بعد أربع سنوات من التحالف... كيف يمكن تفسير انقلاب الإمارات على "الشرعية" في اليمن؟

الاثنين 2 سبتمبر 201906:05 م

ما هو دور الرياض في انقلاب الإمارات على الحكومة الشرعية؟ وما هو موقف السعودية من الغارات الجوية التي استهدفت قوات الجيش اليمني التابع للحكومة التي تدخّل التحالف في الأساس لدعمها؟ وما قد تكون الأسباب التي جعلت التحالف يستهدف الحكومة بعد أربع سنوات من الوقوف إلى جانبها؟

هذه الأسئلة وغيرها بدأت تدور في بال معظم اليمنيين، عقب ما ظهر من انقلاب إماراتي على الحكومة الشرعية، والتحول من دولة حليفة إلى عدو لها بين عشية وضحاها. 

وقد وقع أكثر من 300 قتيل وجريح من قوات الجيش الوطني ومدنيين في غارات جوية شنتها مقاتلات إماراتية استهدفت الجيش في محافظتي عدن وأبين الخميس الماضي، ناهيك عن تأكيد أبو ظبي مواصلتها استهداف الجيش اليمني تحت شعار "مكافحة الإرهاب".

ما اختلف هذه المرة هو وضوح الغاية من الهجوم، لكن الأخير ليس الأول في سياق استهداف القوات الحكومية، فالعديد من الغارات الجوية التي استهدفت الجيش ومواقع مدنية أخرى كان التحالف العربي قد قال إنها خاطئة، لكن يمنيين اعتبروها متعمدة من قبل الإمارات لمنع تقدم القوات الشرعية وأيضاً لمنع أية مفاوضات ناجحة بين الحكومة وجماعة "أنصار الله" الحوثيين.

وكانت القوات الحكومية قد تصدت للمجلس الانتقالي الجنوبي عقب سيطرته على مدينة عدن، مطلع الشهر الماضي، والتوجه للسيطرة على المحافظات الجنوبية الأخرى في محافظة شبوة جنوبي شرقي البلاد، وبدأت بالتحرك لاستعادة العاصمة المؤقتة عدن، وهو ما دفع الإمارات لإنقاذ "الانتقالي" والفتك بالقوات الحكومية باعتبارها "قوات إرهابية".

وتقول الحكومة اليمنية إن حملتها العسكرية في محافظتي شبوة وعدن كانت بتنسيق مع التحالف العسكري الذي تقوده الرياض، معتبرة قصف الإمارات لقواتها عدوان سافر عليها.

وقال وزير الدفاع اليمني الفريق محمد المقدشي إن الحملة المشتركة التي يقوم بها الجيش الوطني في محافظات شبوة وأبين وعدن، تجري "بالتنسيق التام مع قيادة القوات المشتركة في تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية"، تنفيذاً لتوجيهات القائد الأعلى للقوات المسلحة الرئيس عبد ربه منصور هادي.

في المقابل، اعتبرت أبو ظبي تلك الحملة هجمة إرهابية كانت تستهدف التحالف، واصفة قصفها بالمشروع وفق القوانين الدولية والإنسانية.

أكثر من ذلك، فقد اعتبرت الإمارات أن مساعي الحكومة لإعادة سيطرتها على الجنوب وفرض سيطرة الدولة، تصعيد إرهابي لتنظيمي "القاعدة" و"داعش" في جنوب اليمن والذي أثار قلق التحالف، بحسب وزير الدولة الإماراتي أنور قرقاش.

قصف القوات الحكومية... تثبيت للوجود الإماراتي؟

يرى المستشار الصحافي للسفارة اليمنية في الرياض أنيس منصور أن الإمارات تريد تثبيت نفوذها في اليمن من نافذة مكافحة الإرهاب وحزب الإصلاح وإخراج الملف اليمني من يد المملكة.

برأي منصور، فإن قصف الجيش الوطني لم يكن هدفه حماية "الانتقالي" بقدر ما هو تثبيت للوجود الإماراتي في حال طلبت الحكومة اليمنية إنهاء وجودها ضمن التحالف.

ويقول منصور لرصيف22: "الانتصارات التي حققها الجيش اليمني خلال الأيام القليلة الماضية بالسيطرة على ثلاث محافظات يمنية بقوة السلاح وطرد أدواتها منها قلب الطاولة على الإماراتين"، وعليه والكلام لمنصور "أصبح الإماراتيون يرون مشروع الخراب الذي موّلوه لخمس سنوات كشيء من الماضي، وأتت ردة فعلهم بإعلان الحرب المفتوحة بالطيران وقصف قوات الجيش لمنع تقدمه للسيطرة على بقية المحافظات".

ويتهم المستشار الصحافي الإمارات بأنها تدير وتموّل ميليشيات وعصابات في اليمن خارج أطر الدولة الرسمية وتفتت النسيج الاجتماعي منذ عام 2011.

ومن بين اتهامات منصور لأبو ظبي كذلك "عرقلة بسط نفوذ الدولة، ومنع عودة الحكومة وقاداتها إلى العاصمة عدن من أجل إثبات فشل الحكومة أمام المجتمع، وهو ما نعيشه في الوقت الراهن".

ويضيف منصور: "الإمارات تمارس أوسخ لعبة في التاريخ، إذ قامت بتمويل ودعم الميليشيات الإنقلابية في الجنوب اليمني وذلك لفصله عن الشمال بغية تقسيم اليمن والاستحواذ على ثرواته الطبيعية".

"الانتقالي شريك الإمارات في تقرير المصير"

ينفي رئيس تحرير صحيفة "عدن 24" مختار اليافعي، المقرب من "الانتقالي"، أن تكون هناك مصالح شخصية لأبو ظبي في اليمن، فـ"مساندتها للانتقالي سببها اشتراك الطرفين في تحرير الجنوب من الحوثيين وفي تقرير المصير".

ويقول اليافعي لرصيف22: "الانتقالي لا يحظى بدعم من أبو ظبي فقط بل من التحالف، لأنه شريك حقيقي وصادق تمكن من تحرير المحافظات الجنوبية خلال 27 يوماً فقط من سيطرة الحوثيين".

ويرى اليافعي أن "الانتقالي" لا يسعى للسيطرة على الجنوب بل لإدارته بعد "فشل الحكومة الشرعية في إدارة المحافظات المحررة".

وفي ما يخص ادعاء الإمارات "مكافحة الإرهاب"، يرى اليافعي بدوره أن الحكومة اليمنية "مُختطَفة" من "جماعة الإخوان" التي وصفها بـ"الإرهابية"، عبر "ذراعها في اليمن حزب الإصلاح"، وهو ما أجبر الانتقالي على "رفض" تواجدها في مدينة عدن والمحافظات الجنوبية الأخرى.

بين اتهامها بـ"تخريب اليمن" وبين اعتبارها "شريكاً أساسياً في تقرير المصير"... كيف يمكن فهم انقلاب أبو ظبي على تحالفها مع القوات الحكومية لصالح "المجلس الانتقالي"؟
"تتابع الرياض بصمت ما يحدث في جنوب اليمن وهذا يدل أنها مؤيدة للانقلاب الإماراتي على الحكومة وقصف القوات الشرعية"... تتباين تفسيرات الموقف السعودي من الإمارات ودعمها لـ"الانتقالي" بين التأييد التام لها والتخوّف من "أهدافها الخاصة"

في المقابل، يرى الصحافي أحمد ماهر، المقرب من وزير الداخلية المناهض للتواجد الإماراتي، أن إعلان الإمارات الحرب على الحكومة تحت شماعة محاربة التنظيمات الإرهابية، هدفه دعم تقدم "الانتقالي" للسيطرة على المحافظات الجنوبية.

ويقول ماهر لرصيف22: "الإمارات انقلبت على الحكومة لأن لديها مشاريع أخرى تريد تنفيذها في المحافظات الجنوبية"، معتبراً أن "أبو ظبي تستخدم حجة حزب الإصلاح ومحاربة الإرهاب لتمرير مشاريعها فقط".

قراءة الصمت السعودي

تتابع الرياض بصمت ما يحدث في جنوب اليمن وهذا يدل أنها مؤيدة للانقلاب الإماراتي على الحكومة وقصف القوات الشرعية، بحسب ماهر.

ويوافقه في هذا الرأي منصور الذي زاد على ذلك معتبراً ما قامت به الإمارات قد حصل باتفاق مع الرياض.

ويرى منصور أن "الشرعية اليمنية تعيش تحت رحمة الكفيل السعودي مثلها مثل أي مغترب يمني يعمل في أراضي المملكة، فالكفيل السعودي شريك بالفائدة والربح مع أنه لم يدفع فلساً من رأس مال المشروع الذي يعمل به المغترب اليمني".

ويتابع: "السعودية والامارات متفقتان ومتآمرتان على اليمن وهناك تبادل أدوار بينهما فيما تعمل الرياض من وراء الستار، تتبنى أبو ظبي تنفيذ المخطط لتقسيم البلاد وتمزيقها"، مشيراً إلى تواجد" قوات سعودية في المهرة التي لم يصلها الحوثي وهناك أطماع للدولتين من زمان".

ويوافق منصور في الرأي الصحافي اليمني والمحلل السياسي عبدالرحمن الشيباني مؤكداً أن "السعودية لا تريد أن تُخرج اليمن من دائرة نفوذها لموقعه الاستراتيجي المهم، ولما يمتلكه من إرث حضاري عريق وثروة بشرية هائلة يمكنهما لعب دور إقليمي مستقبلاً، علاوة على ما تخفيه أرضه من ثروات". 

ويرى الشيباني أن هنالك قوى تعمل على السيطرة على اليمن، عبر الرياض وأبو ظبي اللتان تلعبان أدواراً بالوكالة لصالح أمريكا وإسرائيل وبريطانيا، مضيفاً: "دخلت الإمارات والسعودية اليمن تحت غطاء إعادة الشرعية لتنفيذ أجندتهما الخاصة".

وكانت الحكومة اليمنية قد طالبت بخروج الإمارات من اليمن ووقف دعمها للميليشيات المسلحة، محمّلة إياها نتائج الأحداث الأخيرة في الجنوب. لكن الإمارات والرياض نفتا، في بيان مشترك، الاتهامات الموجهة لأبو ظبي.

وفي السياق ذاته، يعتبر الشيباني أن "ما تقوم به الإمارات في اليمن، خاصة في الجنوب، يأتي وفق تفاهم مسبق وتنسيق واضح، فسيطرة الانتقالي على عدن وصمت السعودية حول ذلك كما قصف الإمارات لقوات هادي مؤخراً ومن الأراضي السعودية، كله بتنسيق مع الرياض".

من ناحية أخرى، يعتقد الشيباني أن "وجود أهداف خاصة للإمارات في اليمن يثير حنق السعودية وغضبها"، لافتاً إلى مسألة "عدم موافقة الرياض على انسحاب الإمارات من اليمن، كي لا تتحمل التبعات السياسية والإنسانية للحرب وحدها". 

ويتهم الشيباني، المقيم في العاصمة صنعاء، "الشرعية" بجلب الحرب والويلات لليمن في ظل حكم رئيس لا يمتلك قراره ويساهم بشكل أو بآخر في تدمير بلاده.

"من المرجح أن يعمل التحالف على إنشاء حكومتين، الأولى حكومة حرب في محافظة مأرب شرقي اليمن، تتولى تحرير الشمال من الحوثيين تحت إشراف هادي، والثانية تهتم بتوفير الخدمات وتدير شؤون الجنوب"

ويقول عن ذلك: "لم يستغل هادي دعم المجتمع الدولي له كي يكون شجاعاً ويشير إلى الجرح بإصبعه بعيداً عن خطاب مقتضب تتم صياغته بقلم السفير السعودي والاستخبارات"، وذلك في إشارة للبيان الأخير لهادي الذي اتهم أبو ظبي بالانقلاب على الحكومة دون الرياض، ولم يتخذ قرارات واضحة بشأن طرد الإمارات.

السيناريوهات المقبلة لصراع الجنوب

يرى الشيباني أنه لا يمكن لصراع الجنوب أن ينتهي إلا "عندما يكون اللاعب الإقليمي والدولي قد حقق مبتغاه من هذه الحرب وضمن مصالحه"، واصفاً الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي بأنهم "دمى ووكلاء يعملون وفق مصالح هذه الدول وهم أيضاً تجار حروب". 

من جهته، يوضح منصور أن "ثمة اتفاق على بقاء الوضع كما هو"،  وأن "أية مفاوضات بين الشرعية والانتقالي مصيرها الفشل حالياً". 

وبحسب اليافعي، المقرّب من "الانتقالي"، فمن المرجح أن يعمل التحالف على إنشاء حكومتين، الأولى حكومة حرب في محافظة مأرب شرقي اليمن، تتولى تحرير الشمال من الحوثيين تحت إشراف هادي، والثانية تهتم بتوفير الخدمات وتدير شؤون الجنوب في مدينة عدن تحت إشراف "الانتقالي" الذي يُرجّح أن يقبل بخيار مماثل.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard