"يرون أن شكلي امرأة، لكن بطاقتي تقول ذكر"... قصص 50 امرأة ترانس توثق دورة اضطهادهن في لبنان

الأربعاء 4 سبتمبر 201912:49 م

"لا يمكننا العثور على وظيفة، ليس لدينا منازل، لا يمكننا الحصول على التعليم، نحن مهمشات، منبوذات من المجتمع، ليس لدينا حياة، ولا علاقات، ولا عائلات. نحن مرفوضات من الأسرة، ومن المؤسسات، ومن الأصدقاء، ومن بيوتنا. نذهب للبحث عن وظائف وأول ما يطلبونه بطاقة الهوية، وعندما يرون أن شكلي امرأة، لكن بطاقتي تقول ذكر، لا يوظفونني. إذا ساعدتنا الحكومة في تصحيح سجلاتنا الرسمية، يمكننا العثور على وظائف كأي شخص آخر وسنكون بخير. بدلاً من ذلك، يدينوننا بجرائم ويفرضون قوانين على هوياتنا"/ كارمن (21 عاماً).

"نقاط التفتيش هي أكبر مخاوفي. أوقفوني عند نقاط التفتيش مرات لا تحصى؛ يوقفونني دائماً ليسخروا مني. رموا علي البيض، وضربوني بالعصي في عرض الشارع، فقط بسبب مظهري"/ صافية (27 عاماً.

"كنت أغادر منزلي ورأيتهم يصطادون الطيور؛ كلهم يحملون بنادق. رأوني وبدأوا يضحكون، وسخروا مني وأصدروا أصواتاً بإيحاءات جنسية. مشيت حوالي 20 متراً، ثم لقّم رجل بندقيته وأطلق النار علي. أصابت الرصاصة كتفي، وبدأ الدم يتدفق أسفل ذراعي. رحت أركض فوراً وسمعتهم يضحكون ويقولون: ’صبته! صبت اللوطي!’"/ ميريام (20 عاماً).

قصص النساء الترانس المذكورة أعلاه وردت في تقرير أطلقته منظمة "هيومن رايتس ووتش" بالتعاون مع "حلم" و"موزاييك" تحت عنوان "ما تعاقبني لأني أنا هيك".

هذه الشهادات الثلاث لنساء متغيرات النوع الاجتماعي أو ترانس - وهن أشخاص سُجلن ذكوراً عند الولادة لكنهن يُعرّفن عن أنفسهن كنساء، تشي بالكثير مما تعانيه النساء الترانس في لبنان، سواء كن لبنانيات يهددهن المجتمع الصغير والمترابط جغرافياً أو لاجئات تتداخل لديهن مشاكل اللجوء مع تلك المتعلقة بهوياتهن الجندرية. مع ذلك، لا تختصر هذه الشهادات المشهد كاملاً.

على امتداد مئة صفحة، أخبرت 50 امرأة ترانس في لبنان، بما فيهن 24 لبنانية و25 لاجئة وطالبة لجوء من دول عربية أخرى، وواحدة عديمة الجنسية قصصهن، بالإضافة إلى ناشطين حقوقيين، وممثلي وكالات دولية، ومحامين، وأكاديميين، واختصاصيين في الرعاية الصحية يعملون مع الأفراد الترانس في لبنان.

"أصابت الرصاصة كتفي، وبدأ الدم يتدفق أسفل ذراعي. رحت أركض فوراً وسمعتهم يضحكون ويقولون: ’صبته! صبت اللوطي!’"

المحيط العائلي الضيق والواسع، عالم الرعاية الصحية والتأمين، السياق السياسي، الإطار القانوني، وفوق ذلك الحقل الأمني المفخخ بألغام نقاط التفتيش ومراكز التوقيف وعنف عناصر ومحققين وذكوريتهم وأحكامهم المسبقة، كل ذلك يُطبق الحصار على النساء الترانس في لبنان. هؤلاء لا تجدن مفراً من كل هذا التمييز البنيوي الذي يحرمهن حق مصالحة أوراقهن الثبوتية مع تعبيرهن الجندري. 

والتعبير الجندري هو الخصائص والسلوكيات الخارجية التي تُعرّفها المجتمعات على أنها "ذكرية" أو "أنثوية" أو "أخرى"، بما في ذلك سمات عدة مثل الملابس، والمظهر، والسلوكيات، وأنماط الكلام، والسلوكيات، والتفاعلات الاجتماعية.

وإن كان التقرير قد غطى جميع جوانب التضييق والتمييز والانتهاك بحق النساء الترانس، فقد بدت "انتهاكات قطاع الأمن" الأكثر وقعاً، إذ ظهرت نسبة عالية من العنف والانتهاكات من قبل قوى أمنية يُفترض أن تحميهن وتحمي حقوقهن.

"لن أنسى شكله أبداً"

بحسب التقرير، "تواجه النساء الترانس عنفاً روتينياً على يد عناصر وضباط الأمن، الذين يعتدون عليهن لفظياً وجسدياً، ويعتقلونهن ويحتجزونهن تعسفاً، وبدون أساس قانوني أحياناً"، وقد وصفت 40 من أصل 50 امرأة كيف استهدفهن عناصر الجيش في الأماكن العامة بسبب تعبيرهن الجندري فحسب.

من هؤلاء ميرنا (22 عاماً) التي أوقفها عناصر من الجيش أثناء مرورها في أحد شوارع جونيه، حيث تعرضت لكمّ من الإهانات والسخرية والتفتيش العبثي والضرب.

"لن أنسى شكله أبداً؛ راحة يده كبيرة مثل وجهي كله. عندما صفعني، لأنه وجد صورة لي ظن أنني أضع فيها أحمر الشفاه، اهتز جسدي كله"، تقول شاكية كيف أجبرها على التعري من ملابسها، وضربها بمؤخرة بندقيته على رأسها. لاحقاً، تمّ استدعاء جندي آخر لإحضار ماكينة حلاقة ليحلقوا رأسها.

"تواجه النساء الترانس عنفاً روتينياً على يد عناصر وضباط الأمن، الذين يعتدون عليهن لفظياً وجسدياً، ويعتقلونهن ويحتجزونهن تعسفاً"... تقرير جديد لـ"هيومن رايتس ووتش" يوثق قصص 50 امرأة ترانس لبنانية ولاجئة في لبنان
"لا علاقات، ولا عائلات. نحن مرفوضات من الأسرة، ومن المؤسسات، ومن الأصدقاء، ومن بيوتنا. نذهب للبحث عن وظائف وأول ما يطلبونه بطاقة الهوية، وعندما يرون أن شكلي امرأة، لكن بطاقتي تقول ذكر، لا يوظفونني"

تروي ميرنا: "عندما خلعت ملابسي بدأوا بتصويري فيديو والضحك. أحضر أحدهم إبرة وخيط وبدأ [ليعرض] ’كيف بتصير النياكة‘. خفت من أن ينشروا الفيديو على الإنترنت وحينذاك ستكون نهايتي. في طريقي للخروج من القاعدة، بدأ كل جندي كان هناك بضربي، فقط للتسلية. قال أحدهم: ’لو كان مزاجي أفضل، لم أكن لأسمح لك بالمغادرة وأنت تمشين على رجليك‘".

"ما حدا رح يصدقك"

جينا (32 عاماً) لاجئة عراقية، تعرضت لموقف مشابه حيث أوقفها شرطي طالباً أوراقها: "’هل أنت عراقي؟‘ قلت أجل. سألني: ’لماذا ترتدي حلقاً؟‘ ثم سحب الحلق بالقوة حتى نزفت، وبدأ يضربني أمام الجميع وقال: ’روح تلَوْطن ببلدك يا لوطي‘. ثم جاء صديقه وضربني وأهانني أمام الجميع. كان الناس يضحكون. صورتهم وأنا أهرب ثم صاح: ’روح تشكى لمين ما بدك، ما حدا رح يصدقك يا لوطي‘".

ومن الإهانة المتنقلة إلى مراكز الاحتجاز حيث التعذيب وسوء المعاملة يكشف التقرير عن أن 10 من 50 امرأة ترانس قابلتهن المنظمة تعرضن للاحتجاز مرة واحدة على الأقل، في حين تفيد إحصاءات "حلم" (التي توثق وتتصدى لاعتقال المثليين/ات، مزدوجي/ات التوجه الجنسي والأشخاص الترانس) أن 77٪ من حالات الاعتقال التي تعاملت معها كانت لنساء ترانس.

خلال الاحتجاز، أُجبرت النساء الترانس على الاعتراف القسري وخضعن للحبس الاحتياطي المطول كما مُنعن من مقابلة محامٍ، ووُضعن في زنازين للرجال حُرمن فيها من الطعام والماء وحق إجراء اتصال هاتفي وتمّ الاعتداء عليهن جسدياً

خلال الاحتجاز أُجبرت النساء الترانس على الاعتراف القسري وخضعن للحبس الاحتياطي المطول كما مُنعن من مقابلة محامٍ، ووُضعن في زنازين للرجال حُرمن فيها من الطعام والماء وحق إجراء اتصال هاتفي وتمّ الاعتداء عليهن جسدياً، بينما حوكمت إحداهن في محكمة عسكرية.

تتشابه قصص ميريام ورندة وسارة وغيرهن في ما واجهنه في مخافر مختلفة كحبيش وضهر البيدر وفي سجن رومية، من عبارات مهينة وضرب متواصل من العناصر ومحاولات تحرش واغتصاب من المساجين والمحتجزين وصولاً إلى منع بعضهن عن دواء يحتجنه، حتى محاولة المحقق من شرطة الآداب في حبيش تجنيد ميريام كعاملة في الجنس بعد إطلاق سراحها.

القانون الفضفاض

هذا الواقع ينقل النقاش بشكل مواز إلى الشق القانوني الذي يتعامل مع النساء الترانس كـ"مثليين جنسياً" ويحاسبهن وفق المادة 534 التي تجرم كل "مجامعة على خلاف الطبيعة"، يُضاف لذلك اعتبار الجهات الأمنية النساء الترانس عاملات جنس بشكل تلقائي ودون تدقيق والرجوع إلى المواد 531 و532 و533 التي تُعنى بـ"التعرض للأخلاق والآداب العامة" في محاسبتهن، إضافة إلى المادة 526 بشأن "الحض على الفجور" وكلها مواد فضفاضة قانونياً تحمل هامشاً واسعاً من الاستنسابية.

ولأن حلقات القمع والتمييز متصلة بعضها ببعض، لاحظ التقرير غياب حقوق الترانس عن الخطاب السياسي، حتى من يؤيد حقوق المثليين يتجاهل قضايا الترانس، وإن كانت سمعة لبنان بأنه "أكثر ليبرالية" تطغى على الخطاب العام، فإن طالبات اللجوء الترانس قلن إن حياتهن فيه مماثلة أو حتى "أسوأ" من بلدانهن الأصلية.

وقد يسأل أحدهم في معرض الخطاب العدائي المتصاعد دائماً ضد اللجوء في لبنان، لماذا لجأن إليه إذاً؟ وهنا تحضر التقاطعية بين عدد من القضايا مرتبط بالنشاط السياسي وحرية التعبير والهوية الجندرية، التي تتداخل كلها في وضعها المتردي لتجعل الواقع أكثر قتامة.

دورة المسؤوليات

في الشق المتعلق بالمجتمع وعدائيته فهو ليس بالمستغرب، لكن عدم إمكانية تحصيل أوراق ثبوتية جديدة تمنع عن النساء فرص العمل وفق كفاءاتهن ومهاراتهن، كما تُدخلهن في دوامة إيجاد سكن لائق وتأمين صحي جيد، وبالمحصلة تمنعهن من الحصول على أبسط البديهيات.

وفي حديث لرصيف22 مع الباحثة في حقوق مجتمع الميم في "هيومن رايتس" رشا يونس تقول إن دورة الاضطهاد الحاصلة تتطلب دورة توصيات، وقد تواصلت المنظمة مع الجهات الأربع المعنية بالمسألة، وهي وزارات الداخلية والعمل والصحة والعدل، لكن لم تحصل على رد إلا من الأخيرة.

وتشير يونس، وهي الباحثة الأساسية في التقرير، إلى دور وزارة العدل في تبسيط آلية تغيير الاسم والجنس في الوثائق الثبوتية والتي توفر على الترانس معاناة كبيرة في المجتمع وعلى صعيد السكن والعمل التي تُجبر كثيرات على أن يصبحن عاملات جنس.

أما الداخلية، "المعني الأساسية بحماية الترانس بدل الاعتداء عليهن من عناصر الأمن الداخلي والأمن العام... فلم يصلنا منها أي رد ولم تُبدِ اهتماماً بالموضوع".

70 ألف دولار ومستحيل

في الشق الصحي، لا سيما في ظل انعدام أي تسهيلات حكومية متعلقة بعمليات التصحيح، تحدثت ليا ونايا ومايا لرصيف22 عن شبه استحالة إجراء العملية على عاتقهن الخاص لتكلفتها الباهظة (حوالى 70 ألف دولار).

مع أنها كانت تعلم حجم أضرار دواء الهرمونات الجانبية كالتسبب بتلف في الدماغ والكبد والجهاز العصبي، وصلت ليا لمرحلة "تحوّل فيها الأمر إلى مسألة حياة أو موت. أردت أن أكون من أنا"

تقول ليا إنها بقيت لسنوات طويلة تفكر في الموضوع، وعندما تركت منزل أهلها بدأت البحث عن إمكانية تناول دواء للهرمونات. ومع أنها كانت تعلم حجم أضرار الدواء الجانبية كالتسبب بتلف في الدماغ والكبد والجهاز العصبي وصلت لمرحلة "تحوّل فيها الأمر إلى مسألة حياة أو موت، أردت أن أكون من أنا".

قررت ليا البدء بالجرعات الأخف، وكانت تحصل عليها من الصيدليات من دون وصفة طبية، وهي الآن تتناولها منذ أربع سنوات من دون أن تتمكن من إجراء فحوصات لأنها مكلفة كذلك.

من جهتها، تضيف مايا شارحة مشاكل أخرى كالجلطات في الدم التي لا يمكن السيطرة عليها وكذلك السرطان وتعطيل وظائف الكبد والكلى.

بالنسبة لها، فقد بحثت عن طبيب غدد في الإمارات لمدة سنة كاملة، وقد وجدت اثنين متخصصين لكنهما خافا من مساعدتها لعدم قانونية الموضوع، بعدها عادت إلى الأردن حيث وجدت طبيبة تابعت معها الحالة قبل أن تعود لتنقلب عليها.

تشرح: "عندما علم أهلي بالموضوع ذهبوا إليها فغيّرت كل أسلوبها معي وبدأت تعاملني بقرف. ثم اضطررت إلى أن أكمل العلاج بمفردي ولا أعرف حقاً ما يدور في جسدي الآن".

ولأن الجندر ليس مجرد ثوب نخلعه ونلبسه بسهولة، يمكن أن يختصر ما قالته لينا (28 عاماً)، وهي ترانس عراقية، الشعور لدى هؤلاء: "يجب أن تكون عملية تغيير الاسم والجندر عادية لا تتطلب محامين أو أطباء. لست بحاجة إلى إثبات أنني امرأة لأي شخص، إنه مجرد شعور داخلي".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard