القرصنة الإلكترونية أكثر فتكاً بالبشر من السلاح النووي

الأربعاء 28 أغسطس 201906:55 م

"القراصنة الإلكترونيون (الهاكرز) قد يقتلون أشخاصاً يفوق عددهم عدد ضحايا السلاح النووي"، هذا ما يؤكده موقع "لايف ساينس" العلمي المتخصص، لافتاً إلى قدرة "الهجمات الرقمية على إصابة عدد من الأهداف في آنٍ واحد".

ويشير الموقع في تقرير نشر في 27 آب/أغسطس إلى أنه بينما يشعر الناس في جميع أنحاء العالم بالقلق إزاء تصاعد التوترات النووية، يغفلون حقيقة مهمة هي أن هجوماً إلكترونياً كبيراً قد يسبب القدر نفسه من الضرر.

وأكد الباحث جيرمي ستراوب في مقاله أن انسحاب الولايات المتحدة وروسيا من معاهدة الأسلحة النووية الرئيسية والبدء بتطوير أسلحة نووية جديدة، فضلاً عن التوترات المتعلقة بنشاط إيران وكوريا الشمالية النووي، هذه كلها تعكس تهديداً متزايداً للحضارة الإنسانية على الصعيد العالمي، في ظل مخاوف من حدوث سباق تسلح نووي جديد.

"تهديد غير مرئي"

لكنه أضاف: "إن كان هذا التهديد خطيراً، فهناك تهديد آخر لعله على الدرجة نفسها من الخطورة برغم كونه أقل اتضاحاً للعامة".

وأشار إلى أن غالبية حوادث القرصنة المعلنة إلى اليوم، حتى تلك التي تحظى بدعم حكومات أجنبية، لم تذهب أبعد من سرقة البيانات، مضيفاً "لسوء الحظ، هناك علامات على أن متسللين قد وضعوا برامج ضارة داخل أنظمة الطاقة والمياه في الولايات المتحدة، وفيما هي تقبع قيد الانتظار تظل جاهزة للتشغيل".

في الأثناء، وردت أنباء عن اختراق الجيش الأمريكي أجهزة الكمبيوتر التي تتحكم في منظومة الطاقة الروسية.

وأعرب الباحث، الذي يدرس الأمن السيبراني وحرب المعلومات، عن قلقه من أن هجوماً إلكترونياً واسع النطاق، أو تدخلاً في منطقة متصلة بمناطق أخرى، أو مزيجاً من الكثير من الهجمات الأصغر، قد يتسبب بأضرار جسيمة، منها إصابات جماعية ووفيات تضاهي تلك الناتجة من سلاح نووي.

ما الفرق بين التهديدين؟

وبيّن الباحث أن الفرق بين التهديدين هو أن السلاح النووي بإمكانه "تبخير" الناس على بعد  100 قدم وقتل جميع الموجودين تقريباً في نطاق مسافة تصل إلى نصف الميل، في حين أن حصيلة قتلى معظم الهجمات الإلكترونية تحدث أبطأ، إذ قد يموت الناس بسبب نقص الطعام أو الطاقة أو الغاز أو بسبب الحرارة أو من حوادث السيارات الناتجة من نظام إشارات المرور التالفة وغيرها، منبهاً إلى أن ذلك قد يقع في مساحة واسعة.

وأضاف: "هنالك بعض وسائل الحماية الدولية ضد النزاعات النووية، في حين لا توجد إجراءات مماثلة ضد الهجمات الإلكترونية".

وعدّد الباحث نماذج مما وقع في الولايات المتحدة والعالم خلال السنوات القليلة الماضية للبرهان على أهمية تحذيره. وذكر أنه مطلع عام 2016، سيطر المتسللون على محطة معالجة أمريكية لمياه الشرب، ثم غيروا الخليط الكيميائي المستخدم لتنقية المياه، مشيراً إلى أنه "إذا حدثت التغييرات من دون أن يلاحظها أحد فكان من الممكن أن تتسبب بحالات تسمم وإمدادات مياه غير صالحة للاستعمال الآدمي ونقص في المياه".

وخلال عامي 2016 و2017، أغلق متسللون الأقسام الرئيسية لشبكة الطاقة في أوكرانيا. كان هذا الهجوم أكثر اعتدالاً مما كان ممكناً أن يكون عليه، فلم يعمد المتسللون إلى تدمير أي معدات على الرغم من سهولة القيام بذلك، وهذا ما دفع المسؤولين إلى الاعتقاد بأن الهجوم كان يسعى لإيصال رسالة فقط.

أما في عام 2018، فقد تمكن قراصنة إنترنت غير معروفين من الوصول إلى نظام الكهرباء في المملكة المتحدة، في حين يعتقد أن توغلاً مماثلاً اخترق شبكة الطاقة الأمريكية عام 2019.

"السلاح النووي يبخر الناس سريعاً، لكن القرصنة الإلكترونية قد تقتل أعداداً أكبر على مدى زمني أطول". هذا ما يقوله باحث في الأمن السيبراني… كيف يقتل الهجوم الإلكتروني؟ الأمثلة عن ذلك مخيفة

باحث في الأمن السيبراني يحذر من أن ضحايا الهجمات الإلكترونية قد يفوقون عدداً ضحايا سلاح نووي، ويكشف الفرق بين التهديدين


هجمة في السعودية

وأشار الباحث أيضاً إلى هجمة إلكترونية تعرض لها أحد المصانع البتروكيماويات في السعودية، في آب/أغسطس 2017، إذ حاول المهاجمون تفجير المعدات الموجودة داخله عبر التحكم بالأنواع نفسها للإلكترونيات المستخدمة في المنشآت الصناعية في جميع أنحاء العالم.

ونبه المقال إلى تحذير مكتب التحقيقات الفيدرالي من أن بعض المتسللين يستهدفون المنشآت النووية، مبيناً أن الهجمة الإلكترونية قد تؤدي إلى حدوث دمار مماثل للذي وقع في مفاعل تشيرنوبيل. 

وكان هذا الانفجار الناجم عن خطأ غير مقصود قد أسفر عن مقتل 50 شخصاً وإجلاء 120 ألفاً مخلفاً مساحات من المنطقة غير صالحة للسكن لآلاف السنين المقبلة.

ما جدوى هذا التحذير؟

وشرح ستراوب أن هدفه من المقال ليس التقليل من الآثار المدمرة والفورية للهجوم النووي، بل تسليط الضوء على هذا الخطر غير الواضح، والهجمات الإلكترونية لا سيما أن المهاجمين الإلكترونيين يستطيعون بسهولة إخفاء مصدر التوغل الرقمي بدرجة أكبر من القدرة على إخفاء مكان انطلاق صاروخ مثلاً. 

وأردف: "علاوة على ذلك، يمكن أن تبدأ الحرب الإلكترونية بهجمة صغيرة، مستهدفةً هاتفاً واحداً أو حاسوباً محمولاً، في حين قد تستهدف الهجمات الأكبر المؤسسات مثل البنوك أو الفنادق أو وكالة حكومية. لكنها لا ترقى إلى تأثير الهجمات النووية".

ويتابع موضحاً: "هناك ثلاثة سيناريوهات أساسية لتطور الهجوم السيبراني إلى مستوى خطورة الهجمات النووية، أولها قيام جهاز مخابرات دولة ما بسرقة البيانات العسكرية لدولة أخرى أو حذفها أو المساس بها، وهذا قد يؤدي إلى جولات متتالية من العمليات الانتقامية تلحق بالمدنيين".

"السيناريو الثاني عندما تطلق دولة أو منظمة إرهابية هجوماً إلكترونياً مدمراً على نطاق واسع، يستهدف العديد من مرافق الكهرباء أو منشآت معالجة المياه أو المنشآت الصناعية في وقت واحد، أو العديد منها مجتمعة لمفاقمة الضرر".

ويشير السيناريو الثالث، وهو يثير القلق أكثر من سواه، بحسب الباحث، "ما يحدث عن طريق الخطأ".

ويقول الباحث: "مثلما لا توجد وسيلة حماية كاملة ضد أي هجوم نووي، لا توجد سوى طرق لجعل الهجمات الإلكترونية المدمرة أقل احتمالاً".

وهو يقترح ختاماً، أولاً أن تؤمّن الحكومات والشركات والأفراد العاديون أنظمتهم المعلوماتية لمنع المتسللين من اختراقها أو استغلالها. وثانياً تأمين "خاص وإضافي" للأنظمة المعلوماتية الأكثر حساسية، مثل تلك الموجودة في المرافق العامة وشركات النقل والشركات التي تستخدم المواد الكيميائية الخطرة وغيرها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard