أنا ناقمة على كل شيخ افترى على الله كذباً

السبت 31 أغسطس 201903:37 م

الذكورية والسلطة الأبوية أحد أهم الجوانب التي تظهر في الموروث الديني بشكلٍ متكرّر، وهي مكرّسة حصراً لجعل المرأة كائناً ناقصاً، ضعيفاً، غير طاهر، لا يصلح للقيادة، ومن الصعب باعتباري أنثى ألّا ألاحظ ذلك، فقد قيل لي حين بلغت ألا ألمس القرآن فترة الحيض لأني غير طاهرة، والقرآن "لا يمسه إلا المطهرون"، مستغلّين جهلي ومتجاهلين كتب المفسّرين التي قالت إن معنى "المطهرون" هم الملائكة لا البشر، وأن الكتاب المكنون هو اللوح المحفوظ عند الله تعالى، وليس الكتاب الورقي المتداول فيما بيننا.

سآخذكم في جولةٍ صغيرةٍ حول فتاوى وقصص انتشرت وتأثرت بها في طفولتي. كنت أتمنى أن تكون لدي المصادر والوقت الكافي لأبحث في التاريخ الإسلامي وأرصد تأثره بالطابع الذكوري للمجتمع العربي، ولكني سأكتفي مؤقتاً بعرض وجهة نظري من خلال بعض الأمثلة.

نسمع دائماً علماء الدين يستدلّون بما ورد في سورة النحل "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون"، محاولين من خلال ذلك التأكيد على دورهم كمصدرٍ لفهم الدين بشكل أفضل، ولكن حقيقة النص لم تكن معنية بهم ولا بعلمهم على وجه التحديد، بل كان الحديث موجهاً من الله تعالى إلى مشركي قريش الذين أنكروا على النبي محمد نبوّته، مشككين في أن الله قد يرسل بشراً عوضاً عن ملاك، فيقول الله تعالى لهم اسألوا أهل الذكر السابقين (أي اليهود والمسيحيين)، ليخبروكم بأن رسلهم كانوا بشراً كذلك، والرسالة هنا واضحة وغير مقتصرة على أمور الدين، وهي أن من لا يعرف يسأل أصحاب الخبرة والعلم. ولكن في بعض الأحيان يجب أن نَحذَر من صاحب العلم غير الأمين الذي قد يضيف ويحذف ليقدم رسالته الخاصة.

أنا ناقمة على كلِّ شيخٍ منافقٍ افترى على الله كذباً، من اجتهد له أجره ولكن اجتهاده يجب أن يبنى على مصدر وليس هواه الشخصي

في حين نقدّر ونكرّم الجهود التي يبذلها شيوخنا الأجلّاء في نقل الدين كما ورد، إلا أنه لابد لنا أن نقف عند أولئك الذين أضافوا إليه لأنهم لم يجدوه حازماً بما يكفي، بل قاصر من وجهة نظرهم ويحتاج إلى مزيد من الشدة والتضييق. لي ذكريات لا تنسى مع الفتاوى المختلفة التي صدرت خلال نشأتي لأنها تركت بصمتها في مسار حياتي وحياة أسرتي، أبرزها تلك الفتوى، التي يتذكرها أغلب بنات جيلي، والتي نصّت على أن الأب يُحاسَب على ذنوب ابنته، وسيسأل عنها يوم تقوم الساعة ويُعذَّب بخطاياها، فتوى صغيرة أصدرت موجةً من الرعب في البيوت الذكورية الأبوية بطبعها، لتلتهم فتات الحرية الذي كنا نحظى به.

على ماذا تستند هذه الفتوى؟

يبقى السؤال مطروحاً بلا إجابة: إلى ماذا استندت هذه الفتوى؟ بعد بحثٍ مطول لم أجد ما يؤكد هذه الفتوى ولكن وجدت ما ينفيها تماماً ومن نص القرآن الكريم، حيث قال الله تعالى في الآية 18 من سورة فاطر "ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى"، لم تنص الآية القرآنية فقط على أن الذنوب لا يحملها سوى صاحبها، بل وأكّدت على أنها لا تُنقل منك إلى شخص آخر، حتى ولو كان ذا قربى وفق تفسير ابن كثير.

ومازال المسلمون حتى اليوم يستدلّون بحديث الرسول "كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته..." لتبرير التحكم والترهيب. أنت راع يا عزيزي ولست جلّاداً، الرعاية لا تعني التحكم ولا فرض الرأي ولا الغصب، أنت تشرف على أطفالك حتى يكبروا ويقرروا لأنفسهم، والمراد من هذا الحديث أن يؤكد الرسول على أن نجاح المجتمع مسؤولية تقع على عاتق جميع أفراده، ومسؤوليتك تجاه أولادك هي في حثّهم على فعل الخير وطاعة الله، وإذا اختاروا غير ذلك فحسابهم عند الله وتكون قد أديت دورك.

إذاً عزيزتي الطفلة التي كبرت، لن يُحاسَب أبيك بالنيابة عنك، كما أنك لن تُعلّقي من شعرك، ولن يخسف بك الثعبانُ الأقرعُ الأرضَ، ولن يكون هناك عذاب في القبر، لأنها محض أساطير سادية، ولن تجدي أيضاً تلك الشعرة التي مثل حد السيف، ولن يطلب منك أحد العبور عليها للوصول إلى الجنة، لأن الصراط المستقيم كما ورد في القرآن الكريم في سورة الأنعام في الآية 151 و 152 هو "ألا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً ولا تقتلوا ولادكم خشية إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون"، "ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط، لا نكلف نفساً إلا وسعها، وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون و أن هذا صراطي المستقيم فاتبعوه".

قليل من المجهود الذي لا يُذكر يبيّن لنا كذب الكثير من الروايات والقصص والفتاوى التي قيلت لنا، فلماذا لا ننقّح الموروث الديني؟ لماذا لا نطلب من المشايخ ذكر المصادر بالتفصيل والسند والأدلة حين يتم إصدار فتوى، وإن كان البعض يظن أن ما ذكرتُ أًصبح ماضياً، أرجو أن تقضوا وقت فراغكم على محرك البحث غوغل ليبهركم بخرافات الحاضر.

لي ذكريات مع فتاوى صدرت خلال نشأتي لأنها تركت بصمتها في حياتي، أبرزها تلك التي يتذكرها أغلب بنات جيلي، والتي نصّت على أن الأب يُحاسَب على ذنوب ابنته... فتوى صغيرة أصدرت موجةً من الرعب في البيوت الذكورية بطبعها، لتلتهم فتات الحرية الذي كنا نحظى به

بعد كل بحث أقوم به يتكرّر ذات السؤال: لماذا نعامل الشيوخ والعلماء كآلهة؟ لماذا ننسى أنهم بشر لهم أهوائهم وتوجهاتهم السياسية والفكرية والعقائدية التي تختلف باختلاف العصر والسُلطة؟ حتى وإن كان النص القرآني واحداً فإن العقول تختلف

لما ننسى أن الشيوخ بشر؟

بعد كل بحث أقوم به يتكرّر ذات السؤال: لماذا نعامل الشيوخ والعلماء كآلهة؟ لماذا ننسى أنهم بشر لهم أهوائهم وتوجهاتهم السياسية والفكرية والعقائدية التي تختلف باختلاف العصر والسُلطة؟ حتى وإن كان النص القرآني واحداً فإن العقول تختلف، لذا نجد شيخاً يؤيد داعش والإخوان والتنظيمات الإسلامية المسلحة وآخر ينتقدها بشدة... ألم يتفقّه كلاهما في ذات الكتاب؟ إذاً أليس من حقنا أن نراجع ونناقش ما يقوله بشر مثلنا؟ من أين جاءت هذه النظرة الدونية للمسلم الذي لا يحمل ألقاباً قبل اسمه تؤهله للحديث باسم الله؟

أنا ناقمة على كلِّ شيخٍ منافقٍ افترى على الله كذباً، من اجتهد له أجره ولكن اجتهاده يجب أن يبنى على مصدر وليس هواه الشخصي، وعلينا أن نبحث ونقرأ لأن الله لا يحتاج لوسطاء، ولأن الدين لا يحتاج لوصاية، ولأن البعض يكذب، البعض يرى في التشدّد قوة إيمان متناسياً قول الرسول "إياكم والغلوّ في الدين". أنا لا أدّعي التقوى وأنا غارقة في الذنوب، ولكني لا أيأس من رحمته ولا أكذب بلسانه ولا أسعى من خلال بحثي للتشكيك وإنما للتثبّت... أسعى لأن أعتنق ديني بقوّةٍ ويقين وليس ببطاقة تحقيق الشخصية.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard