المطبخين العربي والتايلاندي، فهو ليس غريبًا كثيرًا عن مطبخنا العربي، لكنه سيكون الطبق الذي ينقلكم إلى تجربة أطباق أخرى في المطبخ التايلاندي

يشتهر خاو سان بالمطاعم وعربات الطعام، أمتار قليلة ستفصلكم بين كّل مطعم والآخر، وخطوة أو أقلّ، ستفصلكم بين كلّ عربة طعام والأخرى. ثقافة الطعام في الشارع متنوعة بقدر تنوّعِ زواره ومريديه؛ أطباق تايلاندية محلية، بيتزا وهامبرغر، وعصائر، وفواكه استوائية؛ مطاعم عالمية شهيرة، التي تُقدَّم فيها حتى العقارب والحشرات المقلية، إلى جانب الطبق الأشهر في المكان وهو "البان كيك بالموز".

في خاو سان، عرفت "التوم يام" لأول مرة. جربتُه ثم أدمنته؛ هو حساء آسيوي وتايلاندي بامتياز، غني بالعناصر الغذائية، لما يحتويه من خضروات وأعشاب ومأكولات بحرية. هذا الحساء بالنسبة لي، مميز جدًا بمذاقه الحارّ الذي أحبّه، وكذلك يُعدّ جسرًا بين المطبخين العربي والتايلاندي، فهو ليس غريبًا كثيرًا عن مطبخنا العربي، لكنه سيكون الطبق الذي ينقلكم إلى تجربة أطباق أخرى في المطبخ التايلاندي.

البيرة هي المشروب الأكثر تداولًا في هذا الشارع، الذي لا تصطفّ البارات على جانبيه فقط، بل ما أن يحلّ المساء حتى تحتلّ الشارعَ بأكمله ويتركون حارة صغيرة للمشاة، الذين ستجدون بينهم الكثيرين الذين يحملون زجاجات البيرة أو غيرها من المشروبات الكحولية الأخرى في أيديهم، ويتراقصون على أنغام الموسيقى الصاخبة الصادرة من هذا المكان أو ذاك.

في خاو سان أيضًا نوع جديد من البارات، يمكن أن نطلق عليه البارات المحمولة، بالتأكيد ستكون أرخص سعرًا من المشروبات في البارات الأخرى، فلا مقاعد ولا عروض موسيقية ولا حتى مكان، بل هي مجرّد "آيس بوكس"، به زجاجات ومعلّبات البيرة، وعربة صغيرة عليها زجاجات مختلفة لصناعة المشروبات الكحولية المختلفة.

مراكز المساج والعناية بالجسد والتاتو ورسم الحناء، لها نصيب بالتأكيد في شارع خاو سان؛ أنواع مختلفة ومتعددة من المساج، منها مساج القدمين، والرقبة، والرأس، والظهر، والأكتاف، والجسد بالكامل، إلى جانب المساج باستخدام الزيوت التقليدية، وكما تختلف أنواع المساج تختلف الأسعار أيضًا، إلا أنها عادة ما تبدأ من 150 بات (5 دولار تقريبًا). في خاو سان، ستجدون بعض مراكز المساج، تضع أمامها الكراسيَ المريحة الأشبه بالأسرة، وقد استلقى عليها بعض المسافرين، فيما تنهمك فتيات تايلانديات في تدليك أقدامهم، في نوع من الدعاية، وكذلك بسبب الازدحام داخل هذه المراكز.

بائعات الهوى لهن نصيب أيضًا في الشارع، وكلمة السرّ هي "مساجي"، أي مساج، وستعرفونهن تمامًا من طريقة العرض ونظرة العين ونبرة الصوت، بالطبع هنّ يقصدن نوعًا آخرَ من جلسات المساج ليس من بين الأنواع الأخرى التي ذكرناها.

ليس فقط وجهةً للمرحِ وجلسات المساج والطعام، لكن خاو سان أيضًا وجهة هامّة جدًا للتسوق؛ الشارع، دون مبالغة، مكتظّ بمحلّات التحف وعربات الملابس، وخاصة الملابس التايلاندية الشهيرة بنقوشها المختلفة التي يتربع الفيلُ على عرشها جميعًا. في محلّات التحف ستجد العديد من تماثيل بوذا ومجسمات لفيلةٍ ونمور، والعديد من الهدايا التذكارية إلى جانب حقائب السفر المختلفة، وفي بحر الطريق نفسه ستجدون بعضَ سيّدات كبار في السنّ يرتدين زيًّا تايلانديًا تقليديًا، ويبعن مشغولاتٍ يدوية.

مركزيةُ خاو سان في برامج معظم من يسافرون إلى بانكوك دفعَ الحكومةَ التايلاندية إلى الاهتمام به أكثر، حتى افتتحت مركزًا للشرطة في نهاية الشارع، والحقيقة أن هذا المركز لي معه قصة؛ في رحلتي الأولى إلى بانكوك قبل 3 أعوام، فوجئت بمن يعرض عليّ صباح اليوم الأول عددًا من البرامج السياحية، مؤكدًا أن المواصلات مجانًا. بالطبع أدركت أنني ضحية محتملة لعملية نصب تجري آنذاك.

كانوا يصطفون في الشوارع، ويقدّمون كلّ هذه الخدمات، ترحمًا على ملَكِهم الذي تزامنت رحلتي مع رحيله. هذا الطقس شبيه بطقس يقوم به المصريون منذ آلاف السنوات حتى الآن، وهو توزيع بعض المخبوزات عند المقابر ترحمًا على موتاهم، ونسميه في مصر "رحمة ونور"

قلت له: "طالما أن كلّ شيء مجاني فلمَ لا تمنحني هذه الخريطة مجانًا مثلًا؟". طلب مني الانتظار، ودخل مركز الشرطة، وأحضر لي خريطة مجانية، وظهر معه شرطيٌّ تايلاندي. كنت مستاءً جدًا كيف للشرطة أن تسهل عمل "نصاب"، فإذا بالشرطيّ يحدّد لي برنامجًا سياحيًا على الخريطة ويوقف "توك توك"، ويطلب منه تنفيذ البرنامج مجانًا تمامًا، والغريب أن هذا ما حدث بالفعل.

في هذه الرحلة، قضيت 10 أيام كاملة في بانكوك بشكلٍ مجانيّ تمامًا؛ الطعام مجانًا، الفواكه، العصائر، الأماكن السياحية، المواصلات، وحتى قص الشعر، والعلاج، وغيره. كانوا يصطفون في الشوارع، ويقدّمون كلّ هذه الخدمات، ترحمًا على ملَكِهم "بوميبول أدوليادغ" الذي تزامنت رحلتي مع رحيله. هذا الطقس شبيه بطقس يقوم به المصريون منذ آلاف السنوات حتى الآن، وهو توزيع بعض المخبوزات عند المقابر ترحمًا على موتاهم، ونسميه في مصر "رحمة ونور".

على كلّ حال، سيبقى هذا الكيلومتر في قلب العاصمة بانكوك، بتفرّعاته، هو أهم ّكيلومتر في رحلات كلّ مسافر، وخاصة كلّ من سافر إلى تايلاند، بأضوائه وألوانه، والهوستيلات والفنادق متوسطة الأسعار، كذلك البارات، المطاعم، مراكز المساج، الوكالات السياحية، البازارات، محلات التاتو، وغيرهم، والأهمّ من كلّ هذا وذاك، كونه غيتو للرحالة والمسافرين، لا يوجد له مثيلٌ تقريبًا في العالم.

إذا ذهبتم إلى شارع خاو سان فتأكّدوا أنه سيكون لكم ذكرى في هذا المكان؛ هو مكان مناسب لبناء ذكريات، أتوقع أنها ستكون سعيدة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard