الأمومة المتقطعة بين خطاب القداسة القامع وتجاهل تجارب النساء الخاصّة

الخميس 29 أغسطس 201903:47 م

تأتي حملات الحثِّ على الرضاعة الطبيعية التي تحاصر الأمهات الجديدات كجزءٍ من خطابٍ سياسي يحدّد خريطة جسد المرأة ضمن ثنائية الثقافة/ الطبيعة، فيصبح جسد المرأة محكوم بالأعراف والرموز الاجتماعية.

يرسم هذا الخطاب حدود الجسد كمصدرٍ حتمي للغذاء، ويضع احتياجات الطفل كأولويةٍ طاغية، ويظهر التناقض في الوطن العربي بين هذا الخطاب وبين قلّة الدراسات ومراكز الدعم التي تؤهّل النساء للتعامل مع تحديات الرضاعة الطبيعية.

بعد سنواتٍ من هيمنة شركات إنتاج الحليب وضعف التوعية بإيجابيات وسلبيات هذا النمط من التغذية، تخلق الحملة المضادة تحديات من نوع آخر للمرأة، على عكس الدراسات النسوية التي تقرأ سمات هذا الخطاب وتأثيره على نساء الدول المتقدمة، تفتقر مراجعنا لهذا النوع من الدراسات التي تضع في اعتبارها احتياجات المرأة.

بعد قراءةٍ مطولةٍ ومحاولة لاستخلاص النتائج ضمن تناقض الدراسات على الإنترنت، سعيت كي تكون ولادتي وأمومتي أقرب للطبيعة. حاولت أن أخلق أفضل الظروف لولادتي فاخترت طبيبةً تتعامل مع مشفى خاص، تفهمت احتياجنا لوجود زوجي، الأب المستقبلي، معي لحظة الولادة على الرغم من أن معظم المشافي تمنع هذا. كنت أظن أنني أحطت بجميع الاحتمالات التي من الممكن أن تنغّص حلمنا الموعود، ولكن الواقع أظهر لي أن تصوراتي الأمومية الوردية التي رسمتها لي الإعلانات والأفلام ليست سوى سذاجة مني.

نختبر كنساء اليوم هذه التناقضات بين صورة جسد له وظيفة جنسية يحدد المجتمع معاييرها الجمالية التي ترهقنا، وبين صورة الجسد مصدر الغذاء المرهق المتورّم غير المرغوب جنسياً

فبعد الولادة، قام طاقم المشفى ودون إعلامنا مسبقاً، وعلى عكس ما توصي به الدراسات الحديثة، التي تؤكد على أهمية التلامس المباشر بين الطفل وجسد والدته، بأخذ طفلتي رأساً لغسلها ولم أتمكن من رؤيتها! وبعد ساعات من مطالبتي بطفلتي رغم إنهاكي وتعبي، تعرّض جسمي لصدمة الفصل بيني وبينها. فبعد ساعتين ونصف، أحضروا لي طفلتي نظيفةً ملفوفةً بقماط ملوّن تنام بهناء، بعد تناولها رضعة أو اثنتين من حليب مبستر أعطاها إياه الفريق الطبي في المنطقة المخصصة للأطفال حديثي الولادة.

في ساعات الانفصال تلك، شعرت بألمٍ من نوع آخر يعتصر جسدي، يشبه ألم الفقد، الألم الذي يرتبط بخسارتنا من نحب. هذا الألم الذي أفرز اكتئاباً حاداً أفقدني متعة التنعّم بأمومتي. هذه الحادثة، والتي لم أكن لأتخيّل أن أمر بها، تسببت لي بمعاناة استمرت لأشهر، وعقّدت محاولاتي للقيام بالإرضاع الطبيعي والذي اعتبرته جزءاً أساسياً من أمومتي.

كيف كان لي أن أتصور أن يتم الفصل بيني وبين طفلتي التي صارعتُ الألم المرير للقائها؟ فالدراسات تؤكد أن الأم تقضي فترة الحمل في انتظار احتضان صغيرها، وبالتالي فإن الساعات التي تأتي بعد الولادة لتفصل بينهما، تتسبّب لها بصدمةٍ ينتج عنها في بعض الحالات اكتئاب ما بعد الولادة، إضافة لمشكلات بالإرضاع.

ففي دراسة أجريت على مجموعة من الأمهات اللواتي أًجبرن على الفصل نتيجة لتعقيدات الولادة، تبين أنه "من وجهة نظر الأم التي تلد، تعتبر فترة ما بعد الولادة مباشرة هي الفرصة الأولى للأم للتواصل مع طفلها والبدء في ممارسة اجتماعية للأمومة. المرأة تختبر التكيّف النفسي العضوي في فترة النفاس. في بعض الحالات، قد تساهم تجاربها السلبية وعدم الاستقرار العاطفي في تطور الحالات المرضية، مثل اكتئاب ما بعد الولادة ورفض الطفل واضطرابات الصورة الذاتية"، لذلك من الواجب العمل لتغيير الممارسات التي تستمر بالفصل بين الطفل والأم بعد الولادة، كما تبين الدراسات الحديثة التي توضح سلبيات هذه الممارسة على كل منهما، فتخلق للطفل قلق الانفصال (separation anxiety) وتتسبب للأمهات باكتئاب وتعقيدات في الرضاعة الطبيعية.

وبهذا يتجلّى التناقض في عالمنا العربي، من خلال سلوكيات تتسبب بها المشافي التي لا تتردد في إعطاء الأطفال حليباً مبستراً قبل السماح للأم بإرضاع طفلها. ومن ثم تحاصر الأم طبياً بحملات تصرّ على أهمية إرضاع الطفل، فتصيب الأمهات غير القادرات على أداء هذه المهمة بإحساس الذنب والتقصير.

تتجلّى الأزمة في العالم العربي من خلال سلوكيات تتسبب بها المشافي التي لا تتردد في إعطاء الأطفال حليباً مبستراً قبل السماح للأم بإرضاع طفلها. ومن ثم تحاصر الأم بحملات تصرّ على أهمية إرضاع الطفل، فتصيب الأمهات غير القادرات على الإرضاع بإحساس الذنب والتقصير

في بلادنا وحيث ترتفع نسبة الولادات، تتحول تجربة الولادة والإرضاع لتأخذ حيز المعتاد، فإن عبّرت الأمهات عن قلقهن وخوفهن منها، أو عن إرهاقهن وتعبهن بعدها، ينظر لهن كسيداتٍ ضعيفاتٍ غير مؤهلات لتحمّل المسؤولية

حاولت رغم ما تسبب به الفريق من ضرر أن أقوم بالإرضاع الطبيعي، وتضافرت تحديات الإرضاع الطبيعي مع اكتئاب ما بعد الولادة الذي جعل أيامي مليئةً بالإرهاق وبحزنٍ أجهل مصدره. تكمن المشكلة في عدم تهيئة الأمهات لتجربة الولادة وما بعدها، ولعدم وجود دعمٍ يُقدّم لهن لما يعشنه من وحدة وتأنيب ضمير وخوف من اللوم بحجة التقصير.

عانيت في بحثي عن الإرشاد الذي عوّض انعدامه وجود الإنترنت، والذي أحياناً يخلق مزيداً من الحيرة لكثرة المعلومات فيه. نعيش أمومتنا ضمن خطاب التقديس الذي يفصلها عن ذاتنا التي تختبر التعب والألم كواقع بشري، بعيداً عن خطاب التضحيات والإيثار. إخضاع الأمومة لهذه القدسية يحرم الأمهات من حقهن في الاعتراض أو التعبير عن ذاتهن.

وبين خطاب تقديس الأمومة وبين الممارسات التي تتعامل مع الولادة والإرضاع كحدثٍ يومي تتشابه فيه جميع الولادات، تُحرم الأمهات من الإحساس بفرادة تجربتهن التي تعتبر كامتدادٍ طبيعي لوظائفها الاجتماعية المتوقعة. ففي بلادنا وحيث ترتفع نسبة الولادات، تتحول هذه التجربة لتأخذ حيز المعتاد، فإن عبّرت الأمهات عن قلقهن وخوفهن من هذه التجربة، أو عن إرهاقهن وتعبهن بعدها، ينظر لهن كسيداتٍ ضعيفاتٍ غير مؤهلات لتحمّل المسؤولية. فبين مكابدة آلام تورّم واحتقان الأثداء وجفاف وتشقّق الحلمات وإفراز الحليب بشكل غير منقطع أو عكسه أي ضعف إفرازه، يحاصر المجتمع المرأة ويملي عليها أولوياتها، وبذلك تعيش النساء تجربة تغيير معطيات الجسد الذي يحدده الخطاب، ضمن وظيفةٍ جنسانية إلى مصدر للغذاء وتأمين احتياجات الطفل. تقول الكاتبة ماري يفانز إن "من بين جميع الأمثلة التي تعرض الجسد كساحة صراع سياسي تأتي قضية الأثداء والإرضاع الطبيعي كمثال واضح على مسألة تشظّي الجسد، فيتحوّل الجسد مصدر متعة البالغين غير المثليين إلى مصدر لمتعة الطفل وإرضائه".

نختبر كنساء اليوم هذه التناقضات بين صورة جسد له وظيفة جنسية يحدد المجتمع معاييرها الجمالية التي تُرهقنا محاولة المحافظة عليها، وبين صورة الجسد مصدر الغذاء المرهق المتورّم غير المرغوب جنسياً.

تقول د. غليندا وول أن التأكيد على ربط الإرضاع بالطبيعة وبما هو طبيعي يلغي الفروقات الطبيعية بين الأمهات ويتجاهل احتياجاتهن، وكأن جميع النساء يمتلكن هذه القدرة الموروثة التي تسمح لهن بالإرضاع. نساء هذا العصر هن موظفات وعاملات وطبيبات وطالبات، هذه الوظائف قد تتناقض مع نمط الإرضاع الذي يجب أن يتم في الخفاء وفي عزلة عن الفضاء العام. ولا يعني هذا ضرورة توقف النساء عن الإرضاع الطبيعي، ولكن يجب تفهّم واحترام قرارتهن في حال لم يستطعن متابعة هذه المهمة، وكما يتوجب دائماً احترام احتياج المرأة والطفل القيام بالإرضاع أينما ومهما كان الظرف أو المكان.

ويعوّض هذا الغياب للدعم والإرشاد والتوجيه النفسي والطبي فيما يتعلق بالرضاعة والولادة والأمومة، وجودُ التعاضد النسائي الذي تقدمه الأمهات والصديقات وزميلات العمل. فوجود والدتي بجواري ساعدني لإيجاد أفضل الحلول لي ولطفلتي، وفي غمرة أمومتي كنت أعمل على كتابة رسالة الماجستير، فكان لوقوف بروفسورتي بجواري الأثر الكبير. هذه الأم والمعلمة والقدوة والتي بيّنت لي أن الأمهات قادرات على النجاح برغم التحديات. بروفسورتي تعيش أمومتها تجاه كل طفل من أطفالها كمعجزةٍ فريدةٍ، وبذات الطريقة تمارس عملها بحب وتقدّر فكر طلابها. وكما العادة تستمر نساء بلادنا بغزل قصص من الحب والحنان، برغم النظام الذي يتعاطى مع أجسادهن وذواتهن بخطاب آلي ميكانيكي يتجاهل فرادة تجاربهن وإبداعهن.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard