فاجعة "تارودانت" المغربية... عن اللا اكتراث وانعدام المسؤولية تجاه أرواح الناس

الثلاثاء 3 سبتمبر 201905:29 م

الشعب المغربي، كباقي شعوب العالم الثالث، شعب لا يحسن التعامل مع المخاطر، وفي نفس الوقت لا يحاول تجنّبها.

من العادي جداً وأنت تتجوّل، سواء في المدار القروي أو بعض أماكن المدار الحضري، أن تصادف طفلاً يسبح في مجرى الوادي، في صهريج تجميع مياه الأمطار، في نافورة على ملتقى طرق... على مرأى من والديه، وليس غريباً نهائياً أن تجد شخصاً يختبر تسرّب الغاز من القنينة باستعمال القداحة، أو جمهوراً من المتحلقين حول مسرح جريمة لم تنته الشرطة من تمشيطه.

لا وجود لمفهوم "الخطر" في قاموسنا، ولا لمصطلح "الحذر"، وهذا ما يمكن التأكد منه ببساطة عند مشاهدة شريط فيديو مؤلم لمجموعة من الضحايا، يقدّر عددهم حتى الآن بسبعة أشخاص، راحوا ضحية انجرافات السيول في إقليم "تارودانت".

اللحظات المرعبة التي عاشها مواطنو جماعة "إيمينتيارت" بضواحي مدينة "تارودانت" تُظهر استهتاراً جماعياً مفزعاً بقوة الطبيعة أوّلاً، وبإجراءات السلامة ثانياً، وبالقانون ثالثاً.

اللحظات المرعبة التي عاشها مواطنو جماعة "إيمينتيارت" بضواحي مدينة "تارودانت" تُظهر استهتاراً مفزعاً بقوة الطبيعة، وبإجراءات السلامة وبالقانون 

الفاجعة تعود جذورها بالأساس لقرار تشييد ملعب لكرة القدم في سفح الجبل، بالضبط في وسط الوادي الذي يقال أنه جفّ منذ ستينيات القرن الماضي، وكما هو معروف في الجيولوجيا، والثقافة الشعبية أيضاً، بأن الوادي إذا نحت طريقه لا بد أن يعود إليه حتى لو اختفى قرناً كاملاً، ومع ذلك بُني الملعب في مجراه دون التفكير للحظة في ما قد يحصل من تداعيات.

هذا التقصير الصارخ من طرف الدولة نحو الجماعات القروية والسلطات المختصة، سواء بالترخيص لمثل هذه البنايات، أو عدم التدخل من أجل هدمها بسبب مخالفتها للقانون، وكذلك عجز قوات التدخل السريع عن أجل التدخل في الوقت المناسب لإنقاذ أرواح الناس، واللا اكتراث بإنذارات الأرصاد الجوية (ما يجرد مديرية الأرصاد من دور الإنذار والتحذير الذي تقوم به) يضعنا أمام سؤال مهم: ما فائدة كل الميزانية المرصودة من أجل النهوض بالمناطق النائية، وتكوين الأطر، وما دور المنتخبين وممثلي السلطة، إذا كان كل هذا سيؤدي بنا في نهاية المطاف إلى حصول فاجعة مثل فاجعة "تزنيت"؟

وحتى إن وافقنا على أن الفيضانات والسيول كوارث طبيعية، يعتبرها القانون قوة قاهرة لا مجال لتفاديها ولا التدخل لمنعها، رغم أن الفكرة تظل قابلة للنقاش، خصوصاً في ظل التطور التكنولوجي والاستباقية التي يمكّننا منها العصر الحديث، هل السماح ببناء ملعب وسط الوادي هو أيضاً قوة قاهرة؟ ألا يوجد في الإقليم كله رجل رشيد واحد كان يستطيع منع تشييد الملعب أو الأمر بالتدخّل لهدمه؟ أم أن الأصوات الانتخابية التي يمكن أن يجلبها "إنجاز" كهذا في ولاية الرئيس الحالي تستحق المجازفة بأرواح الناس؟

المعطيات تشير أيضاً إلى أن جزءاً كبيراً من العالم القروي لا يشمله مخطط تنمية المراكز القروية، الذي يمكّن الوزارة المعنية من الاطلاع على وثائق التعمير ومراقبة المباني ومدى التزامها بشروط السلامة، ويبرر ذلك بصعوبة تغطية جميع المناطق النائية، خصوصاً تلك التي لا يتجاوز عدد سكانها عشر منازل، نتيجة ضعف الإمكانيات والصعوبات المادية، رغم أن الملك نفسه ركز في خطاباته الأخيرة كثيراً على تنمية القرى والضواحي، كما أن المغرب حصل سنة 2016 على دعمٍ تقدر قيمته بـ 200 مليون دولار، من أجل محاربة الكوارث الطبيعية... فأين اختفت؟

هذا التقصير من طرف الدولة نحو الجماعات القروية والسلطات المختصة... يضعنا أمام السؤال: ما فائدة كل الميزانية المرصودة من أجل النهوض بالمناطق النائية، إذا كان كل هذا سيؤدي بنا في نهاية المطاف إلى حصول فاجعة "تزنيت"؟

تقصير الدولة لا يعفي نهائياً المواطن من مسؤوليته، والعكس صحيح، مع تفكير قليل، نكتشف لسوء الحظ، أن هؤلاء المسؤولين ينتمون للشعب ويشبهونه، وأن الاستهتار واللا اكتراث لا يرتبطان بكرسي المسؤولية بقدر ما يرتبطان بتنشئتنا الاجتماعية والممارسات التي تعودنا عليها

من ناحية أخرى، بجانب مسؤولية الدولة، ما أظهره الفيديو يشبه لوحة سريالية من لوحات سلفادور دالي.

جميعنا نعلم أن غريزة البقاء طبيعية متجذّرة في الكائنات كلها، حتى الحيوانات في غابة الأمازون كانت تصارع للبقاء وتحاول الهرب من النار، فمتى أصبح تصوير الفيديوهات وتوثيق اللحظات أهم من النجاة بحيواتنا؟

الفيديوهات المنتشرة تظهر مجموعة من الناس، يتجولون على مهلهم وسط ساحة الملعب، يلتقطون الصور، بعضهم يبتسم ويسبّح بحمد الله وقدرته، غير عابئ بالخطر المحدق، رغم أن الماء قد بدأ يتسلل إلى داخل البناية، وارتفع منسوبه إلى أن قارب سورها.

قوة الطبيعة أمر معروف في البوادي وفي الموروث الشعبي أيضاً، نجد عدة أمثلة تحذّر من الوديان، زيادة على ذلك سبق أن وردت الأخبار من المدشر القريب من مكان الكارثة أن التساقطات ستكون غزيرة، لكن مع ذلك تقرّر مجموعة من المواطنين أن تعتلي سطح البناية كي تتفرّج على "جمال" السيول، كأن جدران البناية كافية لحمايتها، أو كأن هوس التصوير أعمى بصيرة الأفراد، وعطل خلايا التحليل والمنطق.

تقصير الدولة لا يعفي نهائياً المواطن المستهتر بحياته من مسؤوليته، والعكس صحيح، مع قليل من التفكير، نكتشف لسوء الحظ، أن هؤلاء المسؤولين ينتمون لهذا الشعب في الأساس، يشبهونه جداً، وأن الاستهتار واللا اكتراث لا يرتبطان بكرسي المسؤولية بقدر ما يرتبطان بتنشئتنا الاجتماعية والممارسات التي تعودنا عليها.

خلاصة القول أننا نستحق مسؤولينا، وهم أيضاً يستحقوننا، ولا فائدة من تغييرهم إن لم نغير أنفسنا أوّلاً... فإن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard