"كلنا سواسية وإحساسنا بالانتماء متحقق"... طقوس "الوزيعة" لأمازيغ الجزائر

الخميس 29 أغسطس 201906:35 م

عندما جاء دوره في تناول نصيبه من اللحوم تحمّس للغاية، لاحظتُ ذلك من خلال الحكّ المتواصل ليديه، والفرح البارز في عينيه، وما إن تسلَّم نصيبه من اللَّحم، حتى أسرع به إلى بيته، الذي كان موجوداً على مرتفع، مثل بيوت أغلبية الأمازيغ في الجزائر، فهم جبليّون، وبينما كان يرفع يده بكيس اللحم، كان ينادي باللغة الأمازيغية: "يا فاظمة أكسوم. أكسوم يا فاظمة" أي "اللحم يا فاطمة، يا فاطمة اللحم".

هرولت نحوه فاطمة زوجته، وبدا أنها حُبلى، فتناولت الكيس من يده بلهفة وشغف، وراحت تتشمّم اللحم مغمضة العينين. وعندما سألتُه عن الأمر، قال إنها في حالة "وحم"، وقد توحَّمَت على "لحم العجل، فلم أستطع أن أوفّره لها لكوني بطّالاً، ولكونه غالي الثمن، فجاءت الوزيعة لتنقذني من ورطتي".

في منطقة يعاني غالبية سكَّانها الجبليون من ندرة اللحوم، تبدو صفوف اللّحم في طقوس “الوزيعة”، بعد تقسيمه، تبدو "شبيهة بصفوف التّلاميذ قي ساحة المدرسة أو صفوف الجنود في ساحة الثكنة"، كما يقول أهل البلدة في "الماين" التابعة لولاية برج بوعريريج، شرقيّ الجزائر العاصمة. وتعدّ "الوزيعة" التّي تقوم بها من أشهر "الوزائع"، يُساهم فيها، ويقصدها حتّى الغرباء عنها.

الجماعة تخلق "المكانة"

يتمتع أمازيغ الجزائر بمستوى من الحقوق، فبعد عقود من النضال السياسي والثقافي تمكنوا من أن يجعلوا لغتهم لغة رسمية معترف بها، وعيدهم الأكبر، رأس السنة الأمازيغية، مناسبة تقرّ بها الدولة، وتمنح بمقتضاها أجازات لموظفيها.

يتمتع الأمازيغ هناك بالتكاتف والتآزر، وسيادة روح المشاركة، في مدن يمثلون فيها الأغلبية، مثل بجاية، وتيزي وزو، والبويرة شمالا، وخنشلة، وباتنة وأم البواقي في الشرق، وإليزي وجانت وتمنراست في الجنوب، وبني سنوس في الغرب، وغرداية على مداخل الصحراء.

وأبرز مثال يجسد روح الإخاء والمحبة تلك هي طقوس"الوزيعة".

طقس بطعم المحبَّة

على مشارف شهر رمضان، أو في عاشوراء أو في المولد النبوي، أو خلال الطقوس العتيقة التي تؤدى في مواسم الجفاف لـ"الاستسقاء" ، وأحياناً بلا مناسبة معينة، تلتقي نُخب القرية "ثاجماعت" ، وهي الترجمة الأمازيغية لكلمة الجماعة، فتقرّ "الوزيعة"، بالخروج إلى البيوت لجمع التبرّعات المالية، كل حسب طاقته، ثم شراء رؤوس الماشية من الأسواق، عادةً ما تكون ثيراناً، حسب المبلغ المجموع، الذي قد يَدفع معظمه أحد الموسرين.

يجتمع الحاضرون على "المعروف"، دعاء جماعي يقوم به إمام الجامع، فيدعو لكل من ساهم في الأمر بالصحة، وللمحاصيل بالوفرة، وللمرضى بالشفاء، وللمسجونين بالخروج، وللمغتربين بالعودة، وللأطفال بالصلاح، وللعرائس بالذرية، وللموتى بالرحمة

يقول الإعلامي الجزائري وليد بورزاح، من أمازيغ شمال ولاية سطيف، لرصيف22 إنَّ الطقوس، التي تقوم عليها "الوزيعة" أو "ثمشرط" باللغة الأمازيغية، تتجاوز هدف تناول اللحم، إلى هدف تجديد اللُحمة، أو النسيج الاجتماعي بين الناس.

يشرح وليد أكثر: "يعود أبناء القرية المقيمون خارجها، فيلتقون بالمقيمين فيها، ويشترك الجميع في جمع المال، ويتشارك الكبار والشباب في إعداد اللحوم، في مشهد رمزي يقول إننا نستمد البركة والعزيمة من كبارنا، فيما نعتمد في الأفعال، التي تقتضي القوة، على شبابنا. كل ذلك على مسمع ومرأى الأطفال، الذين يرثون هذه الروح لاحقاً".

يضيف وليد بورزاح: "هذا ما يفسّر استمرار عادة "الوزيعة"، حتى اليوم، ولم تؤدِّ التحولات المختلفة، التي عرفتها القرية الجزائرية، إلى تراجعها أو اندثارها، مثلما حصل لكثير من العادات والطقوس الشعبية، التي لم نكتفِ بأن نسمح باندثارها فقط، بل لم نوثقها أيضاً، إلا في حالات محدودة".

وثمَّة قرى تقوم بإخراج المواليد الجدد من الذكور، في يوم "الوزيعة"، ليراهم الكبار، ويقبّلونهم، ويدعون لهم.

ويضع  توفيق ومان، رئيس "الجمعية الجزائرية للثقافة الشعبية"، هذا الطقس في إطار سياسة الأسرة الأمازيغية القائمة على إعداد طفلها، منذ نعومة أظافره، لأن يكون ضمن الجماعة، يقول توفيق لرصيف22: "فكأنها أرادت أن تقول للجماعة إنها تضع صغيرها في خدمتها، والانسجام مع مبادئها وأهدافها في الحياة، وما عليها إلّا أن تباركه".

يتم تقسيم اللحوم في طقوس "الوزيعة" إلى كمّيات متساوية تماماً، حسب عدد البيوت، التي يُسجّل أصحابها في قائمة خاصة لدى "ثاجماعت"، سواء دفعوا المال أو لم يدفعوا، فيتقدَّم كل من يسمع اسمه ليأخذ نصيبه، وينصرف به إلى بيته، لتشرع النساء بعدها في إعداد العشاء، فلا يبقى بيت في القرية "من غير لحم"، كما يقولون في قرى الأمازيغ.


دُعاء جَماعي 

قبل الشروع في توزيع اللحوم، ومنه أَخذت "الوزيعة" اسمها، يجتمع الحاضرون على "المعروف"، الذي هو دعاء جماعي يقوم به إمام الجامع، فيدعو لكل من ساهم في الأمر بالصحة والعافية، وللمحاصيل بالوفرة والنماء، وللمرضى والعاجزين بالشفاء، وللمسجونين بالخروج، وللمغتربين بالعودة، وللأطفال بالصلاح، وللعرائس بالذرية، وللموتى بالرحمة.

"نحن نتساوى خلال تلك الليلة في كل شيء، بما يجعل الإحساس بالانتماء محققاً فعلاً"

تقول لالة مسعودة (71 عاماً) من قرية "الماعن" إنّ روح العدالة في عملية "الوزيعة"، لا تتجلى في تساوي كميات اللحم فقط، بل تشمل أيضاً أعضاء الشاة، من كبد، وكتف، وأضلاع، ورأس، ورقبة، وأرداف، "فنحن نتساوى خلال تلك الليلة في كل شيء، بما يجعل الإحساس بالانتماء للجماعة محققاً فعلاً".

تتحدث لالة عن طبيعة الأطباق المعدّة ليلتها، تقول لرصيف22 إنّ "الوزيعة بركة، وليس ثمة طبق مبارك أكثر من الكسكسي، فهو الأنسب والأقرب إلى روح المناسبة. ورغم أنَّ بعض شباب اليوم لا يميلون إليه إلَّا أنَّهم يأكلونه في تلك الليلة لإدراكهم خصوصيته خلالها".


البخيل والمتمرّد منبوذ

يقدّس الأمازيغ روح الجماعة لديهم، حتى أن "ثاجماعت"، التي هي مجلس الأعيان في القرية تتدخل في مفاصل الحياة، وتشرف على كل الشؤون العامة، مثل تهيئة ساحة أو حفر بئر أو حرث أو حصاد أو جني زيتون أو ترميم أو بناء بيت أو إنجاز طريق أو تمويل مسجد أو مدرسة قرآنية أو تزويج فقير.

ويخضع الشخص الذي لا يساهم في مشروع أقرته "ثاجماعت" وهو قادر على ذلك، لضريبة مالية تُسمى "الخطية"، تُصرف في الصالح العام. فإن رفض دفعها، أُقرَّت مقاطعته حتى يلتزم بروح الجماعة من جديد، وهي العقوبة التي يتحاشاها الأمازيغي قدر المستطاع لأنها تجعله مثل "التيس الأجرب"، بحسب تعبير بعض الأمازيغ.

"يخضع الذي لا يساهم في مشروع أقرته نخبة القرية "ثاجماعت"، وهو قادر على ذلك، لضريبة مالية تُسمّى "الخطية"، تصرف في الصالح العام. فإن رفض دفعها، أُقرَّت مقاطعته حتى يلتزم بروح الجماعة

قد تحمل الظروف بعض الأمازيغ على أن يبتعد عن قريته، أو كما يسمونها "الدّشرة"، فيقيم في المدينة. لكنه يعود إليها في المواسم والأعياد ليشهدها مع "العرش"، أي القبيلة، ويحصل على بركة الجماعة، التي يعد الناس هناك دعاؤها بالخير أو الشر مستجاباً. ويجد "مَدْعي الجماعة" أي الذي دعت عليه الجماعة، لسلوك سيئ أو عصيان، صعوباتٍ جمة في حياته، وقد يتعدّى الأمر إلى ذريته، وتلك إحدى سلبيات "روح الجماعة" في تلك القرى، فلا مساحة للتمرد الفردي على الموروث، ولكن الإدانة تلك تحافظ، من ناحية أخرى، على استمرار موروث الأمازيغ الحضاري.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard