"أنا وصديقاتي نتبادل الشتائم بأريحية"... هل أصبح السبّ تعبيراً عن المحبة؟

الأربعاء 11 سبتمبر 201910:36 م

ظلّ السباب والشتائم من أكبر الأسباب التي قامت بسببها العداءات في كل الأماكن، وكان يكفي شتيمة لينفصل الأخ عن أخيه، ويطلّق الرجل زوجته ويتشرَّد الأبناء.

لكن مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي والعولمة وانخراط الكلِّ في دائرةٍ واحدة، راحت الشتائم تنتقل كوسيلةٍ للتعبير، تنتقل وتتحوّل رويداً رويداً إلى دائرة القبول، بل إن وسائل التواصل الاجتماعي عدّلت وضعية بعض الشتائم ربما لتكون أقل حدة وأكثر تقبلاً واستخداماً، وراح البعض يستخدمها بغرض التندر، حتى أن بعض النساء "المحافظات" أخذن يردّدنها لخلوِّها من معناها الأساسي، ولظنهن أنها ليست شتيمة بقدر ما هي وسيلة للتعبير، مثل كلمة "بيضان" والتي باتت متداولة بمعنى سخيف، وثقيل الظل بطريقة لا تحتمل.

من "الخجل" إلى "التعري"

يقول المدون محمود مصطفى (31 عاماً) من جنوب مصر بالصعيد لرصيف22: "بعض المفردات التي كانت تقوم الحروب لأجلها قديماً أصبحت شيئاً عادياً، وفي منطقتنا بالجنوب يتم التعامل مع الشتم حسب المراحل العمرية، فالكبير يسبُّ الصغير سواء بمزاح أو جد ولا يرد الصغير، والصديق يشتم ندّه ولا يشتم من هو أكبر".

أما إيمان عبد المقصود، قاصة وروائية في الثلاثينات من عمرها، فترى أن الأجيال القديمة أورثتها وبنات جيلها "الخوف من الشتيمة"، ولكن ما تراه بحسب تجربتها، أن استخدام الفتيات للشتائم يمنحها قوة أمام نظرائها من الرجال، ويمنع عنها بعض المضايقات مثل التحرش، لذا يفضل الكثير من الشباب، بحسب إيمان، "البنت الوديعة المستكينة، لأنها تخشى من أن تفضح نفسها في حالة تعرضها لمضايقات".

ويرى مسعود شومان، الباحث في التراث الشعبي، أن الشتائم في أزمنةٍ سابقةٍ كانت معيبة، ولكنها باتت في هذا العصر لها دلالات مختلفة، خاصة بين الأصدقاء، تعني أحيانا أنه لا توجد حواجز، والخروج من منطقة "الخجل" إلى "التعري"، وبين بعض البنات يستخدمنها كـ"إعلان محبة".

"استخدام الفتيات للشتائم يمنحها قوة أمام نظرائها من الرجال، ويمنع عنها بعض المضايقات مثل التحرش، لذا يفضل الكثير من الشباب، البنت الوديعة المستكينة التي تخشى من الفضيحة"

الشتائم في القاموس اليومي

ولكن إلى أي مدى دخلت قاموس الشتائم لغتنا اليومية؟ يقول مصطفى: أنا وأصدقائي نتبادل الشتائم كل يوم، لأن الوضع تغير تماماً وليس هناك ما يمكن ألا يُقال، ولكن حتى الأصدقاء يختلف الأمر بينهم، فهناك من يتقبّل، وهناك من يرفض هذا الامر.

يتذكر مصطفى ضاحكاً: "مرة أرسلت رسالة إلى أحد أصدقائي وأغلقت الهاتف، ووجدته يدق على بابي وقال لي أن الرسالة لم يكن بها شتيمة وأنه قلق جداً فجاء للسؤال عني".

"الوضع الحالي يقول إنه كلما زادت الشتيمة كلما أصبحت العلاقة أكثر تماسكاً"

أما عبد المقصود فحكايتها لا تختلف كثيرا، تقول لرصيف22: "لي بعض الصديقات المقربات تكون الشتيمة حاضرة بيننا دائما من خلال سياقات كلامنا، والوضع الحالي يقول إنه كلما زادت الشتيمة كلما أصبحت العلاقة أكثر تماسكاً، وهناك ألفاظ قاصرة علينا في سياقات الكلام عبر السوشيال ميديا لكنها لا تكتب، وما يكتب عادة هو الأقل حدّة".

"لا أشتم إلَّا القريبات منّي"

أما ولاء سيد عبد الرؤوف، مدونة (29 عاما)، تقول في تصريحات لرصيف22: "بالنسبة للبنات مع بعضهن فأنا لا أشتم إلا القريبات مني، ولو كلمت صديقتي باحترام ستقول لي "مالك"، كأن هناك تغيراً طرأ في شخصيتي".

أما عن الشتائم على الفيس بوك فتقول: "أمر طبيعي جداً ولم يعد يثير الكثير من الاهتمام، والشتيمة تقوم بتقوية العلاقات الإنسانية ولكن ليس لكل الناس". موضحة أن هناك البعض يتقبل الشتيمة وبعضهم يعتبرها وقاحة، وبالتالي اختلاف الرؤية هنا يحتّم تعاملاً من نوع خاص.

"الشتائم تعني أحيانا في عصرنا هذا أنه لا توجد حواجز، والخروج من منطقة "الخجل" إلى "التعري"، وبين البنات يستخدمنها كإعلان محبة".

ونوّهت إلى أن الشتيمة دارجة بقوة، وبالتالي تختلف بحسب القرب والبعد في العلاقة نفسها، وأن شخصيتها خارج هذا العالم الافتراضي لا تختلف عن شخصيتها على الفيس بوك، وأن المواقف أحياناً تتطلب نوعاً من الشتائم.

يعلق الدكتور حسن الخولي، أستاذ علم الاجتماع والأنثروبولوجيا بكلية البنات جامعة عين شمس: "الفيس بوك هو عنصر غير مرئي، وبالتالي هذا يمنح شجاعة أيضا في سياق الكتابة، لأن الكتابة أسهل بكثير جداً من الكلام، وبالتالي إن كانت بين أوساط ومجموعات بعينها، فمعنى هذا أنها تزيد الحميمية بينهم وتقرّب، لأن مدلول الشتيمة المتقبَّلة هو القرب، وكثيراً من المصطلحات تتردّد بينهم وتتفشى ويستخدمها البعض حسب فهمه ووعيه بدلالة تلك الكلمة".

ولاحظ الخولي في دراساته السابقة أن الشتائم منتشرة بشكل مغلق بين مجموعات شبابية على السوشيال ميديا يجمعها هم أو انشغال مشترك، يقول لرصيف22: "هي ظاهرة متفشية على مواقع التواصل الاجتماعي، ومفادها أن هذه الظاهرة تكون بين أوساط الشباب وبين مجموعة من الأصدقاء تجمعهم سمات واهتمامات مشتركة، كأصدقاء الجامعة وغيرها، وعادة ما تقل هذه الشتائم في غير هذه الأوساط، كما أن الشباب لهم لغة خاصة بهم على هذه المواقع، ونحن قمنا بعمل دراسة اسمها لغة الحياة اليومية، ومنها استطعنا القول إن لكل مرحلةٍ عمريةٍ لغةً خاصة بها، وتتغير اللغة بعد فترة، ومرتبطة بتغيرات الشباب المزاجية".

"انهارت العائلة فظهرت الشتائم"

ينتقد الدكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي ومتخصص في الامراض النفسية، انتشار الشتائم بين الشباب، ويرى أن الإعلام والسوشيال ميديا ساهما في تعزيز الظاهرة، ويتوقع أنها في تزايد وانتشار أكثر، يقول لرصيف22: لن تنتهي مواقع التواصل الاجتماعي من ترديد هذه المفردات، وإنما سيكون أسوأ، وكثرة استخدام مفردة يمنحها تعميماً وانتشاراً، وبالتالي يصبح تواردها طبيعياً، ويستخدمها من كان يرفض تداولها مسبقاً.

واتفق شومان معه في أن العالم أصبح مفتوحاً، وسلّم القيم اختلف، لأنه قديماً كان من يُصدر هذه الشتيمة يصبح شخصاً منبوذاً، وبعد تفكّك العائلة إلى ما يمكن تسميته الأسرة النووية، والآباء في سعيهم للقمة العيش، واهتزاز واختلال منظومة التعليم، كل هذا ساهم في تكوين قيمٍ جديدةٍ والتي بحاجة إلى أن نعيد النظر فيما يحدث، وهذا لن يتم إلا بالتثقيف والإعلام.

أما إيمان فترى أن الشتيمة أصبحت مزاحاً أكثر منها وسيلة للعداء والكره، "وأنا وصديقاتي نتبادل الشتائم الخفيفة وغير ذات الوقع الخشن بأريحية، المساحة المفروضة الآن على السوشيال ميديا جعلتنا نتعامل مع الأمر على أنه عادي جداً".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard