ما الذي يجعل التونسيين يضحكون عشية انتخابات مصيرية؟

الاثنين 2 سبتمبر 201912:56 م

أعدّ المادة كل من أحمد بالريش ومحمد البوغديري (تونس)، ضمن شباب22 "You22"، برنامج زمالة رصيف22 الذي ترعاه D-Jil، بالاعتماد على منحة مشتركة بتمويل من الاتحاد الأوروبّي، تشرف على تنفيذها CFI.

الخامس والعشرون من يوليو 2019، هو يوم عطلةٍ رسميةٍ يحتفل فيه التونسيون بذكرى الجمهورية تخليداً ليوم 25 يوليو 1957، اليوم الذي أُعلن فيه المجلسُ القومي التأسيسي إلغاءَ النظام الملكي وبدايةَ الجمهورية، خلال جلسة تاريخية، مُمهّداً بذلك الطريق للزعيم الوطني الحبيب بورقيبة، ليكون بذلك أوّل رئيس جمهورية لتونس.

كان يوم خميسٍ مرتفع الحرارة في هذه الفترة من السنة ولكنه تحوّل بعد نصف ساعة إلى خميس تاريخي سيتذكره الشعب، فرئاسة الجمهورية أعلنت في بيان رسمي عبر صفحتها في الفيسبوك بأن: "الرئيس الباجي قايد السبسي فارق الحياة".

دفن السبسي في مراسم مهيبة وانتهت فترة الحداد وتولى رئيس البرلمان محمد الناصر، مقاليد رئاسة الجمهورية بصفةٍ مؤقتة، وتحوّلت الأنظار إلى ما هو أهم، وبدأ التونسيون بالتساؤل: "من سيكون رئيس تونس القادم؟"، حيث أعلنت الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات يوم 15 سبتمبر كموعد للانتخابات الرئاسية المبكرة، وهنا عرف الشعب بأن فترة شهرين فقط، منذ لحظة موت الرئيس، هي ما يفصلهم عن ثاني رئيسٍ منتخبٍ شعبياً بصفة ديمقراطية.

الانتخابات قادمة!

الزخم والتفاعل يغزو كل الساحات والمواقع، تصريحات وأحزاب ومرشحون من كلّ صوب، جدل قائم في الشارع التونسي عن هذا وذاك، تحليلات لماضي كل مترشح وتخوّفات ودفاع عن هذا و ذاك… في المقاهي والشوارع والمنازل تبحث الأمة عما يشفي غليلها من شخص تمنحه الثقة، ورغم النظام السياسي التونسي الهجين الذي هو أقرب إلى البرلماني من الرئاسي، حيث يحظى مجلس الشعب بصلاحياتٍ واسعة مقارنة برئيس الدولة، إلا أن صورة رئيس الدولة ورمزيته لا زالت في أذهان أغلب المواطنين، ما زال الكثيرون يؤمنون بأهمية منصب الرئيس ورمزيته، كما أن تقديم الانتخابات الرئاسية على التشريعية ساهم بزيادة الاهتمام بالعملية الانتخابية.

مشهدان لاحظناهما في عملية الترشّح، وأردنا الكتابة عنهما نظراً لما عرفاه من تعاط كوميدي من قبل التونسيين، حيث شملت بعض المرشحين غير الجديين وعملية مرافقة المواطنين المناشدين للمرشحين الذين احتلوا سبر الآراء. شيئان كان قاسمهما المشترك أن الجميع شاركهما بطريقةٍ ساخرة.

فما الذي جعل التونسيين يضحكون رغم أن الانتخابات مصيرية؟

ترشحات غير جدية وكوميديا على جميع المستويات

انطلقت مرحلة الترشحات الرئاسية واتسم رقم المترشحين بالضخامة نسبياً مقارنة بما يوجد في الساحة السياسية.

إذ أعلنت الهيئة عن قبول ملفات 26 مترشحاً فقط من أصل 98 ملفاً مقدّماً. وحظيت عملية تقديم الترشّحات بتغطيةٍ إعلاميةٍ كبيرة، خاصة عبر فيسبوك وما رافقه من تعليقات أكثرها نقدية أو هزلية للترشحات "البهلوانية أو الفلكلورية"، ما جعل التونسيون ينشرون ويتفاعلون حول هذا الموضوع بكثافة.

تساهل الدستور التونسي الجديد بشكلٍ مبالغ فيه بشروط الترشح للرئاسة، فتزكية عشرة نواب أو عشرة آلاف إمضاء شعبي تكفيان لخوض السباق الرئاسي.

منذ انتشار أسماء المرشحين، تعالت الأصوات الساخرة من بعض تصريحاتهم ومواقفهم، وذلك عبر منصات التواصل الاجتماعي المتنوعة، سنذكر من خلال هذا المقال بعض المحاور الساخرة.

من المرشّحين الذين نالوا سخرية المواطنين، كان أحدهم الذي صرّح: "أنا متأكد من فوزي بالانتخابات وأن الجميع سوف ينتخبني"، وأضاف: "أنا نجّحت هولاند (الرئيس الفرنسي السابق)، بالإضافة إلى أوباما، ليصلا إلى الحكم… وأنا مختص في ذلك".. مشيراً إلى أنه "لن ينقذ تونس فقط بل العالم أجمع وسيخلّص تونس من ظلم الحكّام".

مُرشح آخر، استغل "الشهرة" التي حظي بها إثر ظهور صورته وهو يحيي باكياً موكبَ السبسي بلباسٍ رث، كُرّم بعدها من قبل وزير الثقافة وتمّت استضافته في عدة إذاعات وقنوات بمختلف المنصات الجهوية والوطنية، وأصبح "نجماً فيسبوكياً"... فتوجّه إلى مقر الهيئة وقدّم ترشيحه بنفس الملابس الرثة.

أما مرشح آخر فادعى معرفته الشخصية بالرئيس الراحل، وأن جلّ الخطابات التي قرأها السبسي كتبها هو… كما أنه أنجز خطابات كل رؤساء الحكومة السابقين!

بالإضافة إلى ترشيحات أخرى نالت نفس السخرية، منها للذي قدّم ترشيحه مرفق بـ 6 إمضاءات، مع العلم أن المرشحين مطالبين بتقديم 10 آلاف توقيع كحد أدنى.

وكان آخر المشاهد غرابة، عندما سُئل أحد المرشحين إن كان يعرف مهام رئيس الجمهورية، قال: "بالطبع أعرف!"، ولكن مرّت دقائق على السؤال، وهو يتصبب عرقاً، دون أن يتمكن من ذكر أي واحدة.

بالرغم من أن الجميع يشهد بأن هذه الانتخابات هي الامتحان الجدي، نظراً لتقارب حظوظ أغلب المتنافسين، إلّا أن التندر لا يغيب في تونس حتّى على أعلى منصب البلاد.

منذ انتشار أسماء المرشحين، تعالت الأصوات الساخرة من بعض تصريحاتهم ومواقفهم، وذلك عبر منصات التواصل الاجتماعي المتنوعة... في هذا المقال تُذكر بعض المحاور الساخرة

إن حجم السخرية كبير، إلّا أن التونسي يعيش حتماً وسط مختبر للديمقراطية، ربما يفشل أحياناً في فهم متغيراته ويساهم أحياناً أخرى في إنجاحه، لكنه يتعلم ويتدرّب ويكتشف ما تخبئه له هذه البوابة الجديدة من مستقبل يتمناه أن يكون أفضل

فوضى المناشدة للمرشحين الجديين

أغرب ما رافق بعض عمليات الترشّح مرافقة المواطنين لبعض المترشحين، حتى لو كانت معاملتهم جدية خلافاً للسخرية المذكورة أعلاه، حيث انتشرت فيديوهات وصور للذين يناشدون المترشحين، في مشاهد اختلفت ما بين تجمع إلى آخر.

فمن المشاهد التي استغربها الناس هو تجميع أحد المرشحين لشخص يميني وآخر يساري لمرافقته لمقر الهيئة العليا للانتخابات، مفارقة عجيبة كان فيها المواطنون يصفقون ويزغردون بشكل جنوني.

ومرشح آخر قد لاقى انتقاداً لكون أحد من كانوا يلقنونه خطاب الترشح لم يكن ضمن المسؤولين عن إدارة حملته الانتخابية، حيث يبدو أن الشخص كان مناصراً فقط ودخل من الخلف وبدأ بتلقين المرشح ما يقوله.

ومشاهد أخرى نالت تفاعلاً كوميدياً من قبل المواطنين حتّى لو كان المرشحون "جديين". فاحتلَّ الجديون سبر الآراء وكان للضحك نصيب.

فوضى الترشحات هذه سواء من خلال عمليّات المناشدة والتدافع التي شهدتها عملية تقديم الترشحات أمام الهيئة العليا للانتخابات، وما صاحبها من أهازيج وعملية شراء وجلب لمناصرين من أجل بعض البهرج والزخم، حظي في نفس الوقت باهتمام أغلب مكونات الطبقة السياسية بالمناصب على حساب مشاريعهم المجتمعيّة أو البرامج الواقعية.

سخرية وترقب

طرافة وسخرية في الظاهر على عدّة أصعدة، ولكن حيرة وترقب في الباطن، هكذا عايشنا ما رأيناه من حولنا خلال هذه الفترة. ولأن حجم السخرية الكبير حجب الترشحات الجدية في أحيانٍ عديدة، إلّا أن التونسي يعيش حتماً وسط مختبر للديمقراطية، ربما يفشل أحياناً في فهم متغيراته ويساهم أحياناً أخرى في إنجاحه، إلّا أنه يتعلم ويتدرّب ويكتشف ما تخبئه له هذه البوابة الجديدة من مستقبل يتمناه أن يكون أفضل مع ابتسامة بالتأكيد.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard