أسطورة العذرية عند العرب... إلى أين يذهب الهوس بشهادة "الشرف"؟

الخميس 29 أغسطس 201905:42 م

حكم "تاريخي" ينسف "هوس العذرية" بين المجتمعات المسلمة التي تضع شرف المرأة بين فخذيها، وتُوصِيها دوماً بـ"الحفاظ" على غشاء بكارتها، هكذا وُصف أمر محكمة عليا في بنغلاديش يوم 25 آب/أغسطس بحذف كلمة "بكر" (عذراء) المستخدمة في عقود زواج الغالبية المسلمة منذ عام 1961 والاكتفاء بـ"غير متزوجة"، لاعتبار نشطاء أن في وصف "عذراء"، إهانة وعنصرية.

يذهب الهوس بالعذرية بعيداً بأصحابه (أصحابه لا تعني المرأة هنا بل أولياء أمورها في المجتمعات المحافظة) فلا يهدأ لبعض الأهل بال حتى يعلن الزوج ليلة دخلته على عروسته تمزّق "الغشاء" مع نزف قطرات دم "تُبرّئُها" من أي شكوك. فمن أي رحم ولد هذا الهوس وتغلغل في المخيال الشعبي العربي؟

تُعرِّف الدكتورة والباحثة الأنثروبولوجية المهتمة بالدراسات الجندرية، سوسان جرجس العذرية بمعناها البيولوجي بـ"الحفاظ على غشاء البكارة الذي يعتبر واقعةً فريدة تميّز النساء عن كل الثدييات"، وتعرّفها اجتماعياً بمجموعة قيم متعلقة بها مثل "الشرف والفضيلة والعفّة والالتزام والحياء والخجل"، مشيرةً إلى أن دمج البكارة والشرف يجعل من هذا الغشاء "رأسمالاً غالياً لا يمكن أن يعوّض".

وتقول جرجس إن الإيديولوجيات الدينية لعبت دوراً مهماً في ترسيخ قيمة البكارة، موضحةً أن في الإسلام، وُعد المسلم بِحور عين "لم يطمثهنّ إنسٌ قبلهم ولا جن"، كما جاء في القرآن الكريم أيضاً: "إنّا أنشأنهنّ إنشاء فجعلناهنّ أبكاراً عُرُباً أتراباً". أما في المسيحية، فتم تقديم صورة السيدة مريم العذراء كصورة نموذجية، وفقاً لجرجس، وبالتالي تدخل كل إمرأة مخالفة لهذه الصورة "في باب العهر والزنى".

اللافت استخدام "آليات" للحفاظ على العذرية، من بينها الختان وهو الإزالة الجزئية أو الكلية للأعضاء التناسلية الخارجية أو إصابتها، لأسباب غير طبية، بل اجتماعية، مقصدها "الحفاظ على عفّة المرأة". ويعتمد البعض آليات غير مباشرة لحماية العذرية من بينها رقابة المرأة، والزواج المبكر، وعدم التربية الجنسية، والالتزام الديني والتشديد على ما يعتبر حراماً، وعدم التزين والفصل بين الجنسين.

وارتبطت "العذرية" بـ"العفة" أيضاً منذ أيام الجاهلية من خلال الشعر العذري، الذي يُعبّر الشعراء من خلاله عن حبّهم دون التطرّق إلى الجنس، أو جسد المرأة، وقد وصفوا حبهم هذا بـ"الطاهر". وسُمّي الشعر بـ"العذري" نسبةً لقبيلةٍ حملت اسم "عُذرة" في الجاهليّة، ويقال إن أبناءها عُرفوا برقة مشاعرهم وكثرة العشاق منهم، حتى أن بعضهم كانوا يموتون حباً. ومن أبرز خصائص هذا الشعر "انعكاس الأخلاق، والعفاف في الحديث عن الحب وتضمينه معاني رقيقةً وبعيدةً عن الفحش والبذاءة".

"أمي كتفتني، ومسكت مرات عمي والداية كل واحدة رجل عشان يمنعوني من 'الترفيص'، وفضّ أبو عمرو بكارتي بأصبعه"... إلى أين يذهب الهوس بشهادة "الشرف" في المجتمعات العربية؟
إنه مجتمع مهووس بإثبات العذرية. تتعدد الطرق، والنتيجة واحدة: الشك الدائم بجنس حوّاء وربط شرفهنّ بما إن كنّ قد مارسن الجنس قبل الزواج أم لا… وهذه بعض نماذج من الهوس بالعذرية في المجتمعات العربية 

"الفتاة لا تفقد عذريتها، بل تتخلّص منها"

تقول الصحافية والناشطة في مجال حقوق المرأة جمانة حداد إن "الفتاة لا تفقد عذريتها، بل تتخلّص منها"، مشيرةً إلى أن اللغة قد تكون "عدوّتنا" أحياناً، بتوضيحها: "يقال إن الفتاة فقدت عذريتها، وكأنه شيء ثمين، أو كنز تملكه المرأة ومن ثم تفقده".

وتابعت: "يقال أيضاً إنها منحته نفسها أو استسلمت له، وكأن المرأة هدية للرجل وهذا ليس صحيحاً".

ويأتي دفاع حداد، ومثلها الكاتبة النسوية نوال السعداوي التي قالت: "إن شرف الإنسان، رجلًا كان أو امرأة، هو الصدق؛ صدق التفكير وصدق الإحساس وصدق الأفعال. إن الإنسان الشريف هو الذي لا يعيش حياة مزدوجة، واحدة في العلانية وأخرى في الخفاء"، وغيرهما كثيرات وسط عيشهنّ في مجتمعٍ مهووس بإثبات العذرية، فتتعدد الطرق، والنتيجة واحدة: الشك الدائم بجنس حوّاء وربط شرفهنّ بما إذا كنّ قد مارسن الجنس قبل الزواج أم لا.

هوس شهادة الشرف

لا تزال بعض المجتمعات تربط الشرف بقطرات دم على قماشة بيضاء يحتفل البعض بها أمام أهل المنطقة وسط رقص وزغاريد ونثر الورود البيضاء، وهذا ما تشهده بعض قرى مصر حتى هذا اليوم تحت مسمى "الدخلة البلدي"، أي فض غشاء بكارة الفتاة باستخدام إصبع يد الزوج أو سيدة من العائلة أو قابلة البلدة بدلاً من العضو الذكري.

وروت السيدة المصرية أم عمرو ما شهدته ليلة "دخلتها البلدي" لموقع "الحب ثقافة" قائلةً: "دخلت علينا كل من أمي وزوجة عمي الكبير والقابلة ونحن في غرفتنا بعد الزفة وقالوا لي نريد أخذ الشرف الآن، لأن رجال العائلة بانتظارنا في الخارج".

وأضافت: "ما كنتش فاهمة يعني إيه، وليه هما اللي يعملوا ده مش أبو عمرو جوزي... أمي كتفتني، ومسكت مرات عمي والداية كل واحدة رجل عشان يمنعوني من 'الترفيص'، وفضّ أبو عمرو بكارتي بأصبعه بعد ما لف عليه منديل قطن أبيض علشان الدم يبان فيه".

ولفتت إلى أن الموضوع كان مؤلماً وأنها "تعقّدت من الزواج" لظنّها أنه كذلك فقط، مضيفة بسخرية: "بس الدنيا مشيت وأبو عمرو كبر واعتمد على نفسه بعد كده".

وتُطَبّق الدخلة البلدي في مناطق ريفية في دول عربية أخرى بأشكال مختلفة. ففي بعض المناطق النائية في تونس يتولى العريس ليلة "الدخلة" إخراج شمعة مضاءة بعد دخوله على عروسه وكأنه يعلن للحاضرين أن العروس عذراء. وفي مناطق أخرى يذهب الأمر أبعد من ذلك فتحمل النساء ما يسمى "السورية" وهن يزغردن، علامة على أن الفتاة كانت عذراء. والسورية ليست نسبة إلى سوريا بل تعني القميص في اللهجة التونسية والمقصود بها هنا قطعة قماش ستحمل دم العروس بعد فض بكارتها دليلاً على شرفها. وعادة ما تكشف تلك "السورية" أمام الناس في العرس وترفع على الأكف فيتحول الخاص جداً (بين الرجل وزوجته) إلى شأن عام جداً ومكشوف أمام الخلق.



العذرية شأن الجيش

ووصلت كشوفات العذرية إلى السجون في مصر حيث ادعى الجيش أنه يقوم بها "لحماية المتظاهرات من ادعاء محتمل بالاغتصاب"، ومن ضحاياها سميرة إبراهيم الذي ارتبط اسمها بقضية كشف العذرية.

ففي 9 آذار/مارس 2011، أثناء مشاركتها في اعتصام بميدان التحرير، مُطالبة بمحاسبة الرئيس السابق حسني مبارك، تم فض الاعتصام بالقوة واقتياد مشاركين فيه إلى السجن الحربي العسكري التابع لوزارة الدفاع المصرية، وهناك طلبت سيدة (تعمل لحساب الجيش) من المتظاهرات خلع ملابسهن في غرفة مفتوحة الأبواب والشبابيك، وحين رفضن، أدخلت عليهن جنوداً، واعتدى أحدهم على سميرة بالضرب.

وقالت سميرة: "تمنيت يصير عندي سكتة قلبية وأموت. قالوا يلا نشوف لو أنتوا بتوع دعارة ولا لا. قسمونا مجموعتين، كل مجموعة في زنزانة. وبعدين لقيتها بتقولي اخلعي عشان البيه هيكشف عليكي، وبعدين خلعت البنطلون ورفعت رجلي، وبعد ما كشف قال لي تعالي امضي إنك بنت".

وأضافت باستهجان أن الكشف "استغرق 5 دقائق"، مشيرةً إلى أن كشف الطبيب لا يتطلب هذه المدة، وأن الكشف تم تحت التعذيب والصعق بالكهرباء، مؤكدة أنها "لو لم تكن عزباء، لاتُهمت بالدعارة آنذاك، لتظاهرها ومطالبتها بحقها في وطنها".

وتقدمت سميرة وناشطة أخرى تدعى مها محمد بشكوى للنيابة العسكرية للطعن في القرار الإداري بإجراء اختبارات العذرية في السجن الحربي، وفي عام 2013 قضت محكمة القضاء الإداري المصري بوقف هذا الإجراء في السجن.

في سياق متصل، طالب النائب البرلماني المصري إلهامي عجينة في عام 2016 بضرورة إجراء كشف العذرية على الفتيات كشرط لدخول الجامعات في مصر، مثيراً جدلاً واسعاً، وهو ما اضطره للاعتذار لاحقاً، مبرراً تصريحه بأنه "كان مجرد اقتراح لحل مشكلة الزواج العرفي".

مقام أبو طاقة قد "يُثبت" عذريتك

في نيسان/أبريل الماضي، تداول روّاد التواصل فيديو لفتاة سورية متهمة بالزنى، تقسم فيه بـ"كتاب الله وجميع ما فيه من حروف وآيات وصور وأسرار" أنها كانت عذراء لدى زواجها وأنها لم تعرف غير زوجها.

وبعد إنهائها القسم، طُلب منها أن تخرج من طاقة (فتحة في جدار) ضيقة طولها 32 سم وعرضها 23 سم، وتمّت العملية بنجاح وسط تكبيرات.

وتقع هذه الطاقة داخل مقام الشيخ يوسف بن عفيف الدين، المعروف شعبياً بلقب "أبي طاقة" في قرية ربعو، شرق مدينة مصياف في ريف حماة، وهو أحد أولياء الطائفة العلوية، وتوفي عام 450 للهجرة. بُني بعدما قال أحد زعماء الطائفة الإسماعيلية الذي كان يعاني مرضاً عضالاً، إن الشيخ يوسف أتاه في المنام قائلاً: "شيّد فوق مقامي قبّة، تبرأ من دائك".

ثم أصبح المكان مقاماً دينياً يقصده أبناء الطائفة العلوية بدايةً، ثم بقية الطوائف الأخرى في سوريا لكشفه "الكذب" مهما حاول البعض إخفاءه ومهما كان جسده "نحيلاً"، فإن كذب، يعلق في هذه الطاقة حتى يقول الحقيقة… هكذا تقول الأسطورة.

وفيما تراجعت بضع دول عربية عن إجراء "اختبار العذرية"، مثل الجزائر والأردن التي في عام 2009 سجّلت 1200 فحص عذرية لفتيات بناءً على طلب عرسانهن قبل الزواج، لا يزال الاختبار شائعاً في المغرب، ومن المألوف وجود شهادة العذرية ضمن وثائق معاملات الزواج.

من أخذ عذريتك؟

تعرضت فتاة أردنية تدعى حياة للتحقير من قبل زوجها لعدم خروج قطرات دم منها خلال أول ممارسة جنسية بينهما وحين عجزت عن الرد على سؤال: "من أخذ عذريتك!؟".

اتجهت حياة صباح اليوم التالي إلى المركز الوطني للطب الشرعي في محافظة إربد الأردنية لتخضع لما يسمى بـ"فحص العذرية"، فأُثبت الفحص أن "عذريتها ما تزال موجودة"، ولكنّ الزوج لم يقتنع حتى ذهبا إلى طبيب خاص وأكد لهما "وجود الغشاء على حاله"، وأن غشاء زوجته مطاطي لا تفقده المرأة عند "المعاشرة". وتوجد بضعة أنواع وأشكال لغشاء البكارة، بعضها لا يؤدي فضّه إلى خروج قطرة دم واحدة.

في مجتمع حضاري، ترفض زوجة كحياة البقاء مع زوجها في هذه الحالة، بعدما شكّ في صدقها، ولكن في مجتمعات عربية مشابهة، تضطر بعض النساء لقبول الواقع لأن رفضه سيثبت التهمة الزائفة.



في هذا السياق، تدعو منظمة الصحة العالمية التابعة للأمم المتحدة إلى حظر "اختبارِ العذرية"، مؤكدةً أن لا أساس علمياً أو طبياً له وأنه "لا يوجد فحص يمكن أن يثبت أن فتيات أو نساء كن يمارسن الجنس من قبل"، معتبرةً أن هذا الفحص ينتهك حقوق الإنسان والمرأة الأساسية، وينزع منها حقَّ التمتع بصحتها من دون أضرارٍ جسديةٍ ونفسية، لما يحمله الاختبارُ من "ألم وإهانة، وصدمة لها"، إذ من غير الأخلاقي أن يقوم الطبيب أو من ينوبه بإجراءَ اختبار العذرية.

هوس العذرية دفع بالبعض للتنبيه من ممارسات رياضية "عنيفة" ومن ركوب الدراجات الهوائية على سبيل المثال خشية "فقدان" العذرية. هذا الهوس ذاته دفع ببعض الفتيات لترميم غشاء البكارة لئلا يتحول يوم الزفاف إلى جريمة شرف. هذا الهوس حضّ نوال السعداوي على أن تتساءل: "بدلاً من ترقيع غشاء البكارة في أجساد النساء، أليس من الأفضل تغيير مفهوم الشرف في عقول الرجال؟"، وحضّ أيضاً الكاتبة المغربية سناء العاجي على القول: "الشرف أغلى وأكبر من مجرد غشاء وجد له العِلم بديلاً يراوح سعره بين 15 و800 يورو".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard