"اغتصاب باسم العهد الإسلامي"... مخاوف حقوقية من "أسلمة" حقوق الطفل في المغرب

الجمعة 30 أغسطس 201905:08 م

أثار قرار مصادقة الحكومة المغربية على "عهد حقوق الطفل في الإسلام"، جدلاً في الساحة الحقوقية المغربية، وطفت على السطح مجموعة من الأصوات المنتقدة لهذه الخطوة، على اعتبار أنها تشكل نوعاً من التمييز العنصري في الحقوق بين الطفل المسلم والطفل غير المسلم.

وطرحت المصادقة على "العهد" الذي اعتمدته منظمة المؤتمر الإسلامي، تساؤلات حول جدوى اعتماده في ظل وجود مواثيق دولية تحمي حقوق الطفل، وحول ما إذا كان الأمر يشكل بداية لأسلمة حقوق الطفل في المغرب، وحول إمكانية تناقضه مع المواثيق الدولية.

وسبق للمغرب أن صادق عام 1993 على الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل التي تتضمن جميع الحقوق الأساسية للطفل.

"حكاية عهد حقوق الطفل في الإسلام"

في صيف 2005، من العاصمة اليمنية صنعاء، أصدر المؤتمر الـ32 لوزراء خارجية الدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي، توصية بإقرار مشروع حقوق الطفل في الإسلام، وصاغت لجنة الشؤون القانونية التابعة للمنظمة مشروع عهد حقوق الطفل في الإسلام.

وأشارت اللجنة في تصديرها للعهد إلى أن دوافع اعتماده تكمن في تحقيق الأهداف النبيلة للدين الإسلامي، وذلك بتعزيز حقوق الإنسان المعترف بها دولياً وحمايتها".

وتحدثت اللجنة عن "ضرورة حماية حقوق الإنسان مع أخذ الاعتبار للخصوصية الدينية والوطنية والإقليمية، وشتى الخلفيات التاريخية والثقافية"، لافتةً إلى أنه يحق للدول، عند الاقتضاء، إبداء تحفظاتها على العهود والمواثيق والاتفاقيات الدولية التي تنضم إليها باعتبار ذلك حقاً سيادياً لها.

يتطرق العهد الذي يتألف من 26 مادة إلى مواضيع مثل الهوية، الحق في الحياة، المساواة، الحريات الخاصة ويشير إلى أنه وُضع من أجل تحقيق مجموعة من المقاصد، أبرزها تأمين طفولة سوية وآمنة وضمان تنشئة أجيال من الأطفال المسلمين يؤمنون بربهم ويتمسكون بعقيدتهم، كما ركّز على ضرورة تعميم التعليم الأساسي الإلزامي والثانوي بالمجان لجميع الأطفال بغض النظر عن الجنس أو اللون او الدين او الجنسية أو المولد.

إضافة إلى ذلك، دعا إلى تعميم وتعميق الاهتمام بمرحلة الطفولة والمراهقة ورعايتها، ونص على المساواة في الرعاية والحقوق والواجبات بين الأطفال، كما دعا إلى عدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي دولة، ومراعاة ثوابت الأمة الإسلامية الثقافية والحضارية.

ماذا تعني مصادقة الحكومة؟

في 22 آب/ أغسطس 2019، صادقت الحكومة المغربية على مشروع قانون "عهد حقوق الطفل في الإسلام"، ويهدف هذا العهد، حسب بلاغ الحكومة، "إلى تحقيق المقاصد المرتبطة برعاية الأسرة وتعزيز مكانتها وتأمين طفولة سوية وآمنة وتعميم التعليم الأساسي الإلزامي والثانوي بالمجان لجميع الأطفال بغض النظر عن الجنس أو اللون أو الجنسية أو الدين أو أي اعتبار آخر، إلى جانب توفير الرعاية اللازمة للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة".

وبعد جلسة الحكومة مباشرة، أوضح الوزير المكلف بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني والناطق الرسمي باسم الحكومة مصطفى الخلفي أن هذا العهد "يفرض على الدول الأطراف أن تكفل ضمن تشريعاتها الوطنية تمتع الأطفال اللاجئين أو مَن في حكمهم بالحقوق المنصوص عليها فيه".

على ماذا ركّزت الانتقادات؟

أثارت خطوة انضمام المغرب إلى هذا العهد حفيظة الكثير من الفاعلين الحقوقيين، إذ اعتبر أغلبهم أن مضامينه تناقض التزامات المملكة الدولية، وتشكل تراجعاً عن مقتضيات سبقت المصادقة عليها، في حين عبّرت آراء عن حيادها الإيجابي وشددت على أن هذا العهد لن يشكل تراجعاً عن الالتزامات السابقة.

وأمام غياب معارضة الأحزاب السياسية لهذا الموضوع، بزغت في سماء النقاش أسماء مهتمة بقضايا حقوق الإنسان، انتقدت الخطوة.

فالناشط الحقوقي عزيز إدمين اعتبر المصادقة على هذا العهد بمثابة خطوة تؤسس لنظام تمييزي عنصري بين الطفل المسلم وغير المسلم، متحدثاً عن "اغتصاب حقوق الطفل باسم العهد الإسلامي".

وأبدى الناشط الحقوقي تخوفه من توجه القضاء للاستناد على هذا العهد عوض أحكام القانون الدولي، مضيفاً: "إن الأحزاب السياسية التي تدّعي الحداثة والتقدمية والمعاصرة، توجد أمام امتحان ربط خطابها بالممارسة، وذلك بحث فرقها البرلمانية بعدم المصادقة داخل اللجنة المختصة بالبرلمان على مشروع قانون هذا العهد".

ومن هذه المنطلقات، طالب "بتشكيل جبهة وطنية لمواجهة المد المحافظ داخل منظومة حقوق الإنسان بالمغرب".

من ناحية أخرى، عبّر مركز دراسات حقوق الإنسان والديمقراطية عن عدم رضاه عن الخطوة، معتبراً أن العهد "لا يرقى إلى الالتزامات الدولية التي صادق عليها المغرب، كما أنه يتضمن قضايا خلافية مثل تنصيصه على حظر الإجهاض".

وأثار المركز الانتباه إلى أن "عهد حقوق الطفل في الإسلام يثير قضايا خلافية كانت موضوع دينامية حوار وطني، كتنصيصه على حظر الإجهاض إلا إذا كانت صحة الأم والجنين في خطر".

كما انتقد المركز عدم تفعيل الحكومة لمقتضيات المادة 27 من القانون التنظيمي للمجلس الوطني لحقوق الإنسان والتي تنص على أن تحيل السلطات المختصة إلى المجلس مشاريع المعاهدات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان قصد إبداء الرأي بشأنها، وذلك ضماناً لتناسق سياسة الدولة وتكامل أدوار مؤسساتها خدمةً للنهوض بحقوق الإنسان وحمايتها.

بدوره، كتب الباحث في قضايا الإسلام السياسي والتنظيمات المتطرفة والإرهابية سعيد الكحل مقالاً بعنوان "حكومة البيجيدي تصادق على مصادرة حق الطفل"، و"البيجيدي" هو حزب العدالة والتنمية ذو التوجه الإسلامي الذي يقود الحكومة الحالية.

وأكد الكحل أن مصادقة الحكومة على هذا العهد تشكل خطورة مباشرة على حقوق الطفل المعتمدة من طرف الأمم المتحدة والتي صادق عليها المغرب وأدرج مقتضياتها في الدستور، مبرزاً "أن الخطورة تكمن في الإطار المرجعي، الذي يؤطر هذه الحقوق، وهو الإطار الفقهي الموروث عن عصور الانحطاط والذي ظل ولا يزال يحول دون تطوير التشريعات في مجال حقوق النساء والأطفال والأقليات والحريات العامة والفردية، بل يحول دون الاستفادة من المكتسبات الحضارية للإنسانية".

"الخطورة تكمن في الإطار المرجعي الذي يؤطر هذه الحقوق وهو الإطار الفقهي الموروث عن عصور الانحطاط والذي ظل ولا يزال يحول دون تطوير التشريعات"... مخاوف حقوقية من مصادقة الحكومة المغربية على "عهد حقوق الطفل في الإسلام"
ناشط يحذّر من "اغتصاب حقوق الطفل باسم العهد الإسلامي"، وآخر من العودة إلى "الإطار الفقهي الموروث عن عصور الانحطاط"... مخاوف حقوقية من مصادقة الحكومة المغربية على "عهد حقوق الطفل في الإسلام"

ماذا يقول المؤيدون؟

على الضفة الأخرى من المشهد، اعتبرت بعض الآراء أن هذا التوقيع لا يؤثر بتاتاً على الحقوق المنصوص عليها في المواثيق الدولية حول حقوق الطفل.

واعتبر الناشط المهتم بحقوق الطفل عبد الحق منيب أن العهد لا يشكل تراجعاً حقوقياً للطفولة في المغرب، مستشهداً بتأكيد الدستور المغربي على سمو القوانين والمواثيق الدولية التي صادق عليها المغرب.

ويقول منيب لرصيف22 إن الفقرة 12 من تصدير الدستور المغربي تفيد بأن الاتفاقيات الدولية التي يصادق عليها المغرب تسمو على التشريعات الوطنية ما يستدعي العمل على ملاءمة هذه التشريعات معها بحال وجود أي تعارض، وهذا يعني أن "مصادقة المغرب على العهد المذكور لا تعني تراجعاً في مجال حقوق الطفل".

من جهتها، أشارت الباحثة في مجال حقوق الطفل والمهتمة بمراقبة التشريعات المغربية لبنى الجرموني إلى أن عبارة "كما صادق عليها المغرب"، المتضمنة في الدستور المغربي يفهمها جيداً رجال القانون، مشيرة إلى أن المغرب صادق فعلاً على اتفاقية حقوق الطفل الدولية، لكنه أبدى بعض التحفظات، وخاصة على أحكام المادة الرابعة عشرة منها والتي تعترف للطفل بالحق في حرية الدين، نظراً لأن الإسلام هو دين الدولة.

وأضافت لرصيف22 أن مسألة التحفظ معمول بها في إجراءات المصادقة على الاتفاقيات، أكان مستواها دولياً أو إقليمياً أو جهوياً.

وتابعت أن الاتفاقيات يجب أن تخضع لثوابت كل دولة، لاعتبارات عدة، دينية وسيادية وتشريعية، مؤكدة أن المغرب رغم انضمامه لعهد حقوق الطفل في الإسلام فإنه يطبق تعاليم الدين الإسلامي بناء على المذهب المالكي، وهذه نقطة من الثوابت.

وكان الناطق الرسمي باسم الحكومة مصطفى الخلفي، قد أشار، بعد نهاية الاجتماع الأسبوعي للحكومة في 29 آب/ أغسطس، إلى أن "الانتقادات التي وجهت للحكومة كانت موضوع نقاش مستفيض داخل اجتماع المجلس الحكومي، لافتاً إلى أنه "ليس هناك أي انتقاص من الحقوق المقررة دولياً، بل هناك حقوق إضافية جرى التنصيص عليها في عهد حقوق الطفل في الإسلام".

"ملاحظات مقرّب من الحكومة"

من بين الملاحظات التي أبداها موظف رفيع في إحدى الوزارات المغربية، رفض الكشف عن هويته، أن مضمون الاتفاقية لن يؤثر إجمالاً على الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل التي اعتمدها المغرب سنة 1993.

غير أن المسؤول نفسه أوضح لرصيف22 أن الحكومة كان عليها أن تستشير بعض المؤسسات والمنظمات الحكومية المعنية بحقوق الطفل وبالطفولة عموماً، كاشفاً أنها لم تتواصل مع المرصد الوطني لحقوق الطفل، والمجلس الوطني لحقوق الإنسان والعصبة المغربية لحماية الطفولة، وغيرها من الهيئات والجهات المعنية، كما لفت إلى أن وزارة الأسرة والطفل لم تفتح أي حوار أو نقاش مع الهيئات السابق ذكرها.

الآن، سيتم إحالة المشروع الذي أقرّته الحكومة على البرلمان ليناقشه ويبدي ملاحظاته عليه، وبحال صادق عليه البرلمان بغرفتيه يتم رفعه إلى الحكومة التي بدورها تحيله على الأمانة العامة للحكومة لتتولى نشره في الجريدة الرسمية، وبالتالي يصبح ساري المفعول.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard