حزب الله وتعقيدات الرد على إسرائيل... عن تنامي القوة الذي يولّد الضعف

الأربعاء 28 أغسطس 201906:10 م

منذ ثلاثة أيام والأسئلة الأساسية التي تشغل بال اللبنانيين هي: هل سيرد حزب الله على إسرائيل؟ وإذا ردّ، كيف سيكون شكل الرد وماذا ستكون تبعاته؟

تتكرر خلال العقدين الأخيرين كثيراً هذه الأسئلة، ويوماً بعد يوم تزداد صعوبة الإجابة عنها، ما يدفع إلى طرح تساؤل بديهي: هل يقيّد حزب الله حركته مع الوقت بشكل يُضعف قدرته على المناورة أمام إسرائيل؟

في الحقيقة، أجل. الحزب الصغير الذي كان عناصره في يوم من الأيام قادرين على أن "يضربوا ويهربوا" كما يُقال تضخّم وارتبط بشبكة واسعة من المصالح بشكل صار يمنعه من "الهرب"، لأنه متواجد في أماكن كثيرة، بأشكال كثيرة.

بعد دخول طائرتين مسيّرتين إلى منطقة معوّض في ضواحي بيروت الجنوبية فجر 25 آب/ أغسطس، وسقوط إحداهما وانفجار الثانية، أطل أمين عام حزب الله حسن نصر الله ليعلن أن "هذا عدوان واضح وعلني" وليؤكد أن السكوت عن "هذا الخرق" سيؤسس "لمسار خطير جداً على لبنان".

طريقة توصيفه للحدث ودلالاته لم تترك لحزبه مجالاً للامتناع عن الرد، خاصةً أنه وجّه للجيش الإسرائيلي المنتشر على الحدود مع لبنان رسالة قال له فيها: "قف على الحائط على رجل ونصف وانتظرنا، يوم، اثنان، ثلاثة، أربعة، انتظرنا".

الآن ليس فقط الجيش الإسرائيلي هو مَن ينتظر شكل الرد بل كل اللبنانيين وخاصة المقيمين في المناطق الجنوبية ذات الأغلبية السكانية الشيعية.

رسالة "الانتظار" تعطي للحزب اللبناني القليل من الوقت للتفكير بما سيقوم به، ولكن حديث نصر الله عن ضرورة الرد للمحافظة على ما تبقى من معادلة الردع القائمة منذ انتهاء عدوان تموز/ يوليو 2006، يجعل منه مسألة حتمية.

نجحت كلمة نصر الله منذ خروج تهديداته من فمه في بث حماسة كبيرة في أوساط مناصريه، ولكن فوراً راح مؤيدوه من المحللين يسوّقون لفكرة الرد الذي لا يؤدي إلى الحرب، كتمهيد لتسويق أهمية رد قد لا يكون بمستوى تطلعات المتحمسين.

لماذا أصبحت حركة حزب الله صعبة إلى هذا الحد؟ بعيداً عن خطاب دقة الحزب اللبناني في تصرّفاته وغيرها من الأمور التي يسوّق لها المقرّبون منه، صارت حساباته صعبة جداً والسبب الأساسي فيها هو تنامي نفوذه وقوته.

تغيّر "ثقافة بيئة المقاومة"

بعد عدوان تموز/ يوليو 2006، لاحظ جميع اللبنانيين مظاهر البذخ على جزء واسع من مؤيدي حزب الله، ولم يكن الأمر سرّياً بل كان حديث أوساط تنتمي إلى الحزب نفسه، راحت تقارن بين الماضي المتقشف وما استجدّ على "ثقافة بيئة المقاومة".

استفاد كثيرون من مؤيدي الحزب وعناصره من المساعدات الممنوحة إلى لبنان بعد الحرب ومن تدفق سيولة كبيرة كان الحزب يستطيع توجيهها وفق معيار تضخيم قاعدة الولاء له.

وإنْ كان يمكن اعتبار ما حصل طبيعياً، فإنه كان مؤشراً على تغيّر طبيعة ارتباط جماهير حزب الله به ودخول عنصر المنفعة على الخط بقوة وانتهاء زمن إمكانية الاكتفاء بالولاء الأيديولوجي.

يعرف الحزب اللبناني هذه الحقيقة، ويعرف أنه لم يعد يستطيع العودة إلى الوراء برغم أنه خطابياً يرفض الاعتراف بذلك. ففي كلمته الأخيرة قال نصر الله: "نحنُ حاضرون أن نجوع ولكن أن نبقى أعزّاء هكذا كنّا طوال التاريخ، نحن نبيع بيوتنا ونقاتل"، ولكنه بالتأكيد يعرف أن ما قاله هو مجرّد جملة لإثارة حماسة جماهيره.

في السنوات الأخيرة، راح حزب الله ينمّي نفوذه بنفس أسلوب باقي الأحزاب اللبنانية، وهو أسلوب الزبائنية الذي يربط الأنصار به مقابل تقديم خدمات لهم. وإذا أراد التراجع عن ذلك فإنه سينكفئ إلى "قاعدته الصلبة" وهي لا تتجاوز بضعة عشرات من الآلاف.

هذا التغيّر انسحبت آثاره على مرونة الحزب في صراعه مع إسرائيل. أي رد فعل غير محسوب قد يؤدي إلى حرب جديدة ستكون له آثار كبيرة على شعبيته بعد الحرب. وهو بطبيعة الحال يخشى خسارة ما راكمه.

جدل "الثورة" و"الدولة"

تنامي نفوذ حزب الله في لبنان يذكّر بإشكالية تحوّل "الثورة" إلى "دولة". "الثورة" ليس لديها ما تخسره. خصومها هم مَن يخسرون. أما حين تنجح وتسيطر على بلد فإنها تتحوّل إلى "دولة" تحتاج إلى الاستقرار وتخشى من الخسائر.

مسار حزب الله يشبه ذلك. هو لم يتحوّل إلى "دولة" بكل ما للكلمة من معنى، ولكنه وصل إلى ذروة ما يمكن لحزب لبناني أن يصل إليه: هيمن على طائفة، وليس أي طائفة، بل أكبر طائفة في لبنان، ومن موقعه هذا راح ينسج تحالفات ويتقاسم منافع مع مهيمنين على مكوّنات أخرى من المجتمع اللبناني.

حزب الله الآن هو جزء أساسي من السلطة اللبنانية، وممثَّل في الحكومة اللبنانية وكان له الصوت الأقوى خلال عملية تشكيل الحكومة، وله كلمة في توزيع ميزانية الدولة على الوزارات وفي كيفية إنفاقها... وكل تحالفاته وعوامل قوّته مرتبطة بالمعادلة التي أرساها تسلسل الأحداث بين عامي 2006 والآن.

ومع بدء مشاركة حزب الله في الحكومات اللبنانية منذ عام 2005، التغت معادلة قديمة كان سائدة وأساسها أن هناك "دولة" لبنانية وهناك "مقاومة" والأولى لا تتحمل مسؤولية أفعال الثانية، وصار الفصل بين الاثنين مستحيلاً وهو ما تذكّر به إسرائيل في كل مناسبة. ويعني انتفاء المعادلة القديمة أن أي عمل يقوم به حزب الله ستكون له تبعات على جميع اللبنانيين.

لذلك، فإن أي حرب جديدة ستعني اختلال المعادلة التي تنتج قوة حزب الله حالياً في لبنان. هذا يعني أنه سيجد نفسه بعدها في موقف لا يستطيع أحد تصوّره منذ الآن، وستحدد معالمه نتائج الحرب.

عام 2006، كان رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة قادراً على الحديث مع القوى الدولية كشخصية سياسية تمثل الدولة اللبنانية المتميّزة عن حزب الله، ليطالب بوقف الحرب على بلده. الآن، من غير الموثوق به أن يستطيع رئيس الحكومة الحالي سعد الحريري القيام بنفس الدور، هو الذي ينزعج راعيه الإقليمي التاريخي-السعودية من مدى تقرّبه من هذا الحزب وتنسيقه معه.

مَن يموّل إعادة الإعمار؟

بعد عدوان تموز 2006، خرج نصر الله ليقول إن إيران ستعمّر ما دمرته إسرائيل. كان يعرف أن تعهّد إيران بتقديم أي مبلغ لإعادة الإعمار سيدفع حكماً السعودية وقطر ودول أخرى إلى الدخول في العملية وتقديم مبالغ لموازنة نفوذ إيران في لبنان.

هل سيرد حزب الله على إسرائيل؟ وإذا ردّ، كيف سيكون شكل الرد؟ تتكرر خلال العقدين الأخيرين هذه الأسئلة، ويوماً بعد يوم تزداد صعوبة الإجابة عنها، ما يدفع إلى طرح تساؤل: هل تقيّدت حركة الحزب بشكل يُضعف قدرته على المناورة؟
لماذا أصبحت حركة حزب الله صعبة إلى هذا الحد؟ بعيداً عن خطاب دقة الحزب اللبناني في تصرّفاته وغيرها من الأمور التي يسوّق لها المقرّبون منه، صارت حساباته صعبة جداً والسبب الأساسي فيها هو تنامي نفوذه وقوته

الآن، في ظل المشهد الإقليمي الجديد، وفي ظل احتدام الصراع بين إيران والسعودية من المرجح ألا تشارك الرياض وأبوظبي في ورشة إعادة إعمار بسبب حرب ستعتبران أن مَن تسبب فيها هو أحد أذرع عدوّهما. هذا في وقت تعاني فيه إيران من آثار العقوبات المفروضة عليها ولن يكون سهلاً على نظامها إعلان تقديم مساعدات أمام شعبه الذي يتظاهر دورياً بسبب تردي أوضاعه الاقتصادية.

حسابات الربح والخسارة

لن يخسر حزب الله في لبنان فقط. سيخسر هو والمحور الذي يتبع له الكثير في سوريا. وكان الحزب قد قرّر عدم الرد على الغارات التي تستهدفه في الداخل السوري كي لا يزيد من حدتها بحال قيامه بذلك.

انخراطه في الحرب السورية والمكاسب التي حققها فرضت عليه أن يتحمّل الضربات الإسرائيلية كي لا تتدحرج الأمور إلى وضعية تتسبب له بخسارة كل ما راكمه هنالك. وهذا دليل آخر على أن تنامي النفوذ يقضي على المرونة في الحركة.

هذا نفس السبب الذي يدفع الحشد الشعبي في العراق إلى التخبّط بعد الضربات الإسرائيلية التي استهدفته إذ يخشى من خسارة الكثير من المكتسبات التي حققها أثناء محاربته تنظيم داعش بحال ردّ ودفع إسرائيل إلى تكثيف ضرباتها له. وقبلهما، اختبرت حركة حماس في غزة نفس الوضعية.

وهنالك المزيد

أمور كثيرة تغيّرت وفرضت على حزب الله تعقيدات ما كان ممكناً له حتى تصوّرها قبل عقد وقبل عقدين.

هنالك متغيرات أخرى لا شك أن الحزب اللبناني يعرفها على رأسها التغيّر في نظرة المجتمع الدولي إليه، هو الذي صنّفته دول كثيرة في الآونة الأخيرة "منظمة إرهابية" وتقترح قوى في دول أخرى تصنيفه كذلك أيضاً.

والآن، مع جلوس دونالد ترامب في البيت الأبيض، يعرف حزب الله أن فرص مطالبة مجلس الأمن الدولي بوقف حرب إسرائيلية على لبنان ستكون مسألة في غاية الصعوبة.

لا يعني كل ما سبق أن حزب الله لم يراكم العديد من عوامل القوة في الفترة الماضية. لقد راكم ترسانة قتالية أوسع وأهم نوعياً وراكم خبرات قتالية لا يُستهان بها، وهي أمور تلعب لصالحه في حساباته.

لكن بعيداً عن معادلة القتال، وجود حزب الله نفسه كما هو الآن صار مرتبطاً بمعادلات لا يمتلك القدرة على التحكم فيها لا بل لا يستطيع حتى وضع تصوّر لكيف ستؤثر على مكانته بحال اندلاع حرب جديدة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard