رسائل هولاكو وآخر خلفاء الدولة العباسية

الأربعاء 16 أكتوبر 201912:26 م
ما إن تجتمع كلمتا "مغول" و"خليفة بغداد" في حديثٍ واحد، حتى يتبادر إلى الذهن صور سيوف تقطع رقاباً، وأنهار من الدماء تتساقط كالمطر، ومكتبات تحرق عن آخرها، وكلها تداعيات حقيقة من وقائع الاجتياح المغولي لعاصمة الدنيا، إلا أن كتب التاريخ تنبئنا أن شكل العلاقة بين الطرفين لم تكن على هذا النحو الدموي في جميع الأحوال، وإنما شملت أيضاً جوانب حميمة تعكس صداقة وتآلفاً وربما تعاوناً عسكرياً.

في كتابه "جامع التواريخ" يحكي مؤرخ المغول الأشهر، رشيد الدين فضل الله الهمذاني، أن هولاكو قاد حملة لإبادة قلاع الإسماعيلية بعدما شكلوا شوكة في خاصرة دولته لسنوات، وأنه خلال القتال طالب خليفة بغداد بأن يعاونه في مسعاه ويمدّه بجنود من عنده، وهو ما رفضه المستنصر بالطبع، فقرّر هولاكو أن يسير إليه، وخلال هذه الرحلة تبادلا سلسلة من الرسائل المليئة بالوعيد الذي تعهّد به كل طرف أن يلاقيه على يد الآخر إن تصادمت سيوف قواتهما، إلا أن نزراً من عبارات الرسائل، وبالذات الآتية من بغداد، حملت سطورها جانباً قد لا نعلم عنه الكثير، تكشف أن علاقة ما كانت بين الطرفين بعيدة عن الأجواء العدائية.

رسالة هولاكو

في ردِّه الأول على رسالة هولاكو المُهدِّدة، بدأه المستنصر بعبارات تحفظ كرامته كخليفة، إلا أنه حرص على توضيح أنه "مع الخاقان وهولاكو خاقان قلب واحد ولسان واحد"، وحينما بدا للجميع أن هولاكو عازم بحق على اكتساح بغداد وأن تهديداته لم تكن مجرد شعارات جوفاء، رفض اقتراح وزيره بإغراء قائد المغول بنفائس الأموال والهدايا والجياد، قائلاً له: "لا تخش القضاء المقبل، ولا تقل خرافة، فإن بيني وبين هولاكوخان وأخيه منكوقا آن صداقة وألفة، لا عداوة ولا قطيعة، وحيث إنني صديق لهما، فلابد أنهما أيضاً صديقان ومواليان لي، وإن رسائل الرُسل غير صحيحة".

وطبقاً لرواية رشيد الدين، فإن خليفة بغداد كرّر أكثر من مرة في أحاديثه أنه يعتبر حكام المغول أصدقاءه، وهي الصداقة التي تبين له عدم توثقها بالطبع فور رؤيته جحافل التتار أمام أسوار مدينته، وبالرغم من أن هذا الود لم يكن متبادلاً عند المعسكر الآخر، فلقد كان جنود المغول وهم قابعون في معسكرهم وقبل الاشتباك مع العباسيين ينعتون المستعصم بــ"الأبله"، حسبما روى علي الصلابي في بحثه "المغول بين الانتشار والانكسار"، لكن هذه الصداقة المزعومة لم تكن مجرد أوهام في عقل خليفة بغداد، كما لم تكن عسيرة الوجود بين الطرفين المتصارعين قبل أن يتنافرا، بل تطالعنا صفحات التاريخ بلمحات نادرة الوجود عن بعض لقطات الودّ التي سادت بين الطرفين خلال عصور غابرة.

تحكي الدكتورة سعاد الطائي، أستاذة التاريخ في كلية التربية بجامعة بغداد، والمتخصّصة بتاريخ المغول والمشرق الإسلامي في العصر العباسي، لرصيف22، أن مراجع تاريخية عدة أكّدت أن ممثلاً عن الخليفة العباسي حضر إلى البلاط المغولي عند ترشيح أوكتاي للعرش، وكذلك عند ترشيح كيوك خان، للتهنئة بالتتويج.

كما يضيف الدكتور فؤاد عبدالمعطي الصياد بكتابه "المغول في التاريخ"، أنه في عهد الملك الخوارزمي علاء الدين محمود، بلغ الخلاف بينه وبين الخليفة العباسي حينها، الناصر لدين الله، مداه، وعزم على غزو بغداد وجعلها مقراً لحكمه، فما كان منه إلا أن سعى لتحريك كافة الممالك المحيطة به ضدّه، وهو ما فعله مع الغوريين والقراخطائيين وأتابكة فارس وأذربيجان والإسماعيلية، إلا أن هذا لم يُثن الملك الخوارزمي عن خطته في بلوغ بغداد، وبدأ التحرّك فعلياً سنة 614هـ (1217م)، وهزم في طريقه جيشين خرجا بتحريض الخليفة دفاعاً عنه.


ما إن تجتمع كلمتا "مغول" و"خليفة بغداد" في حديثٍ واحد، حتى يتبادر إلى الذهن صورُ سيوفٍ تقطع رقاباً، وأنهار من الدماء تتساقط كالمطر، ومكتباتٍ تُحرق عن آخرها، ولكن هل هناك قصة أخرى لعلاقة المغول مع العباسيين؟

ويتابع: لما وجد الناصر أن كل القوى التي اعتمد عليها في محاربة خوارزمشاه ضعيفة ومنحلة، وتأكد من إصرار السلطان محمد على غزو بغداد وأنه لا قِبل له بمقاومته، لم يجد مفرّاً من أن يلجأ إلى جنكيزخان قائد المغول الأكبر، والذي كان صيته حينها منتشراً في شرق آسيا وغرباً، فرأى به الرجل الوحيد الذي يستطيع إنقاذه من هذه الورطة، وبالرغم من أن جنكيز خان لم يلتفت إلى هذه الرسالة في حينها، إلا أن ابن الأثير ينتقد هذه الخطوة بشدة في كتابه "الكامل في التاريخ"، بقوله: "وكان سبب ما ينسبه (الخليفة) العجم إليه صحيحاً من أنه هو الذي أطمع التتر في البلاد، وراسلهم في ذلك، فهو الطامة الكبرى التي يصغر عندها كل ذنب".

وهي الرواية التي أيّدها المقريزي في كتابه "السلوك لمعرفة دول الملوك"، بالتأكيد على أنه "في خلافته (أي الناصر) خرّب التتر بلاد المشرق حتى وصلوا إلى همذان، وكان هو السبب في ذلك، فإنه كتب إليهم بالعبور إلى البلاد خوفاً من السلطان علاء الدين محمد بن خوارزم شاه، لما همَّ بالاستيلاء على بغداد".

نهاية الخلافة العباسية 

فيما يحكي محمد سهيل طقوش في كتابه "تاريخ المغول العظام والإيلخانيين" أن الهجوم الدموي الأخير الذي قضى على الخلافة العباسية لم يكن الأول، فبعد إزاحة الدولة الخوارزمية من الوجود لم يعد هناك أي عائق بينهم، وباتت سنابك خيولهم على حدود دولة العباسيين المتهالكة.

عملة آخر الخلفاء العباسيين، المستعصم بالله (حكم بين عامي 1242-1258، القطعة من مقتنيات المتحف البريطاني (رابط

فيما يوضح عصام عبد الرؤوف في كتابه "دراسات في تاريخ الدولة العباسية"، أن المغول اشتبكوا عدة مرات مع جيوش الخلافة العباسية لاختبار قوتها.

وإنما ظهرت جحافل التتار قبل هذا الموعد بضع مرات انتهت بالفشل، دخل المغول منطقة إربل واحتلّوا عاصمتها عام 631هـ، وحينها افتدى السكان أنفسهم بمبلغٍ كبير من المال، ثم غادر عسكر المغول المدينة بعدما تناهى إلى أسماعهم أن هناك قوة عسكرية خرجت من بغداد للتصدي لهم.

كما هاجم المغول العراق مجدداً عام 634هـ وبلغوا مدينة سامراء، فأعلن الخليفة المستنصر بالله الجهاد، وخرج جيش كبير من بغداد بقيادة مجاهد الدين الدواتدار اصطدم بهم بالقرب من تكريت، ما بين دجلة وجبل حمرين، وهزمهم وحرّر الأسرى المسلمين الذين كانوا قد وقعوا في أيديهم أثناء القتال في إربل.

وكرّر التتر هجماتهم على العراق العام التالي، وهزموا جيش المسلمين في خانقين، فالتمس الخليفة المساعدة من السلطان الأيوبي الكامل، فأمدّه بعشرة آلاف جندي من مصر والشام، وما أن انتشر نبأ قدومهم إلى المنطقة حتى غادر عساكر هولاكو المنطقة عائدين إلى معسكرهم.

ويوضح دكتور محمد حمزة العميد الأسبق لكلية الآثار جامعة القاهرة لـرصيف 22، أن ثمة علاقات تجارية نشأت بين شعبي الطرفين تحت مظلّة مشروع طريق الحرير، إلا أنها لم تكن وثيقة بالدرجة التي يمكن وصفها بالصداقة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard