عن أسئلة تطاردني حول المثقف العربي "التنويري" وموقفه من المثلية

الجمعة 30 أغسطس 201905:55 م

تثيرني كتابات بعض المثقفين العرب وتعليقاتهم في ضوء حوادث يتعرض لها أفراد وناشطون وتنظيمات وفنانون منتمون لمجتمع الميم.

تعليقات هؤلاء تجعلني مذهولاً من الطريقة التي يرى بها المثقف العربي "الحرية الشخصية" و"التعددية الجنسانية"، ومن نظرته الملأى بـ"صورة الأب" البطريركي، وفيها من الاستبداد ما يلغي في الأصل الدور المُناط بالمثقف "التنويري" وتفاعله مع التغيرات الفكرية والفلسفية والمجتمعية القائمة.

نعيش اليوم "تحولات" الربيع العربي الذي فتح المجال لما يُسمى بـ"مثقف عربي جديد" يتعاطى مع قضايا المجتمع من منطلق حداثوي، وينتصر لحق الفرد في تقرير مصيره ضد قبضة الأمن والديكتاتوريات والقبليات الضيقة، وضد سلطات "بطريركية" تحد من الحريات ومفاهيمها وتغلق أمام الأفراد مساحاتهم كبنى وأجزاء من النسيج العام.

دور المثقف والوعي العام

ولأن دور المثقف يتمحور، كما هو معروف، في تشكيل "دعامات" الوعي لدى الأفراد ويتحمل مسؤولية مضمرة في "مأسسة" قيم الانفتاح والمناصرة، فإن مجموعة من الأسئلة تطاردني بشأن المثقفين العرب وذهنية تعاطيهم مع قضايا الجندر من "منطلقات" ذكورية محضة، لا سيما قضايا المثلية الجنسية وتحولاتها في مجتمع عربي لم يعد نفسه بعد شرارة الثورات. وكلها ثورات كانت أظهرت في نسيجها "مناصرة" لمجتمع الميم من خلال التظاهرات والحراك المدني.

مثقفو الاستبداد

بعد الجدل الذي أثارته قصة فرقة "مشروع ليلى" والخروج" الكنسي عليها مرافقاً بأقلام صحافيين وسياسيين وناشطين ومحامين وفاعلين في المجتمع المدني شهّروا بأعضاء الفرقة وتناولوا المثلية الجنسية من منظور رجعي وظلامي، فضلاً عما دار من سجالات حول نشاط جمعية "القوس" المهتمة بقضايا الجندر في فلسطين، يحضرني سؤال جدي لطالما فكرت فيه وهو يتصل بتعاطي المثقفين العرب مع هذه القضايا.

كيف يهلّل بعضهم لبيان الشرطة الفلسطينية المحرض على خطاب الكراهية ضد فئة مهمشة من المجتمع الفلسطيني، وهو بيان جاء بعد دعوة الجمعية إلى نشاط خاص بمجتمع الميم لا يخاطب في الأصل إلا أهله، وليس "دعوة عامة"؟

المثقف ومفاهيم القبيلة

ربما لأنني أفترض أن مجتمعاتنا العربية غير مستعدة لاستيعاب أنشطة مماثلة في الفضاء العام والرحب، كما هي في الأصل مرحبة بشكل ظاهر بفضاءات العنف والعنف المضاد، أجد خطوة "جمعية القوس" نحو استيلاد مساحات ضيقة لمجتمع الميم، نوعاً من استدراك خطورة "توسيع الأطر" على أفراد هذا المجتمع، لا سيما أن حادثة قتل شاب مثلي على يد شقيقه في بلدة طمرة الفلسطينية لم يمر عليها زمن.

وتتقاطع الحادثتان في تعليقات "بعض" المثقفين الذين التقوا على إعلاء صورة "قبلية" عن مفاهيم بائدة مثل "الناموس والشرف والثأر". وهي مفاهيم لفظية وسلوكيات عنفية يتبناها بعض العوام، والمفترض أن لا يستخدمها المثقف الميال إلى دعم الثورات والحريات لأن خطورة استخدامها أكثر فجاجة وتأثيراً، كونها قد تُسجّل وتُوثّق وقد يُعاد قراءتها واعتمادها.

لأن قضايا الجندر باتت تشغل الفضاء العربي، وتثير جدلاً ثقافياً وهوياتياً، لا بد من فهم ظاهرة المثقف الذي يفكر بمنطق الاستبداد... عن المثقف الذي يدعي "التنوّر" ويواجه أسئلة الهوية الجنسية بمنطق أحادي - ذكوري

أشكك فعلياً في بعض المثقفين وكتاباتهم عن الحريات ومآلات الثورات ودعمها، وتدوينهم كراسات ومقالات مطولة في مفاهيم "الدمقرطة"، لكن حين يُقارب النقاش مسائل التنوع الجنساني يعود المثقف كابن بار للمنظومة التي ثار عليها

ولأن قضايا الجندر باتت تحتل اهتماماً لا بأس به في الفضاء العربي، وبين أوساط النخبة، وتثير جدلاً ثقافياً وهوياتياً، لا بد من فهم ظاهرة المثقف الذي يفكر بمنطق الاستبداد، ويشكك في أسئلة الهوية الجنسية من منطق التعددية إلى منطق أحادي - ذكوري.

وضمن هذه الظاهرة، يمارس المثقف خطاباً ضيقاً هدفه "تأطير" شكل العلاقات الاجتماعية ضمن "جندريات" ماضوية، أي أنها لا تزال تستنبت مفاهيمها من منظومة تنظر إلى شكل واحد للعلاقة بين رجل وامرأة، ولا ترى في التنوع الجندري والجنساني سوى "خروج عن المجتمع" أو "مرض نفسي" لا بد من علاجه.

تكريس الخرافات

توقفت خلال قراءاتي على مدى هذا الشهر، بما حمله من تحولات تعني مجتمع الميم مباشرة، أمام تعليقات أقل ما يقال عنها إنها "جاهلة" وينم بعضها عن "كره للاختلاف" أو تكريس "خرافات" عفا عليها الزمن، ومنها اعتبار المثلية "شذوذاً" أو "مرضاً معدياً"، كما كتب أحدهم.

هذا الاعتقاد يدحض "الأساس" الذي يتعاطى معه المثقف، كالمُعطى المعرفي والمعلومة المثبتة والسياق العلمي والمنهج التحليلي، وكلها قد يتجاهلها المثقف العربي لاعتبارات موغلة بالذكورية ومشاعر الانتقاص من الرجولة. وفي هذه الحالة ينتفي بالنسبة له العلم وتنتفي بيانات المنظمات النفسية والطبية التي ألغت كل القرارات المسيئة للمثليين والمثليات والعابرين والعابرات جنسياً، ولم تعد تنظر إلى المثلية بكونها مرضاً بل تنوعاً في البيت الجندري.

هذه التعليقات جعلتني أشكك فعلياً في بعض المثقفين وكتاباتهم عن الحريات ومآلات الثورات ودعمها، وتدوينهم كراسات ومقالات مطولة في مفاهيم "الدمقرطة"، لكن حين يُقارب النقاش مسائل التنوع الجنساني يعود المثقف - كابن بار للمنظومة التي ثار عليها وكتب ضدها - إلى قبيلته ومزارعها.

المثقف الذي يجيز لنفسه اعتبار الجنسانية ونقاشها خارج اهتماماته، أو يعالجها من نافذته الذكورية المتعالية، لا يكرس إلا "الهيغمونيا" أو كما عرّفها ابن خلدون بـ"أنظمة الغلبة والاستبداد"

هذا ما يجعلنا نتدارس ما يُطلَق عليه "مثقف السلطة" الذي يتبنى أفكاراً سياسية واجتماعية تتناسب مع الأجندات القائمة والفرضيات المثبتة عبر الأمن والزعامات والعشائرية، في حين أن المثقف الحقيقي يُعلي بشغله البحثي والكتابي ورؤيته العامة دفاعه عن الإنسان، وخصوصاً حقوقه المدنية وحرياته الجنسية.

ويقع المثقف الحقيقي في صلب النقاش الهوياتي والجندري، وفيه ليس عليه أن يكون إلى جانب السلطة (الشرطة الفلسطينية مثالاً)، أو إلى جانب المنظومة الدينية (الكنيسة المارونية في لبنان مثالاً)، أو إلى جانب العشيرة والعائلة التي تستمد قوتها من أعراف بالية.

والمثقف الذي يجيز لنفسه اعتبار الجنسانية ونقاشها خارج اهتماماته، أو يعالجها من نافذته الذكورية المتعالية، لا يكرس إلا "الهيغمونيا" أو كما عرّفها ابن خلدون بـ"أنظمة الغلبة والاستبداد"، فتتحول وظيفته من مواجهة هذه الأنظمة إلى "خادم" لها.

والحال أن مثقفين كثراً وقفوا ضد "الاستبداد"، والأمثلة التاريخية كثيرة مثل ألبير كامو وفرانز فانون ودولوز وإدوار سعيد، إلا أن أزمة المثقف العربي المعاصر تقوم على ثلاثة أعمدة لا يبارحها، وهي تتعلق بالسلطة والمصالح والأيديولوجيا. وهنا يقع الخلاف في قراءة المثقف لتحولات المجتمع.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard