تحقيق عن الفساد الديني في العراق يحدث أزمة بين بغداد وواشنطن

الأحد 1 سبتمبر 201904:20 م

أعلنت السفارة الأمريكية في بغداد، مساء 31 آب/أغسطس، أن الخارجية الأمريكية لا تملك سلطة رقابية على محتوى قناة الحرة، في إشارة إلى تقرير بثته قناة الحرة عراق مساء 31 آب/أغسطس عن "فساد السلطة الدينية في العراق”أثار جدلاً في الداخل العراقي. 

وورد في بيان السفارة، الذي نقلته قناة الحرة على موقعها، أن "القناة تتناول، بشفافية وحيادية، القضايا الهامة في المنطقة والسياسات الأمريكية، مع الحرص على عرض كافة وجهات النظر بشأن القضايا التي تهم المتابعين".

كما أشار إلى أن "وزارة الخارجية والسفارات الأمريكية حول العالم لا تملك سلطة رقابية على محتوى البرامج في الحرة"، مقرّاً للحكومة العراقية بـ"حق الرد ومساءلة الحرة عن أي تقرير ترى أنه تضمن معلومات غير دقيقة أو بعيدة عن المهنية، أو تتعارض مع السياسات الأمريكية”.

من جهتها أكدت لجنة الاتصالات والاعلام في البرلمان العراقي، في 1 أيلول/سبتمبر، عزمها التحقيق مع قناة "الحرة" عبر القضاء العراقي بخصوص تقرير "أساء للمؤسسات الدينية".
وقال البيان: “تستنكر لجنة الاتصالات والاعلام التقرير المسيء الذي بثته قناة الحرة واستهدفت فيه المؤسسات  الدينية في العراق بغية التشويه والاساءة لسمعة هذه المؤسسات”.
وأكدت اللجنة رفضها للتحقيق الذي بثته القناة،  ونعتته بأنه تقارير “كاذبة ومفتعلة ومن نسج الخيال الغاية منها تشويش الحقائق وضرب المؤسسة الدينية في البلاد”.

"الفساد المقدس"… فحوى تحقيق الحرة 

التقرير موضوع الجدل هو تحقيق تلفزيوني للصحافي معن الجيزاني مدته 25 دقيقة بعنوان "أقانيم الفساد المقدس في العراق".

يبدأ التقرير بعرض نص قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 في مادته 319: "يعاقب بالسجن مدة لا تزيد على عشر سنوات أو بالحبس كل موظف أو مكلف بخدمة عامة انتفع مباشرة أو بالواسطة من الأشغال أو المقاولات أو التعهدات التي له شأن في إعدادها أو إحالتها أو تنفيذها أو الإشراف عليها. ويعاقب بالعقوبة ذاتها إذا حصل على عمولة لنفسه أو لغيره بشأن من الشؤون المتقدمة".



ثم يبث التحقيق صوت العلامة أحمد حسن الطه، كبير علماء المجمع الفقهي العراقي، وهو يقول: "انتشر الفساد في كل مؤسسات الدولة... ومنها الوقف. في كل مكان فساد. في كل جامع فساد. في كل مقاولة فساد. لا بد لهذا البلاء من نهاية".

ثم يعلق مذيع الحرة قائلاً: "في منتصف نيسان/أبريل من العام 2017، أصدرت محكمة الجنح العراقية المختصة بقضايا الفساد وغسيل الأموال حكماً قضائياً بسجن رئيس ديوان الوقف السني عبد اللطيف هميم محمد (الشهير بعبد اللطيف الهميم) لمدة عام واحد لكن مع وقف التنفيذ".

وتابع التقرير عرض نص الفقرة (ب) من المادة 321 من قانون العقوبات العراقي، والتي تنص على أنه "إذا حكم على الموظف أو المكلف بخدمة عامة بأي عقوبة مقيدة للحرية عن جريمة اختلاس أموال الدولة فلا يطلق سراحه بقضائه المدة المحكوم بها ما لم تسترد منه الأموال المختلسة ويستثنى من أحكام الإفراج الشرطي ولا تطبق بحقه قوانين العفو العام ولا قرارات تخفيف العقوبة".

ليعود ويشير إلى أن القاضي الذي أصدر الحكم بحق الهميم اكتفى بـ "أن يتعهد بحسن السيرة والسلوك خلال فترة الحكم، وأن يودع في صندوق المحكمة تأمينات مقدارها 200 دينار (أقل من ربع دولار أمريكي) تعاد إليه بعد مضي المدة".

ثم يظهر في الشريط صوت إمام عراقي آخر يتحدث عن "فساد". هذه المرة الاعتراف من خطيب جامع الإمام الأعظم عبد الستار عبد الجبار، الذي قال: "وثائق، ربما إذا أردت أن أقللها سأقول بالعشرات، تثبت وجود أنواع وألوان من الفساد".

وبحسب تحقيق الحرة، فإن "قسماً كبيراً من الوثائق التي أشار إليها عبد الجبار جرى تسريبه من قبل نواب في البرلمان العراقي حين طالبوا باستجواب رئيس ديوان الوقف السني، عبد اللطيف هميم، متهمينه باستغلال الوظيفة الرسمية وهدر المال العام".

ثم يضيف المعلق: "لكن هميم لم يخضع أبداً للمساءلة".

المال والمساومات في الوقف السني

التقرير نسب لمحمد الربيعي، رئيس مؤسسة النهرين لدعم الشفافية والنزاهة، اعتباره أن "محاسبة الفاسدين عملية تخضع لمساومات وتسويات مالية وسياسية".

وظهر الربيعي في التحقيق التلفزيوني وهو يقول: "اليوم المال وحزم العقارات وأموال الوقف السني كافية لوقف جميع تيارات الهجوم أو الأصوات المطالبة بالإصلاح".

أين تذهب أموال المؤسسات الدينية في العراق؟ سؤال طرحته قناة الحرة العراق في تحقيق لها واصفة البحث عن إجابة بـ"عبور حقل ألغام"… أول رد فعل على التحقيق جاء من داخل البرلمان العراقي الذي توعد بمقاضاة القناة فيما علقت السفارة الأمريكية في بغداد ببيان 

وأشار التقرير إلى أن الربيعي قدم لهم وثائق تعود للعام 1994، عندما كان الهميم شريكاً في عقد حكومي لإنشاء مدينة ألعاب ترفيهية في محافظة الأنبار، إذ اختفت الأموال واختفى المشروع بعدها. وتحدث الربيعي عن وجود دعوى قضائية ضد هميم في هذا الشأن.

أما رئيس المركز العراقي لإدارة التنوع غيث التميمي، فنسب له "تشكيكه في قدرة أجهزة الرقابة الحكومية عن وقف عجلة الفساد المسرعة" وتأكيده "عجز القوى السياسية أمام سطوة المؤسسة الدينية في العراق".

وعرضت القناة مشاهد لهتافات محتجين في تظاهرات عراقية سابقة حمل فيها البعض لافتات تقول "باسم الدين باكونة الحرامية".

وظهر التميم وهو يقول: "القوى السياسية جميعها متورطة في الفساد وبغسيل الأموال والفساد الإداري، وهذا ما يجعلها ضعيفة أمام مواجهة من هذا النوع مع المؤسسة الدينية".

وذكر التقرير أن بعض الوثائق المسربة من تعاقدات الوقف السني تكشف عن "رصد قرابة 4 ملايين دولار أمريكي للترويج لحملة مناهضة للتطرف في وسائل الإعلام المحلية المختلفة، فيما يملك الوقف محطة تلفزيونية وإذاعة ومنشورات، فضلاً عن امتلاكه وسيلة أكثر تأثيراً من كل ذلك وهو المنبر الديني".

وعلق التميمي على ذلك قائلاً "هي الحقيقة لا تعمل حملات دينية أكثر من كونها عملية تبادل رشوة مع الإعلام المتعاون مع هذه المؤسسات حتى يغض الطرف عن الوثائق التي يعثر عليها".

وعرض التقرير مجموعة من الوثائق تكشف تعاقدات بأرقام "مبالغ فيها" مع وسائل إعلامية مختلفة لأغراض متنوعة، إحداها مملوكة لنجل رئيس الوقف السني، محمد هميم.

أزمة مصادرة عقارات الوقف السني في بعض المناطق العراقية طرحت هي الأخرى تساؤلات عدة حول موقف رئيس الوقف وثمن سكوته على تلك الملفات، بحسب التقرير.

وهنا لفت الربيعيي إلى أن "هناك عقارات تابعة للوقف السني أصبحت تابعة لجهات أخرى إضافة إلى المتاجرة بها، مثل أراضي جامعة الإسراء (في العاصمة بغداد) والتي كانت تابعة للوقف وليس واضحاً كيف تحولت إلى جامعة وهل جرى بيعها ومتى وكيف حدث".

وأبدى التقرير استغراباً من "تغافل العراقيين" عن ماضي الهميم في الدعاء لصدام حسين (خلال خطبة جمعة في عام 2001) والترويج لسياساته في مقالات، بينما آخرون أزيحوا تماماً من المشهد العام لمجرد انتسابهم لأي مؤسسة كانت تتبع صدام.

"مظلة أمان تمنع المحاسبة"

لكن الربيعي فسر ذلك بأن "هناك مظلة من يدخل تحتها يكون آمناً" مردفاً "كلما كان قريباً من السلطة والفصائل المسلحة أوقريباً من إيران أو يحابيها، أصبح من الصعب على الآخرين مهاجمته أو سحب الشرعية منه".

ويرى التميم أن الدفع بالهميم إلى الواجهة مرة أخرى في عهد رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي "جاء ضمن صفقة كانت تهدف إلى إنتاج منظومة متكاملة لما يمكن تسميته سُنّة إيران أو سُنّة قاسم سليماني".

مفتي العراق؟

تحدث التقرير أيضاً عن مهدي الصميدعي المعتقل السابق بتهم تتعلق بالإرهاب والذي يشغل حالياً منصب مفتي عام العراق والذي وصفته القناة  بـ"أحد الشخصيات السنية المقربة من قادة الميليشيات الشيعية المسلحة ويدير ميليشيا سنية تقاتل مع فصائل الحشد الشعبي".

ونقل التحقيق عن دراسة منشورة لدى مركز كارنيغي للشرق الأوسط أن "الصميدعي غير مؤهل لتولي منصب مفتي الجمهورية العراقية، وقدم المجمع الفقهي العراقي طعناً بحقه أمام مجلس شورى الدولة".

اتهامات للوقف الشيعي

في القسم الثاني من التحقيق، عرضت الحرة شهادات لأشخاص غطت صورهم وغيرت أصواتهم "حفاظاً على سلامتهم ونزولاً عند رغباتهم” على حد قولها.

وتساءل البعض منهم أين تذهب أموال المؤسسات الدينية، ووصفت القناة محاولة الحصول على إجابة على هذا التساؤل بـ"عبور حقل ألغام".

وورد أنه في العام 2013، افتتحت العتبة العباسية شركة لطباعة الكتب في كربلاء، بعد عامين أقدمت العتبة على افتتاح مطبعة أخرى، بداعي خدمة الثقافة والفكر والإعلام.

لكن المطبعتين استحوذتا، وفق التقرير أيضاً، خلال أشهر قليلة على عقود وزارة التربية لطباعة ملايين النسخ من الكتب المدرسية في عموم العراق مقابل بضعة ملايين من الدولارات من خلال احتكار العقود الحكومية في مجال الطباعة. وعلق التحقيق: "نقطة في بحر متلاطم من الاستثمارات المالية التي يقول بعض مواطني كربلاء إنها الوجه الآخر لسطوة رجال الدين في العراق".

وتتبع العتبتان الحسينية والعباسية ديوان الوقف الشيعي الهيئة الدينية المرتبطة بمكتب رئيس الوزراء العراقي مباشرةً.

وأشار التقرير إلى أن نشطاء في كربلاء تحدثوا عن "عدم قدرة أي شخص في العراق انتزاع المناصب المؤبدة للمتولي الشرعي للعتبة الحسينية عبد المهدي الكربلائي والمتولي الشرعي للعتبة العباسية أحمد الصافي والمعينان منذ العام 2003".

وصرح رئيس مؤسسة المستقبل العراقية، انتفاض قنبر، في التقرير قائلاً "الناس بدأت تشعر أن العتبات المقدسة في العراق تجاوزت حدودها كعتبات دينية، إلى تعيين وزراء وإقامة علاقات مع دول، وإنشاء شركات وتجارة. وهذا للأسف إهانة للدين الإسلامي".

أشار التقرير إلى مرتضى الحسن "الذي يظهر في جميع المناسبات إلى جانب أمين عام العتبة الحسينية وأوضح أنه يشرف على معظم المشاريع الاستثمارية". وقال إن "لمرتضى صفات متعددة فيعمل مهندساً بأحد المشاريع وصحافياً يستفيد من مشروع حكومي لتوزيع الهبات والأراضي السكنية على الصحافيين".

وأوضح التقرير أن الصافي أيضاً اتخذ من صهره، ميسم الزيدي، ذراعاً عسكرية وتجارية ضاربة، حيث يدير ميليشيا فرقة العباس القتالية، كما يسيطر على مرآب حكومي للمعدات والآليات العسكرية القديمة. وأردف "تتهمه بعض أطراف ميليشيا الحشد الشعبي بالانتفاع من معاشات أكثر من 3000 مقاتل وهمي تدفع لهم وزارة الدفاع العراقية".

ولفت التقرير إلى اقتراح الحكومة العراقية،قبل عدة سنوات، إنشاء محطات استراحة مجانية لملايين الزائرين للمراقد الدينية في محافظة كربلاء، مبيناً أن العتبتين (العباسية والحسينية) حصلتا على عقود إنشاء تلك المحطات ووضعت يدها على الأراضي الواسعة التي خصصت لها، لتنشئ على إحداها منتجعاً سياحياً يبلغ سعر قضاء الليلة الواحدة فيه أكثر من 90 دولاراً، فيما أُسست على المساحات المتبقية جامعات خاصة. وأشارت القناة إلى أن ذلك أثار غضب واستغراب أهالي كربلاء متسائلين عن مردود تلك المشاريع التي تنمو من المال العام.

وختم التقرير بأنه مطلع العام 2019، أعلن القاضي عزت توفيق جعفر رئيس هيئة النزاهة عن كشف أكثر من 270 مشروعاً متلكئاً في كربلاء متوعداً بمحاسبة الفساد"، لكنه لم يتمكن من إعلان تقريره عن الفساد في المدينة حيث لقي حتفه في حادث مروري في آذار/مارس الماضي.

وخلص التحقيق إلى أن محاولات فضح صفقات الفساد والتجاوزات التي تحدث داخل الوقف السني من قبل شخصيات دينية أو منابر إعلامية في العراق، عادةً ما تخضع إلى مساومات أو تسويات غير معلنة. وعندما يتشجع نواب في البرلمان لإثارتها يجرى "استثمارها ولفترات محدودة خلال المواسم الانتخابية".

وقالت القناة إن الناشطين يواجهون صعوبة في مقاومة فساد المؤسسة الدينية التي تفوق قوتها سلطة الدولة وباتت تمتلك أذرعاً عسكرية واقتصادية وجيشاً من المنتفعين.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard