أصوات من الأردن: كي يظل الوطن حبيبنا... علينا أن نبتعد عنه

الاثنين 2 سبتمبر 201904:21 م

ثمة مصطلحات رافقتنا في كل مراحل حياتنا التعليمية، ما جعلها ذات أهمية كبيرة وأحاطها بهالة من القدسية والرفعة، الأمر الذي ضمن بقاءها بعيدة كل البعد عن التشكيك بها أو السخرية من الاعتقاد فيها. أول هذه المصطلحات هو الوطن، يتبعه الانتماء والولاء.

يحدث أن توضع هذه المصطلحات على المحك إذا مررنا بموقفٍ حقيقي يمس حيواتنا ووجودنا وكرامتنا الإنسانية. كل منا قادر على الحديث لساعات وساعات عن ذلك الوطن الموجود على بقعةٍ جغرافيةٍ هائلة الحجم مترامية الأطراف، كلنا نبدع في كلامنا عن أهميته في الوجدان والنفس، وعن استعدادنا التام للدفاع عنه إذا تعرّض لمكروه ما، هل ما زال الوطن هو تلك البقعة الكبيرة جداً والتي لا يُلاحظ الواحد منا عليها بالعين المجردة؟

سرعة زمننا هذه وتطوّره التكنولوجي الدائم واليومي حدّا من تفشّي الكثير من الظواهر العاطفية بيننا نحن الجيل الجديد، أو ساق هذه المعاني لتكون أكثر مرونةً واتساعاً وقلّل من جمودها. كانت قرارات الاغتراب في السابق صعبة جداً، مهما كان العائد من العمل في دولة أخرى، فهو لا يُقارن بصعوبة الانقطاع عن العائلة ومكان العيش وذكريات الطفولة والمناسبات الاحتفالية لأشهر طويلة مثلاً، كما أن تغيير طبيعة الحياة وتطور احتياجات الفرد الأساسية جعلت هذه المشاعر مضحكة في بعض المرات. ما معنى حبك للوطن في اللحظة التي تكون فيها والدتك في المشفى بينما أنت غير قادر على دفع فاتورة علاجها؟!

 ما معنى حبك للوطن في اللحظة التي تكون فيها والدتك في المشفى بينما أنت غير قادر على دفع فاتورة علاجها؟!

مؤخراً أصبحت اختيارات الشباب للهجرة مبرّرة وشرعية، أعداد كبيرة من الشباب في دول بلاد الشام ومصر هاجروا إلى أوروبا، ودرج كثيراً حصول "هجرات غير شرعية" على أنقاض جنسيات أصحاب البلاد المدمرة، في الفترة نفسها زادت رغبة الشاب الأردني في الهجرة، وبدأ عدد كبير من الشباب باتخاذ الخطوات الأولى نحو السفارات والقنصليات للبحث عن وطنٍ بديل. لقد طرحنا سؤالنا عن سبب الهجرة على مجموعة من الشباب وكانت الأسباب متشابهة نوعاً ما، قال الكاتب عامر الشقيري، في حديث لرصيف22: "مجموعة أسباب لا يمكن فصلها عن بعضها جعلتني أفكر بالهجرة، تتصدّرها الأسباب المالية، خصوصاً عندما أصبحت في الأردن مسألة حياة أو موت، كنتُ بلا تأمين صحي وبالكاد دخلي يستطيع تأمين احتياجاتي البيولوجية".

أما محمد المصري، مهندس أردني تخرج منذ عشرة أعوام ولم يعمل حتى اللحظة بشهادته، قال لرصيف22: "اتخذت القرار بحثاً عن عمل، وتبعاً لحاجتي للمال ولحياة كريمة أفضل"، أما علاء عزة وهو شاب أردني متزوج ولديه أطفال يقول: "من الأسباب التي تجعلني أفكر في الهجرة شعوري بأنني مواطن درجة عاشرة، لا أحصل على أي من حقوقي". وكان للشاب بشار رأياً مشابهاً: "قدّمت للهجرة بحثاً عن الاستقرار المادي، إنني أبحث عن فرصة عمل تمكنني من العيش من دون الحاجة لأحد"، الحاجة المادية والبحث عن حياةٍ أكثر إنسانية، هما سببان كافيان للتفكير في الهجرة ولترك قصاصات الحديث عن الأوطان كملاحظاتٍ محفوظةٍ في دفاتر المذكرات.

إن شعور الفرد بأن كرامته الإنسانية منتهكة يجعله بموقع غير متزن، سواء في قراراته أو في سلوكه الحياتي اليومي، وربما يختلّ لديه معنى الانتماء والولاء للوطن، أو تفقد تعريفات المفردات الوطنية قدسيتها، يجيب بشار عن سؤال تجزّأ الولاء والانتماء بين وطنين: "أنا فقير في الأردن، والفقر في الوطن غربة، يجب أن أشعر بإنسانيتي حتى أشعر أنني أنتمي لوطني وأحبه"، أما عامر فقد قال: "الولاء يتجزأ، وفي الأوطان التي هاجرنا إليها سيتشكل لوحده بالفطرة، من يحميك ويمنحك حريتك ويهتم بصحتك ويوفر لك كل وسائل العيش سيحوز على ولائك، وبالمقابل ستحميه وتخاف عليه… وهذا بالطبع لا يلغي الولاء للوطن وترابه… أينما كنت."

قالت المحامية نور الإمام، عضو في مجلس نقابة المحامين ومتخصصة في قضايا الحريات: "تحدث الهجرة بنسبها العالية بين الشباب لعدة أسباب، السبب الأول هو عدم تكافئ الفرص في العمل، الشباب يبحثون دائماً عن فرصة عمل تؤمن لهم حياة أفضل استناداً لكفاءتهم وليس لوجود واسطة أو محسوبية، كما أن المساواة وعدم التمييز من الأسباب التي تدفع الكثير من الشباب للبحث عن أماكن أخرى، إنهم يريدون العيش في مكان لا ينظر لطبقاتهم الاجتماعية حين يقيّمهم، ولا يقحم اسم العشيرة والجنس والدين في المفاضلة بينهم".

إن وصول الفرد لمرحلة يفاضل فيها بين حقوقه المدنية والسياسية والاقتصادية، ليقرر البقاء من عدمه، تعني أنه في أسوأ حال، الكرامة الإنسانية لا تتجزّأ... والوطن هو حيث تنزاح المخاوف جانباً

في الأردن، تحدث الخيبات في كل مسائل الحريات الاجتماعية والسياسية، خاصّة إننا حتى اللحظة نحتكم للعشيرة إذا قتلت فتاة، ويُسجن الشباب إذا أبلغ مواطن عنهم بأنهم مثليين جنسياً، ويُقمع عدد كبير ممن يتظاهرون ضد الفساد وقلة فرص العمل والمحسوبية

إن وصول الفرد لمرحلة يفاضل فيها بين حقوقه المدنية والإنسانية والسياسية والاقتصادية، ليقرر البقاء من عدمه، تعني أنه في أسوأ حال، الكرامة الإنسانية لا تتجزّأ، ولا يمكن المفاضلة بين الحقوق الأساسية للأفراد، والوطن هو حيث تنزاح المخاوف جانباً.

كان للمحامية نور الإمام تعقيبها لرصيف22 حول مسألة الحريات، قائلة: "أعمل حالياً على قضية توقيف عدد من الشباب تبعاً لمشاركتهم السياسية في بلدهم الأردن، أفكر دائماً ما الذي سيفعلونه حال خروجهم! هل سيختارون البقاء في الوطن الذي اعتقدوا أن تعبيرهم عن رأيهم مكفول من قبله؟ ولأن اعتقادهم بأن ممارستهم لحرية التعبير هي جزء من معنى المواطنة. إن الانتماء فعل روحي وعاطفي، إننا كبشر ننتمي للبلد الذي يحقق فرصاً متساوية لأفراده، ويكفل حرياتهم كلها."

اقتصاد الدول يتأثر سلباً جراء هجرة شبابها، لكن الحال في الأردن مختلف بعض الشيء، فالبلد غارق أصلاً بالديون، ولديه عجز موازنة لا مشاريع يمكنها أن تسده، فيحدث اللجوء الدائم لجيب المواطن وللسطو على حاجياته الأساسية، وتحدث الخيبات المشابهة في كل مسائل الحريات الاجتماعية والسياسية، خاصة إننا حتى اللحظة نحتكم للعشيرة إذا قتلت فتاة، ويُسجن الشباب إذا أبلغ عنهم مواطن بأنهم مثليين جنسياً، ويُقمع عدد كبير ممن يتظاهرون ضد الفساد وقلة فرص العمل والمحسوبية، أو اعتراضاً على قرارات الحكومة.

الوطن حيث الكرامة والحرية، نحن نعيش في مكان يلفظنا كل صباح إلى أوطان بعيدة تستحقنا.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard