"خطورتهم توازي خطورة الاحتلال"... المتشددون الإسلاميون في قطاع غزّة

الخميس 29 أغسطس 201904:39 م

عند ظهر يوم 28 آب/ أغسطس، شيّع مواطنون في قطاع غزّة جثامين ثلاث ضحايا من أفراد جهاز الشرطة التابع لحركة حماس، قضوا قبل ذلك بيوم في تفجيرين إرهابيين استهدفا نقطتين أمنيتين تابعتين لجهازي المرور والنجدة الشرطية، في جنوب غرب مدينة غزّة.

التفجيران اللذان فصل بين وقت وقوعهما حوالي ساعة واحدة، نُفّذا من قبل شابين انتحاريين يقطن أحدهما شرق مدينة غزة والآخر في وسطها، وقدّرت مصادر أمنية أنهما تمّا بتخطيط من جماعات متشددة ناشطة في قطاع غزّة، بهدف ضرب المنظومة الأمنية المحلية ونزع فتيل الثقة من الجبهة الداخلية.

وأكد كلام المصادر لرصيف22 ما جاء في بيان وزارة الداخلية التي قالت على لسان الناطق باسمها إياد البزم، إنها تمكنت من وضع أصابعها على الخيوط الأولى للجريمة، مشيرةً إلى أنّ التفجيرات المشبوهة تهدف إلى خلط الأوراق في الساحة الفلسطينية، ومبينةً أنها أعلنت الاستنفار العام في وسط عناصرها واعتقلت عدداً من المشتبه بهم.

ويأتي التفجيران في وقت يشهد قطاع غزّة توترات بسبب عمليات إطلاق صواريخ وقذائف باتجاه إسرائيل ردت عليها الأخيرة بغارات ضد مواقع لحماس.

وأوضحت الداخلية في عدد من البيانات التي أصدرتها عقب وقوع الحادثين أن أيدي خفية هي مَن حرّكت الفاعلين، ووجهت أصابع الاتهام لإسرائيل وعملائها الذين يعملون بشكل دائم على ضرب حالة الأمن والاستقرار في غزة، ويستخدمون في ذلك أساليبَ متنوعة، على حد وصفها.

هذا التطوّر الذي يُعَدّ غريباً في تفاصيله عن الشارع الفلسطيني في قطاع غزّة، أدانته مختلف الفصائل الوطنية، لكنه كغيره من الأحداث لم يخلُ من المناكفات السياسية بين حركتي حماس وفتح، إذ قال الناطق باسم حركة حماس فوزي برهوم عبر حسابه على توتير: "لا نريد أن نستبق نتائج التحقيقات ولكن كل محاولات إثارة الفوضى في غزة كان يقف وراءها جهاز مخابرات السلطة التابع لماجد فرج، لصالح الشاباك الصهيوني والاحتلال".

وردّت على ذلك حركة فتح من خلال رئيس المكتب الإعلامي في مفوضية التعبئة والتنظيم منير الجاغوب الذي قال إنّ اتهام حماس لجهاز المخابرات بالمسؤولية عن التفجيرات "يمثل إفلاسا سياسياً وهروباً من تسمية المنفّذ الحقيقي".

نتاج واقع مشوّه ومأزوم

يؤكد الكاتب عامر العروقي لرصيف22 أن فعل "الانتحار بتفجير النفس" لا يخرج إلا من أصحاب الفكر المتشدد، واستدل بكلامه على مجموعة من الأحداث التخريبية التي أثبتت التحقيقات اللاحقة أن متشددين يقفون خلفها، وبيّن أن العلاقة بين المتشددين في غزة وحركة حماس قائمة على أساس الصراع، فالأخيرة عملت في سنوات ماضية على ملاحقتهم واعتقالهم وقضت على بعضهم.

ويذكر أنه لا يمكن الفصل بين التفجيرات التي استهدفت عناصر الأمن في قلب مدينة غزّة، وبين الأحداث السياسية المجنونة التي تدور في المنطقة، فجميع الأوضاع ترتبط بعامل مشترك واحد هو "رغبة عدد من الأطراف في تهديد وتفكيك الأمن والسلم المجتمعي في القطاع"، متوقعاً أن تكون تلك التفجيرات مثل "الباروميتر" لقياس مدى تحمّل وجهوزية حركة حماس داخلياً وقدرتها على ضبط الناس.

وعلى الرغم من أن غزّة شهدت أحداث كثيرة مشابهة منذ استلام حركة حماس إدارتها، بعد الاقتتال الداخلي والانقسام عام 2007، إلا أن هذا الحدث يُعتبر أخطرها، "كونه يضرب في عمق المنظومة الأمنية لحماس، والتي دائماً ما تتباهى بها في كل المناسبات"، وفقاً لكلام العروقي الذي لفت إلى أن الأمر شكّل "صدمة" لكل المراقبين، ففكرة الانتحاري الذي يقتحم مكاناً داخلياً ويفجر نفسه فيه، بعيدة جداً وغير مألوفة في الواقع والتاريخ الفلسطينيين.

وتوقع العروقي أن غزة قد تشهد أحداثاً مشابهة في أوقات تالية، بحال لم تعمل الأجهزة الأمنية على تحصين نفسها من الأمراض الفكرية والمجتمعية التي أضحت تنهش عقول الشباب الذين يعيشون أوضاعاً معيشية ونفسية صعبة، سببها الحصار الإسرائيلي والانقسام الفلسطيني المستمران منذ حوالي 12 عاماً، منوهاً إلى أن مواقف كثيرة بيّنت أن أغلب المتشددين هم في الأصل من أبناء الحركات الإسلامية وبالأخص حركة "حماس" وانشقوا عنها نتيجة خلافات داخلية.

ما ذكره العروقي يتقاطع ضمنياً مع ما أشارت إليه المحللة السياسية عبير ثابت، إذ قالت لرصيف22 إن "ما وقع من تفجيرات، جاء نتاج للعقلية الحاكمة الرافضة لفكرة الشراكة والانفتاح على الآخر، كما أنه تصرف طبيعي في ظل تعامل الكثيرين مع الإسلاميين وفق مبدأ أنهم وكلاء الله في الأرض، وتمسكهم برأيهم على حساب الوطن والمواطنين"، منبهةً إلى أن دماء الأبرياء التي سالت في الحدثين الإرهابيين تتطلب من الجميع الوقوف أمام مسؤوليتهم لمعالجة كل مشكلات الشباب.

ونوهت إلى أن خطورة وجود الجماعات التكفيرية والمتشددين في فلسطين، توازي خطورة الاحتلال، كما أنها تفتح الباب أمام هدم البنية الداخلية للمجتمع الفلسطيني، متابعةً: "هناك خطورة أيضاً تكمن في أن ذلك الحدث قد يُعدّ شكلاً من أشكال ردود الفعل على الواقع الصعب الذي استنزف معظم مقدرات الشعب الفلسطيني، كما أنه قد يفتح الباب أمام الكثير من الشباب الآخرين المتشددين، للتفكير في الانتقام من خلال استخدام العمل المسلح".

تاريخ الحركات المتشددة في غزّة

العودة إلى الوراء قليلاً تساعد في فهم طبيعة الجماعات المتشددة والتكفيرية في فلسطين وأسباب تشكلها وعلاقتها بالحركات الإسلامية وارتباطاتها الخارجية.

بداية ظهور تلك الجماعات في قطاع غزّة كان عام 2005، خلال حكم السلطة الفلسطينية. وبعد فترة تزامنت مع انخراط حماس في الحكم، توسع عمل تلك الحركات وزادت رقعة انتشارها عام 2007، عندما انضم إليها عشرات الشباب المنشقين عن حماس، الذين قدّروا أن أساليب حكمها لا تتناسب مع طبيعة الحركة ونهجها المقاوم.

جماعة متشددة تنفّذ عمليتين انتحاريتين في غزّة... وبدلاً من التكاتف لمحاربة الفكر المتطرف، حماس تلمّح إلى تورط "جهاز مخابرات السلطة... لصالح الشاباك الصهيوني والاحتلال"، وفتح تتهمها بـ"الإفلاس السياسي"
في وقت يشهد قطاع غزة توترات مع إسرائيل، جماعة إسلامية متشددة تنفّذ عمليتين انتحاريتين تسفران عن مقتل ثلاثة عناصر أمن... ومحللون: "خطورة وجود الجماعات التكفيرية والمتشددين في فلسطين، توازي خطورة الاحتلال"

يقول الباحث السياسي إسلام عطا الله لرصيف22 إن "الجماعات المسلحة الجهادية والتكفيرية حديثة العهد في فلسطين ويتركز معظمها في قطاع غزة، أما في الضفة الغربية فلا تعدو كونها جماعات شبابية مفتونة بالفكر المتشدد".

وأشار إلى أن هناك محاولات سابقة لتشكيل خلايا جهادية في الضفة الغربية، والدليل على ذلك ما كشفه الجيش الإسرائيلي حول اعتقاله خليةً في مدينة الخليل، في 26 نوفمبر 2013. حينذاك، قتل الجيش ثلاثة أشخاص، تبناهم في ما بعد تنظيم مجلس شورى المجاهدين الذي ينشط في غزة وسيناء.

"في غزّة كان ظهور الجماعات المسلحة التي تكنّت بأسماء متعددة يبرز بين فترة وأخرى من خلال تبني قادتها مسؤولية الاعتداء على بعض أملاك المواطنين، أو عن طريق تبنيهم لعلميات جهادية استهدفت الجيش الإسرائيلي" يلفت عطا الله، ويضيف أن تلك الجماعات لم تكن مؤثرة بشكل كبير في الشارع الغزّي في الفترات السابقة، لا سيما أن أعمالها لم تتجاوز العشرات، لافتاً إلى أن الحال اختلف في الفترات الأخيرة، كون عملياتها أصبحت تضرب في الناحية الإستراتيجية والأمنية وتهدد الأمن والسلم المجتمعي.

ويلفت إلى أن تلك الجماعات اختارت لنفسها مسميات مقتبسة من معاني إسلامية مثل "جيش الإسلام"، و"جيش الأمة"، و"جماعة التوحيد والجهاد"، و"أنصار الله"، و"لواء التوحيد"، و"جماعة جلجلت"، و"سرية عمر حديد"، و"أنصار الشريعة".

وينبّه إلى أن المجتمع الفلسطيني لا يزال حتى هذه اللحظة غير متقبل لفكرة الجماعات الإسلامية المتشددة، وذلك يظهر من خلال الاطّلاع على استطلاع للرأي أجراه المركز العربي للبحوث والتنمية عام 2016، وأظهر أن 93% من الفلسطينيين اعتقدوا في ذلك الوقت أن تنظيمات المتشددين لا تمثل الإسلام الحقيقي، ورأى 92% منهم أن ممارساتهم لا تمثل الإسلام وتعاليمه.

ويربط عطا الله في نهاية كلامه مستقبل الجماعات المتشددة في قطاع غزّة بموقف حركة حماس منها وطريقة تعاملها معها، ويضيف إلى ذلك عوامل لها علاقة بالجانب المصري ومدى سيطرته على الجماعات المتطرفة في شبه صحراء سيناء، وكذلك عوامل ذات علاقة مباشرة بإسرائيل ودعمها لتلك الحركات، حيث أن الدولة العبرية تعمل في مناسبات مختلفة على ربط النشاط المسلح الفلسطيني بحركات إرهابية وتكفيرية موجودة في بلدان عربية مثل سوريا، والعراق، ومصر وغيرها.

زيادة أعداد المتشددين وسوابق عنيفة

بلغ عدد معتنقي الفكر المتطرف في غزّة في نوفمبر 2017، وفقاً لتصريح صحافي سابق لمدير هيئة التوجيه السياسي والمعنوي العقيد زكي الشريف 100 شخص، لكن مصادر أمنية خاصة أكدت لرصيف22 أن عددهم في الوقت الحالي حوالي 500 شخص تقريباً وبعضهم معتقل داخل السجون.

وذكر المصدر أن التحفظ على الخطيرين منهم جاء لأنهم يسعون بين الفترة والأخرى إلى افتعال أزمات أمنية، كما أنهم يعملون على توتير العلاقة مع الجانب الإسرائيلي من خلال إطلاقهم قذائف صاروخية في أوقات الهدوء وتنفيذ التفاهمات.

ومن الأحداث اللافتة التي نفّذتها جماعات متشددة وتكفيرية في قطاع غزّة، كان الهجوم الانتحاري الذي نفّذه متشدد في أغسطس 2017، واستهدف نقطة أمنية فلسطينية تقع بالقرب من الحدود مع سيناء المصرية، الأمر الذي أسفر عن مقتل عنصر من قوات "الضبط الميداني".

حينذاك، اعتقل جهاز الأمن الداخلي التابع لحركة حماس 60 شخصاً، بتهمة ارتباطهم بجماعات تكفيرية. وفي العام ذاته وتحديداً في شهر أكتوبر، اقتحمت القوات الأمنية منزلاً في مدينة رفح واعتقلت أربعة من قادة الجماعات التكفيرية، كان بينهم نور عيسى، أحد أبرز المطلوبين في تلك الفترة.

كذلك، عملت الحركات المتشددة على تفجير عدد من المحلات التجارية والمقاهي ومحلات التجميل الخاصة بالنساء، إضافة إلى استهداف عناصرها عدداً من الممتلكات الخاصة والسميارات، ومثال على ذلك ما حدث أمام مقهى الواحة في حي الرمال في شباط/ فبراير 2009، حين أقدمت جماعة تكفيرية على تفجير عبوة ناسفة في المكان، أسفرت عن مقتل مواطن وإصابة خمسة آخرين، وعلى إثر ذلك أصدرت المحكمة العسكرية الدائمة التابعة لحماس خلال شهر تشرين الأول/ أكتوبر 2011، حكمين بالإعدام بحق اثنين من المتشددين وحكم على آخر بالسجن لمدة أربع سنوات، بعد إدانتهم بتهمة الإرهاب.

ويضاف إلى ذلك، أنه تم، في منتصف شهر آب/ أغسطس 2009، الإعلان عن إقامة إمارة إسلامية في غزّة بزعامة عبد اللطيف موسى المعادي لحركة حماس والذي حرّض على قتالها عدّة مرات، الأمر الذي واجهته حماس بالقوة، ما أدى إلى اندلاع اشتباكات مباشرة بين أفراد الأمن وعناصر الجماعات التكفيرية التي تحصنت في مسجد في مدينة رفح، نتج عنه مقتل نحو 20 عنصراً متشدداً.

وكذلك، تبنّت جماعة تطلق على نفسها اسم "جند أنصار الله" تفجيرين استهدفا المركز الثقافي الفرنسي غرب مدينة غزّة، في تشرين الأول/ أكتوبر وكانون الأول/ ديسمبر من عام 2014.

وفي يونيو 2015، أعلنت وزارة الداخلية أن شخصاً "خارجاً عن القانون" يقطن منطقة الجلاء الواقعة غرب مدينة جباليا، شمال القطاع، قتله عناصر الأمن بعدما بادر بإطلاق النار عليهم أثناء محاولة اعتقاله، وأفصح لهم أنه فخخ البيت المتواجد فيه، ونوهت إلى أنها عثرت في منزله على أحزمة ناسفة وعبوات تفجيرية وقذائف آر بي جي وأسلحة مختلفة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard