صفحات فيسبوك الممولة... هل يمكن ضبطها خلال انتخابات تونس؟

الجمعة 30 أغسطس 201904:04 م

لم يكن غلق باب الترشحات للانتخابات الرئاسية والتشريعية في تونس سوى انطلاقة نقاش جديد حول حملات المتسابقين إلى باردو وقرطاج ومدى التزامهم قوانين اللعبة الانتخابية، خاصة في ما يتعلق بالإشهار السياسي وتحديداً على مواقع التواصل الاجتماعي.

الحديث عن استغلال هذه المواقع، وأبرزها فيسبوك، خلال الانتخابات، لم يبدأ في تونس اليوم، لكن السؤال يتزايد حول إمكانية استباق الجهات المعنية بالعملية الانتخابية أي انتهاكات، والعمل على منع التجاوزات على هذه المنصات قبل المحطتين الرئاسية والتشريعية؟

التراشق بالتهم

لم تُفتح بعد أبواب مكاتب الاقتراع، لكن التراشق بالتهم سجل حضوره عندما نشرت "الهيئة العليا المستقلة للانتخابات" أسماء النواب الذين زكّوا المرشحين للانتخابات الرئاسية، وبدأ الحديث عن شبهات تزوير عدد من المرشحين تواقيع التزكيات.

وإزاء مثل هذه التجاوزات، كانت هيئة الانتخابات قد أعلنت في بيان في 17 آب/ أغسطس الجاري أنها فتحت سجلاً لقبول الاعتراضات على هذه التزكيات في مقار الهيئات الفرعية التابعة لها، مؤكدة أنها ستتولى المتابعة القانونية لهذا الملف.

وتتواصل التحضيرات للاستحقاقين الرئاسي والتشريعي بعدما أعلنت الهيئة قبولها رسمياً 26 مرشحاً ومرشحة لخوض غمار الانتخابات الرئاسية في حين بلغ عدد المرشحين في الانتخابات التشريعية حوالى 15 ألفاً، حسب ما أفاد به نائب رئيس هيئة الانتخابات الأول فاروق بوعسكر لرصيف22.

وبالنسبة للمحلل السياسي محمد صالح العبيدي، فإن رجال أعمال يسعون لدخول البرلمان بهدف امتلاك الحصانة البرلمانية التي تُبعد عنهم شبح الملاحقات القضائية. 

ويقول العبيدي: "الرغبات الجامحة لهؤلاء في الوصول إلى البرلمان لا تهدف لخدمة الصالح العام"، شارحاً أن "هذه الظاهرة قد شهدتها تونس في الانتخابات الماضية وفي انتخابات المجلس التأسيسي عام 2011 إذ سجل هؤلاء أضعف نسبة حضور في البرلمان، وهو ما يؤكد نياتهم السلبية التي اقتصرت على امتلاك حصانة برلمانية".

فيسبوك وقواعد اللعبة

الانتخابات الرئاسية السابقة لأوانها، والمزمع إجراؤها في 15 أيلول/ سبتمبر المقبل، تشهد بدورها تنافساً حاداً بين تيارات مختلفة، لكن اللافت هذه المرة هو الانقسام الحاد الذي تجلى في تنافس مرشحين من العائلة السياسية نفسها، وهذا ما أثار مخاوف من تشتت أصوات الناخبين.

هذه المخاوف رافقتها تحركات مكثفة في الكواليس لإقناع بعض المرشحين بالانسحاب لمصلحة آخرين، إذ فاجأ النائب عن حزب "البديل" التونسي وسام السعيدي الجميع في وقت متأخر من ليل الأحد 18 أب/ أغسطس بتدوينة على فيسبوك يعلن فيها انسحاب المرشح ووزير الدفاع عبد الكريم الزبيدي لمصلحة مرشحهم ورئيس الحكومة السابق مهدي جمعة. إعلان أعقبه نفيٌ من إدارة حملة الزبيدي، لكن السعيدي تدارك في تصريحات إعلامية ليقر بوجود اتصالات مع الزبيدي وأنه يفكر جدياً في الانسحاب، وهو ما لم يؤكده الأخير.

جددت هذه التدوينة التي رأى فيها البعض ضرباً للزبيدي الحديث عن مدى الرقابة على مواقع التواصل الاجتماعي لضمان احترام قواعد اللعبة الانتخابية. 

الصفحات الممولة وإرادة الناخبين

يتعاظم حضور فيسبوك في حياة التونسيين، وقد أكدت دراسة أنجزتها جمعية "بر الأمان" أن فيسبوك يعد المصدر الرئيسي للأخبار بنسبة 41٪ مقابل 19٪ لمصلحة التلفزيون.

مع اقتراب الانتخابات الرئاسية ثم التشريعية في تونس، تتزايد المخاوف من استغلال العشرات من الصفحات الممولة على فيسبوك لضرب خصوم أو خدمة آخرين بطرق غير مشروعة... فهل تنجح "هيئة الانتخابات" والمنظمات المعنية في ضبط الأمر؟
ما مدى الرقابة على الصفحات المموّلة في فيسبوك؟ عاد السؤال ليتجدد مع الاستعداد للانتخابات الرئاسية في تونس، وسط تحذيرات من مخاطر هذه الصفحات يقابلها تطمينات من هيئة الانتخابات ومنظمات كـ"أنا يقظ" التي تسعى لتحديد الصفحات التي يتم استغلالها 

وبحسب الدراسة، يستخدم أكثر من 7 ملايين تونسي هذا الموقع، وأمام انتشار الصفحات الممولة على فيسبوك لدعم بعض المرشحين تجد هيئة الانتخابات نفسها أمام تحد جديد هو منع هذه الصفحات من التأثير في إرادة الناخبين.

ويقول الباحث والأكاديمي التونسي الصادق الحمامي لرصيف22: "الهيئة مُطالبة اليوم باللجوء للتواصل مع إدارة شركة فيسبوك، وهي الشركة الوحيدة التي تمتلك آليات تمنع مثل هذه الانتهاكات".

ويضيف الحمامي مستشهداً أن إدارة فيسبوك تمكنت من نشر فريق من 100 شخص في الانتخابات الأوروبية الأخيرة يعملون في اختصاصات عدة على غرار مكافحة الجوسسة والأمن المعلوماتي والصحافة بهدف منع التجاوزات.

ويمنع الفصل 57 من القانون الانتخابي التونسي الإشهار السياسي في الفترة الانتخابية، لكن المخاوف تتزايد يومياً من استغلال العشرات بل المئات من الصفحات الممولة على فيسبوك لضرب خصوم أو خدمة آخرين بطرائق غير مشروعة برغم تطمينات هيئة الانتخابات.

مراقبة الصفحات مدفوعة الثمن

تتميز هذه الانتخابات عن سابقاتها بتجنيد عدد من منظمات المجتمع المدني لمراقبتها عن كثب، على غرار شبكة "مراقبون" ومنظمة ''أنا يقظ''، فضلاً عن إرسال الاتحاد الأوروبي لبعثة للمساهمة في عملية المراقبة.

ما تشهده الساحة الانتخابية من تصريحات لمرشحين حول مواقفهم من قضايا معينة على فيسبوك، يُحيلنا للحديث عن مدى تمكن جهات المراقبة، وخاصة هيئة الانتخابات، من ضبط هذه الصفحات ولا سيما خلال فترة الصمت الانتخابي.

ويقول عضو الهيئة فاروق بوعسكر لرصيف22: "من الممكن اختزال مخاطر هذه الصفحات في ثلاثة مستويات، أولاً: مستوى التمويل الأجنبي، وثانياً: مستوى انتهاك القانون من خلال القيام بإشهار سياسي في فترة انتخابية، وثالثاً مستوى تجاوز سقف الإنفاق الانتخابي التي تقوم الهيئة بتحديده". 

وفي ظل المخاوف من انتهاكات محتملة على فيسبوك، يؤكد بوعسكر على أن هيئة الانتخابات عيّنت فريقاً مختصاً بالمجال الرقمي لمراقبة هذه الصفحات ومنع قيامها بانتهاكات خلال الفترة الانتخابية أو قبلها.

الصفحات الفيسبوكية المموّلة للحملات الانتخابية تتيح إمكانية نشر فيديوهات وصور مفبركة، وتحديداً تلك التي تقتطع تصريحات لمرشحين وتشوهها، فضلاً عن وصولها لأكبر عدد من الناخبين

من جهتها، تقول عضو منظمة "أنا يقظ" يسرى مقدم لرصيف22 إن منظمتها بصدد التحضير لطرح مبادرة من أجل تحديد الصفحات التي يتم استغلالها وبيعها وشراؤها عبر هذا الموقع، مشددة على "ضرورة مراجعة تمويل هذه الصفحات خاصة أن هذا التمويل يعتمد على العملة الصعبة".

مقدم التي لم تُخفِ ضغط روزنامة الانتخابات على عمل المنظمة وباقي الأطراف المعنية، خاصة بعد رحيل الرئيس السابق الباجي قائد السبسي الذي أوجد ظروفاً استثنائية، تشرح أن التنسيق قائم بين منظمتهم والجمعيات والشبكات الأخرى المعنية بمراقبة الانتخابات.

وتؤكد مقدم أن العمل متواصل على إيجاد حلول لمنع هذه الصفحات من القيام بانتهاكات، وذلك من خلال حصر هذه الصفحات الممولة أولاً.

يُشار إلى أن الصفحات الفيسبوكية المموّلة للحملات الانتخابية تتيح إمكانية نشر فيديوهات وصور مفبركة، وتحديداً تلك التي تقتطع تصريحات لمرشحين وتشوهها، فضلاً عن وصولها لأكبر عدد من الناخبين.

وعلى الرغم من تطمينات هيئة الانتخابات في تونس والأطراف المعنية بالعملية الانتخابية لناحية مراقبة وسائل التواصل الاجتماعي، فإن القلق يساور التونسيين من ضرب الانتقال الديمقراطي من خلال منصات لعبت دوراً حاسماً في هذا الانتقال وجعلت الشارع التونسي يهب لإطاحة نظام دام 23 عاماً.

لكن مع التطور التقني الحاصل، تحولت هذه المنصات إلى أداة يمكن توظيفها سياسياً في اتجاهين مختلفين تمام الاختلاف، فهل تنجح الهيئات والمنظمات والجمعيات الموكلة مراقبة هذه العملية في تخطي الرهان بنجاح؟ 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard