رواية تاريخية أخرى... أي دور للسعوديين في مواجهة الإسرائيليين في معركة "الكرامة"؟

الثلاثاء 27 أغسطس 201904:40 م

تفاصيل مغايرة للرواية الرائجة حول أحداث معركة الكرامة التي خاضها الجيش الأردني ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي في عام 1968، تتكشف في شهادة خطّها القائد العسكري الأردني الراحل زيد بن شاكر في مذكراته متحدثاً عن "دور مؤثر" لقوات سعودية، كجزء من قوات عربية مشتركة في الأردن آنذاك، في مواجهة الإسرائيليين جنوب البحر الميت وتقديم شهداء.

الرواية الجديدة وردت في مذكرات الأمير الأردني بن شاكر، أحد أقرب رفقاء الملك الحسين بن طلال، نقلتها أرملته نوزاد الساطي لصحيفة "الشرق الأوسط" قبيل صدور مذكرات زوجها في أيلول/سبتمبر المقبل عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت/عمان بعنوان "زيد بن شاكر... من السلاح إلى الانفتاح".

الأمير زيد كان أحد رجال الرعيل الأول الذي ساهم في بناء الأردن وازدهاره جنباً إلى جنب مع الملك الحسين. وشغل عدة مناصب هامة أبرزها رئاسة الحكومة الأردنية والديوان الملكي، كما تولى وزارة الدفاع والقيادة العامة للقوات المسلحة ورئاسة هيئة أركانها، وعمل أيضاً مستشاراً عسكرياً للملك.

ووفق ما أوردته "الشرق الأوسط"، أفاد الأمير زيد الذي توفي في 30 آب/أغسطس عام 2002، في مذكراته بأن التحام المدرعات الأردنية بالمدرعات الإسرائيلية في معركة “الكرامة” "حال دون مشاركة سلاح الطيران الإسرائيلي في القصف، وساعد في تحقيق الانتصار بعد عام واحد من النكسة (حرب 1967)".

كما أشار إلى أن دور القوات السعودية "أتاح للأردنيين خوض المواجهة ضد القوات الإسرائيلية في قرية ‘الكرامة‘ حيث تحصنت فصائل فدائية فلسطينية".

الاستعداد للمعركة

وفي التفاصيل، قالت نوزاد الساطي للصحيفة: "عقب هزيمة عام 1967، كان على زيد ورفاق السلاح إعادة بناء الروح المعنوية بعد مرارة الهزيمة، وإدراك الفجوة الكبيرة مع العدو في أرض المعركة"، لافتةً إلى "تولي الملك الحسين مهمة البحث عن سبل إعادة تسليح القوات المسلحة، بالتوازي مع إعادة توزيع القوات المسلحة للقيام بواجباتها في حماية الحدود والأمن الداخلي".

وأشارت إلى أن مفهوم "حرب الاستنزاف" برز عربياً في تلك المرحلة، حيث ألقى الحسين خطاباً مهماً، شدد خلاله على أن "أي عربي يريد أن يقاوم الاحتلال فأبواب الأردن مفتوحة له ليكون قاعدة للعمل ضد الاحتلال".

وعن تلك المرحلة، كتب زيد في مذكراته "فتحنا أبواب البلد، فجاءتنا أعداد كبيرة. الفكرة، في نظرنا، كانت أن تبدأ عملية مقاومة للاحتلال داخل الأرض المحتلة”.

وروى زيد: "صارت قرية الكرامة قاعدة رئيسية من القواعد المنتشرة في الأردن لإخواننا الفلسطينيين الذين يريدون مقاومة الاحتلال، وكان لهم نشاط، وكنا في القوات المسلحة ندعمهم بمدفعية أو رشاشات إلى أن يعبروا النهر، على الرغم من دفع الأردن ثمن هذا الدعم والمساندة نتيجة الغارات الإسرائيلية المتواصلة على عمّان".

وتشير الساطي إلى أن اشتباكات كثيرة وقعت، بين حزيران/يونيو عام 1967 وآذار/مارس عام 1968، في إطار المواجهات بين الفدائيين والجيش العربي من جهة، والإسرائيليين من جهة أخرى، مشيرةً إلى أن أعنفها وقع في 15 شباط/فبرايرعام 1968.

قصفت إسرائيل في تلك الفترة قرابة 15 قرية في إربد والغور (شمال الأردن)، واستشهد جنود أردنيون خلال سعيهم لمنع تقدم القوات الإسرائيلية.

تفاصيل المعركة وفق رواية زيد

مساء 19 آذار/مارس عام 1968، نبه مدير الاستخبارات العسكرية الأردنية غازي عربيات، قيادات الجيش إلى هجوم إسرائيلي مقرر صباح 21 آذار/مارس، لتبدأ مساع دؤوبة للتجهيز لهذه المعركة الحاسمة التي تقع بعد أقل من 48 ساعة فقط.

وعن تفسير الاستعدادات العلنية للإسرائيليين للمعركة، شرح زيد: "كان واضحاً أنهم يتعاملون بشيء من العنجهية، نتيجة الانتصار الساحق قبلها بأشهر في عام 1967، كنا نحن الضباط الذين نشاهدهم بالمناظير نقول إنهم إما مجانين أو إنهم لا يعرفون مقدرة الجيش الأردني".

وبالفعل، وتصديقاً لتوقعات تقرير الاستخبارات واستنتاجات زيد ومشهور حديثة، بدأ الجيش الإسرائيلي هجومه في تمام الخامسة فجر 21 آذار/مارس. 

القوات الأردنية، في ذلك الحين، كانت عبارة عن فرقة مشاة تسيطر على المعابر المؤدية إلى عمان ومدينة السلط (وسط الأردن)، بينما تسليحها هو تسليح مشاة عادي مع إسناد مدفعي وهندسي، بحسب الساطي. كان هناك أيضاً اللواء 60 المدرّع الذي قاده زيد، وبعض التواجد للقوات الخاصة بأسلحة قنص الدروع.

أما الفدائيون، فتمركزوا في منطقة الكرامة نفسها وفيما يتعلق بالمسار العام للمعركة، يروي زيد: "القوة الإسرائيلية التي أتت كانت عبارة عن فرقة من مدرعات وآليات مشاة، حاولوا العبور من ثلاثة محاور: طريق القدس/عمان الرئيسية، وطريق القدس/عمان عبر طريق الشونة الجنوبية، وطريق نابلس/عمان عن طريق قرية داميا الصغيرة".

ويردف: "فشلوا في المحور الأول لوجود دبابات قاومتهم ومنعتهم من العبور. لكنهم نجحوا في العبور عبر منطقة جسر الملك حسين من أريحا إلى الشونة الجنوبية، حيث عبرت معظم قواتهم من خلاله"، مشيراً إلى أن "قوة أخرى عبرت نهر الأردن على جسر الأمير محمد في قرية داميا".

"السعوديون شاركوا في معركة الكرامة التي خاضها الجيش الأردني ضد جيش الاحتلال عام 1968، وقدموا شهداء"... رواية سعودية نقلاً عن مذكرات قائد أردني تقدم طرحاً مختلفاً لما حدث في معركة الكرامة بعد نكسة 1967
القائد الأردني العسكري زيد بن شاكر يتحدث في مذكرات تنشر قريباً عن دور قوات سعودية في التصدي لهجوم قوات الاحتلال الإسرائيلي في منطقة غور الصافي جنوب البحر الميت، لكن ماذا قال الملك الراحل حسين عن الدور السعودي في معركة الكرامة؟ 


الدور السعودي 

ولفت إلى أنه "في المقابل، كانت قواتنا المدرعة والمدفعية موزعة، ولدينا توقعات دقيقة حول خطتهم، فلم يكن هناك عنصر مفاجأة. أيضاً، قاموا بهجوم تمويه في منطقة غور الصافي جنوب البحر الميت".

وشدد على أن "قوات من الجيش السعودي، كانت تنتظر هناك، واجهت العدو في تلك المنطقة، لتسمح لنا بمواجهة العدو في المنطقة الرئيسية الكرامة. وقد قدم السعوديون شهداء في هذه المعركة".

وأوضح أن "الهجوم كان في البداية بالدبابات بإسناد مدفعي، ثم دخلت قوات المشاة الآلية بآليات مدرعة. واستمرت المعركة من الخامسة والنصف فجراً حتى الساعة العاشرة والنصف أو الحادية عشرة ظهراً، حين طلبوا، عبر الأمم المتحدة، وقف إطلاق النار للسماح لهم بالانسحاب".

لكن الملك رفض ذلك، ما لم ينسحبوا من أرض المعركة ويعودوا خلف النهر. وبالفعل استمرت المعركة حتى بدأوا بالانسحاب حوالي الساعة الثانية عشرة والنصف ظهراً. وتابعتهم القوات الأردنية إلى أن عبروا النهر. وفي الثامنة مساءً انتهى الاشتباك. وبقي الأردنيون يعملون على "تطهير الأرض بالتأكد من أنه لم يبق أحد في أرض المعركة أو كمائن. واستمر عملنا هذا حتى الساعة الحادية عشرة مساءً".

روايات سعودية متسقة

وعلى الرغم من حداثة رواية زيد نسبياً حول دور مؤثر لقوات سعودية في معركة الكرامة، إلا أن المكتبة السعودية تزخر بعدد لا بأس به من المؤلفات عن مشاركات الجيش السعودي في حروب عام 1948 والاستنزاف عام 1976، فيما وثق فيلم "ما زالوا أحياء”  للمخرج الفلسطيني سعود مهنا، قصص المقاتلين السعوديين في حرب 1948 في فلسطين، مسجلاً شهادات لعوائل فلسطينية اختلطت بهم، بحسب ما ذكرته الباحثة السعودية منال الزهراني في مقال على موقع منشور .

وأشارت الباحثة إلى أنه على الجانب الآخر لم توثق الرواية الأردنية الرسمية أي دور للقوات السعودية، حيث لم يتحدث الملك الحسين، في مذكراته، عن دور الجيش السعودي المرابط في الأردن بعد 10 سنوات عن النكسة ولا عن الدعم السعودي الذي قُدِّم في قمة الخرطوم عام 1967 بعد النكسة، حينما منحت الرياض الأردن دعماً مالياً بلغ 17 مليون جنيه إسترليني فضلاً عن العتاد العسكري.

وأوضحت الباحثة أنه عندما سئل الملك حسين عن بناء قوته العسكرية بعد النكسة، اكتفى بالإشارة إلى السعودية بقوله: "منذ ذلك الحين زودنا العراق ببعض الدبابات لتعويض جزء مما خسرناه، وعقدْنا مؤخراً مع الأمريكيين اتفاقاً لإعادة تجهيزنا. نستعين ببعض المعدات من جيراننا".

وبينت أن العاهل الأردني "لم يتطرق في شهادته إلى فرقة المظليين من الحرس الوطني السعودي، مكتفياً بالقول إنه ‘لم يكن في الأردن سوى 16 طياراً لقيادة أسطول جوي من 32 طائرة هوكر هونتر، لذلك كان يستحيل على طائراتنا القيام بأي مناورة دون مساعدة الطيران العراقي والسوري‘".

وأضافت: "رغم أن المشاركة العراقية حظيت بالمدح في شهادة الملك، إلا أنها لم تسلم من ‘التقليل‘ شأنها شأن المشاركة السعودية"، ونسبت له قوله في مذكراته "لكن هذه الإمدادات لم تأتِ، أو على الأصح جاءت القوات السعودية حين انتهى كل شيء، أما العراق فقد قال في البداية: لا".

وفسرت الباحثة قلة الروايات عن الدور العسكري السعودي في الأردن بقولها "يمكن إحالة جزء كبير من غموض التوثيق إلى كون الجيش السعودي لم يشارك بشكل منفصل وقيادي، بل كان منضوياً تحت الجيش العربي الأردني كقوة داعمة بقيادة الفريق المصري عبد المنعم رياض، وجرت العادة إلى إشارة المصادر التاريخية إلى المجموعة بمصطلحات ‘الجيش العربي‘ أو ‘القيادة العربية الموحدة‘ أو ‘الجبهة الأردنية‘". 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard