هل اللغة العربية متحيزة ضد النساء؟

الأربعاء 4 سبتمبر 201907:30 ص

يذكر لنا التراث في كتاب الأغاني لأبي فرج الأصفهاني، أن أبا الأسود الدؤلي سمع ابنته تقول: ما أجملُ السماء؛ بضم اللام في (أجمل) فقال لها: النجوم؟ قالت الابنة: بل أتعجّب من السماء؛ فقال لها قولي: ما أجملَ السماء بفتح اللام في (أجمل). بناءً على هذه الحكاية وضع الدؤلي النحو العربي وكان بابه الأول في التعجّب وأفعال التفضيل.

فما الذي نستنتجه من هذه القصة؟ هل هي مجرّد حكاية تأسيسية تفسيرية موضوعة لنشأة النحو العربي، أم كما يستشهد بها آخرون على تحيّز النحاة العرب ضد المرأة الذين ربطوا اللحن بالمرأة كما ذكرت الدكتورة زُليخة أبو ريشة في كتابها (اللغة الغائبة – نحو لغة غير جنوسية) ودكتورة الفلسفة في جامعة دمشق: نجوى قصاب حسن، في مقالة لها تستهجن بأنّ اللغة العربية متحيّزة ضد المرأة عندما ساوت بين المرأة العاقلة والحيوان غير العاقل في جمع المؤنث السالم، ولقد ذكرت ذلك الدكتورة زُليخة في كتابها المذكور سابقاً، كذلك أورد الطاهر لبيب في كتابه (سيسيولوجيا الحب العذري) فصلاً في التحيّز اللغوي الجنسي ضد المرأة.

يقول ابن جني: إن تذكير المؤنث واسع جداً؛ لأنّه ردّ فرعٍ إلى أصل، لكن تأنيث المذكّر أذهب في التناكر والإغراب.

يذكر ابن الأنباري في كتابه (البُلْغة) أن: أصل الأسماء التذكير والتأنيث ثان له. ومن نفس المنحى يقول سيبويه: الأشياء كلها أصلها التذكير ثم تختص. ويجاريه في ذلك أبو علي الفارسي، كذلك يقول أبو حيان التوحيدي في كتابه الهوامل: كل مؤنّث أصله مذكّر في اللغة العربية.

بعد أن عرضنا تلك الأمثلة التي تقول بأن المذكّر هو الأصل في اللغة العربية، لنا أن نقول بإن النظريات اللسانية التي تقول بالحتمية اللغوية وإن الإنسان أسير لغته، فلا يستطيع رؤية العالم إلّا من خلالها، كما فرض الباحثان اللغويان سابير- وورف (Sapir-Whorf) ليست نهاية المطاف؛ كما نجد عند علماء لغة من أمثال جفري سامسون، وستيفن بنكر الذي قال: "لا تبدو فكرة كون اللغات تقولب التفكير مُقنعة إلا حين كان العلماء يجهلون كيف يعمل التفكير أو كيف يمكن دراسة الفكر نفسه. أمّا الآن وقد استطاع علماء الإدراك معرفة كيفية التفكير عن الفكر، فإنّ احتمال كونهما شيئاً واحداً قد تضاءل بشكل كبير".

جمع العقّال

يذكر د. عبد الله الغذامي في كتابه (المرأة واللغة)، بأن شروط جمع المذكر السالم في مقابل شروط جمع المؤنث السالم متحيّزة ضدّ المرأة، فمن أهم شروط جمع المذكر السالم أن يكون عاقلاً في حين لا فرق بين المرأة والشيء غير العاقل في جمع المؤنث السالم، فنقول طالبة/ طالبات – طاولة/ طاولات. لكن يحقّ لنا أن نبني تساؤلات على ملاحظة الدكتور الغذامي، فماذا عن جمع كلمة (رجل) فقد أخرجت هي الأخرى من جمع المذكر السالم مع أنها خصيصة المذكر!؟ والسبب في منعها من اللحاق بجمع المذكر السالم لأنّه اسم جنس للذكور! أليس غريباً هذا التعليل من النحاة، مع أنّ كلمة (رجل) تدلّ على ذكر عاقل خال من تاء التأنيث!

شروط جمع المذكر السالم أن يكون علماً لمذكر عاقل، خالياً من التأنيث والتركيب من مثل: طلحة – عبد الله؛ فهما لا يجمعان جمعاً مذكراً سالماً على الرغم من أن طلحة عاقل كذلك عبد الله، ولا نستطيع أن نبرر عدم جمعهما لوجود بعض المجانين لهم أسماء كطلحة وعبد الله، وعليه نستنتج أن التاء في طلحة والتركيب في عبد الله أقوى من الذكورة العاقلة!

ونضيف على تساؤلنا عن غرابة شرط العقل في جمع المذكر السالم، فالملحقات بجمع المذكر السالم كألفاظ العقود من عشرين إلى تسعين وكلمتي: (أولو- أهلون) تخرجان عن شروط المذكر السالم ومع ذلك تجمعان جمعاً مذكّراً سالماً، والسبب في إلحاقها بجمع المذكر السالم بأن لا مفرد لها من جنسها! وعليه لماذا لم تجمع ألفاظ العقود والكلمات الملحقة الأخرى جمعاً مؤنثاً سالماً.

وهكذا نصل إلى أنّ تاء التأنيث والتركيب وعدم وجود مفرد لجمع ما أقوى من شروط جمع المذكر السالم.

للحقيقة، الاستفهام الذي وضعه الدكتور الغذامي ضروري لكي نعيد النظر فيما اعتبرناه بداهات، فظلمنا اللغة وسمحنا للممارسات الاجتماعية أن تفرض صيغة تهمّش المؤنث.

يقول ابن جني: إن تذكير المؤنث واسع جداً؛ لأنّه ردّ فرعٍ إلى أصل، لكن تأنيث المذكّر أذهب في التناكر والإغراب، فهل اللغة العربية متحيزة للمذكر أم أنّ استخدامها هو سبب هذا التحيز؟ 

الجنس النحوي

إنّ ارتباط اللغة بالجنس كمفهوم وفعل يجعل من حضور ذكر واحد في مجموعة من الإناث يختفين! هكذا يقول النحاة، لكن لنلاحظ الآية القرآنية التالية ومن ثمّ نحكم على رأي النحاة: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً). لنا أن نضع علامة استفهام كبيرة على رأي النحاة، فليس خطأ أن نقول: (أيتها الطالبات والطالب).

إنّ نسق الخطاب اللغوي العربي عندما لا يتم تخصيصه بأنثى أو حيوان يعود إلى الرجل، إلى ضميره الغائب أو الحاضر. فضمير الذكر: هو/ أنت، هو الأساس في بنية أي خطاب لغوي عربي. ومع ذلك لنلاحظ المثالين التاليين: (قالت العرب – قال نسوة) في التعليل فالعرب قبائل كثيرة، لذلك أُنث فعل (قال) بإضافة تاء التأنيث مع أنّ في هذه القبائل العربية ذكوراً كثيرين. في الحالة الثانية ترك فعل (قال) مع النسوة مذكراً لأنهن قلّة! وفي حسبة رياضية نستنتج الجمع أقوى من القلّة.

يمكن أن نجعل لغتنا العربية أداة في دعم المساواة، في تبني خيارات لغوية غير جنوسية، تخدم التنوع والتعددية

في المفاضلة بين الذكر والأنثى يذكر لنا التوحيدي جدلاً دالاً على طبيعة منظومة التفكير اللغوية العربية، فينتصر للذكر على حساب الأنثى: "جرى حديث الذكور والإناث، فقال الوزير: قد شرّف الله الإناث بتقديم ذكرهن في قوله تعالى: "يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُور". قلت في هذا نظر، فقال الوزير: ما هو؟ قلت: قدّم الإناث ولكنّه نكر وأخّر الذكور ولكن عرّف والتعريف أشرف من النكرة بالتقديم. ثم قال الوزير هذا حسن. قلت: ولم يترك هذا أيضاً حتى قال: "أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً" فجمع الجنسين بالتنكير مع تقديم الذكران أي الذكور".

لكن لنتقوّل على رأي التوحيدي بأقوال النحاة: "النكرة أصل والمعرفة فرع" والأصل أقوى من الفرع، فهل يبقى لتعليله من جدوى. إن ذكر الآيتين لدى التوحيدي دليل على أنّه لا فضل في التقديم والتأخير، والشيء الآخر أن وجود هذا الجدل في التراث العربي دليل على أن في الإمر (إنّ)، فليس الأمر كما قرّر النحاة بأنّ هذه طبيعة اللغة بل هي رغباتهم.

تاء الفصاحة

ينظّر النحاة أن كلمة (زوجة) تغدو أفصح إن حذفت تاؤها، فتصبح (زوج) كما جاء في القرآن الكريم: ((وَإِنْ أَرَدْتُمْ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ). ومع ذلك نرى ابن عباس يقول في جنازة ميمونة زوج الرسول: "هذه زوجة النبي صلى الله عليه وسلم فإذا رفعتم نعشها فلا تزعزعوها ولا تزلزلوها وارفقوا". فهل خرج ابن عباس/ حبر الأمة عن نهج الفصاحة!؟

وفي نهاية هذه الفقرة نختم بأن الفرج أخص خصيصة أنثوية في المرأة يأتي مذكراً كما يذكر ابن التستري، لكن في المقلب الآخر من أسماء خصيتي الذكر: الأنْثيين التي تقع تحت جذر (أنث). في هذه المفارقة تردّ اللغة العربية على من يمكرون بها فتمكر بهم بشدّة.

اللات والعزى ومناة

بالعودة إلى الزمن الجاهلي حيث كانت آلهة العرب أنثوية من مثل اللات والعزى ومناة، كانوا يطلقون على أبنائهم أسماء من مثل: عبد اللات أو عبد مناة أو عبد العزى! وهنا نتساءل إذا كانت ميتافيزيقية شعب ما تحكمه آلهة أنثوية، فلماذا لغته ذكورية!؟

تبتدأ التوراة بالقول: "في البدء كان الكلمة" ومع ذلك يستمر الخطأ الشائع ونقول: (في البدء كانت الكلمة!) فهل لا شعورنا اللغوي يردنا إلى الأصول الفطرية للغة بعيدًا عن سلطة الذكر!؟

حكمت فكرة اعتباطية علاقة الدال بالمدلول، أي الكلمة بمعناها، زمناً طويلاً من البحوث اللغوية والآن مع تطور وتعمّق تلك البحوث بدأت تلك الحتمية اللغوية تهتز وتتكشف تأثيرات النسق الثقافي الذكوري على اللغة، ولقد أضافت الكشوف أنّ اللغة بنية اجتماعية تتبدّل بتغيّر الأزمان كما يذكر ميخائيل باختين.

يتبدّى هذا المقال للقرّاء وفق نحو اللغة العربية الذي اعتدنا عليه، لكن هناك في العمق، لغة برمجية آلية، لا ذكورية ولا أنثوية مجرد: صفر- واحد. ومن هنا وفي نهاية هذا المقال لا بدّ من العمل بالمشاركة مع القرّاء لتغيير واقع اللغة العربية وشبهة عنصريتها تجاه النساء.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard