الفن وحرية التعبير ومستقبلنا الإنساني المشترك

الأربعاء 28 أغسطس 201904:00 ص

لم يكن متخيلاً أن يثير حضور فنان هذا الزخم من الحيوية، كما فعل حضور الموسيقي وعازف التشيللو الصيني الأمريكي يويوما، في العاصمة اللبنانية بيروت.

قَدِم يويوما إلى لبنان لإحياء حفلٍ في مهرجانات بيبلوس، ضمن إطار جولته العالمية التي شرع فيها منذ سنوات، والمخصّصة لتقديم متتاليات يوهان سباستيان باخ 1685 – 1750، المؤلَّفة لآلة التشيللو، ولكنه وفي نهاية الحفل فاجأ الجمهور بأدائه على آلة التشيللو لحن أغنية لفرقة "مشروع ليلى" كنوعٍ من التعاضد مع هذه الفرقة التي تعرّضت للتهديد من قبل متشدّدين بسبب محتوى أغانيها، وأُلغيت الحفلة التي كان من المقرّر للفرقة تقديمها في مهرجانات بيبلوس.

وفي اليوم التالي، قدم يويوما برفقة عازف الكلارينيت "كنان العظمة"، أداءً موسيقياً في "بيت بيروت"، وهو فضاء ثقافي فاعل، مُقام في بناء مايزال يحمل آثار الحرب الأهلية اللبنانية، تم تحويله إلى مساحة للمعارض الفنية والحفلات الموسيقية، من بلكون البناء عزف الموسيقيان، يويوما والعظمة، للجمهور الذي حوّل الشارع إلى قاعة استماع، ما جذب فضول المارة للإنصات، كمؤشر على أثر الفن في الفضاء العام. كذلك، عزف يويوما مقطوعةً تجريبيةً في نادي Frequent defect المتخصّص بالموسيقى التجريبية والإلكترونية، كمحاولةٍ منه لتشجيع هذا النوع من الأماكن الثقافية والموسيقية في المدينة.


يويوما

يويوما: الفن في سبيل توسيع أفق التفكير المشترك

في الجامعة الأمريكية في بيروت، عُقدت ندوة بمشاركة يويوما وعددٍ من الفنانين والفاعلين الثقافيين، حملت عنوان "الثقافة وحرية التعبير"، بدأها مدير الجامعة الأمريكية في بيروت، د. فضلو خوري، بكلمة ترحيبٍ بالموسيقي يويوما ووضعه في إطار الشخصيات العالمية التي تنشر مفاهيم الإنسانية والفنون، وتطرّق إلى حادثة إلغاء حفل "مشروع ليلى" كمؤشرٍ على ضرورة العمل المستمرِّ لتوسيع أفق حرية التعبير. واعتبر د. خوري أن الثقافة هي الأداة الوحيدة والأكثر فاعلية في مواجهة التطرّف، وأضاف قائلاً: "إن دور الفن والموسيقى هو إثارة النقاش والجدل في المجتمع، وإن عليهما تسليط الضوء على قضايا حقوق الإنسان".

كلمة يويوما في الندوة تركّزت حول أهمية التعاون والعمل المشترك: "لأن ما يمكن أن نفعله معاً لا يمكن لنا تحقيقه فرادى"، وطالب بالتركيز عما هو مشترك عند الجماعة البشرية، وشارك يويوما الحضورَ أفكاره حول الاهتمامات المشتركة للإنسانية، وأكّد أن الفضول لمعرفة موسيقى الآخر وثقافته برهان على إمكانية التعاون والتفاعل بين الحضارات، وختم كلامه بالقول: "على الفن والعمل الثقافي فتح أفق التفكير الإنساني المشترك".

"لأن ما يمكن أن نفعله معاً لا يمكن لنا تحقيقه فرادى"... من كلمة الموسيقي وعازف التشيللو الصيني الأمريكي يويوما في الجامعة الأمريكية في بيروت، التي تحدث فيها عن قدرة الفن على فتح أفق التفكير الإنساني المشترك


صورة  من الندوة 

ريما مسمار: على الفن أن يوسع أفق حرية التعبير

ريما مسمار، مديرة الصندوق العربي لدعم الثقافة والفنون "آفاق"، ركّزت في مداخلتها عن ضرورة دعم الإنتاج الثقافي في العالم العربي، وأكّدت على دور المؤسسات الثقافية المستقلّة في دعم الثقافة والفنون، واعتبرت أن معيار النجاح في العمل الثقافي يُقاس بمقدار ما يمكن تحقيقه من مشاريع ثقافية وأعمالٍ فنية، التي تهدف في النهاية إلى توسيع أفق حرية التعبير. واعتبرت "مسمار" أن المؤسسات المستقلّة الداعمة للثقافة في العالم العربي تسدُّ عجزاً وفراغاً ناتجاً عن غياب دور الدولة في دعم الفنون، ما يرتب على المؤسسات الثقافية ضرورة الاستمرار والفاعلية، وأكّدت أن دعم الفنانين والمثقفين والكتاب يجب أن يكون الهدف الأساسي لأي مؤسسةٍ ثقافيةٍ، وبمقدار ما تحقق المؤسسات هذا الدعم للفنانين والمثقفين، بمقدار ما تُعتَبر مساهِمةً في تكريس مبادئ الحرية والتحرر. أما عن دور الفن في المجتمع، فرأت أن دور الفن هو دعوة الناس إلى النقاش والحوار، وأيضاً توسيع أفق حرية التعبير: "يجب ألا يكون الفن بعيداً عن المجتمع، وعلينا إعادة خلق التفاعل بين المجتمع والثقافة، بحيث يكون الفن فاعلاً في قضايا المجتمع".

عمر أبي عازار: المسرح بغاية خلق السرديات

عمر أبي عازار، مخرج وعضو مؤسس في فرقة "زقاق" المسرحية، تناول جانباً آخر، وهو أثر العمل الفني على الفنان نفسه: "أعمالنا المسرحية تساعدنا على الاستمرار والبقاء، إنه أثر الفن على الفنان نفسه"، وأكّد على قدرة المسرح في خلق سردية، ما يجعله قادراً على التأثير في الزمان والمكان. لكنه انتقد طريقة تعامل المجتمع اللبناني مع ذكريات الحرب وآثارها، فطالب بعدم إخفاء الجروح أو تجميلها، بل بالتأنّي في التعامل معها، بل وأيضاً بالكشف عن جمالياتها، وقدّم نموذجاً لوجهة نظره، هو مشروع "بيت بيروت" الذي جعل من بناءٍ دمّرته الحرب فضاءً ثقافياً تُقدَّم فيه المعارض والحفلات الموسيقية.



جاد خوري: "الحرب والربيع العربي ألهماني"

رسام القصص المصورة الكوميكس جاد خوري، تحدث عن أثر الحدث السياسي والاجتماعي على الفنان. لقد شعر هذا الرسام بالدافع نحو الرسم والرغبة في الإنتاج أثناء الحرب اللبنانية، واستعاد هذه الرغبة مجدداً وبنفس قوة الدافع أمام حدث الربيع العربي، الذي رآه حدثاً موحِّداً للشعوب العربية، مؤيّداً حديث يويوما عن ضرورة التجمّع والتوحّد للفاعلية. أكّد خوري أن الربيع العربي وسّع من إمكانيات إنتاج فن الكوميكس، فتشكلت معه موجة تزداد اتساعاً يوماً بعد يوم. وأعطى الرسام مثالاً مشروع مجلة "السمندل" التي تُعنى بنشر القصص المصورة، والتي ساعد وجودها على انتشار هذا الفن واستمراريته، وعلى زيادة أعداد الفنانين المهتمين بهذا الفن.

على المستوى الحقوقي، تحدثت المحامية ليال صقر، عن مشروع "المفكّرة القانونية" كنموذجٍ لمشاريع دعم العدالة والدفاع عن حرية التعبير، وبيّنت أن الهدف الأساسي للمشروع هو تقديم الدعم الحقوقي والقانوني للنشطاء في مجال حرية التعبير، ومساعدتهم على تجاوز عوائق الرقابة. وكشفت أن المشروع مستمر في تحقيق ورشات عمل للتدريب على القوانين والقرارات التي تؤثر على مستوى حرية التعبير وتحقيق العدالة في لبنان.

ندى صحناوي: الفن يخلق هوية مشتركة

الفنانة التشكيلية والناشطة في مجال دعم الثقافة ندى صحناوي، دحضت مقولة أن الفن رفاهية، مؤكّدةً أن الفن في لبنان خصوصاً كان فاعلاً في تجاوز الانقسامات وتشكيل هويةٍ موحدة: "الفن يقودنا من التقسيم والتحزب إلى الهوية الجمعية، الفن لا يزدهر إلا في ظل حرية التعبير". وتحدثت الفنانة التشكيلية عن القوانين والأنظمة الإدراية في لبنان التي تجبر الأفراد على الانتماء إلى دين وطائفة الأب، وهذا ما يلغي حرية الاختيار: "لقد أدخل لبنان الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في دستوره، لكن العديد من القوانين مازالت بعيدة عن احترام حقوق الإنسان وحرية الاختيار. إن حقوق الإنسان وحرية التعبير لا يمكن أن تكون مجزّأة".

كنان عظمة

كنان عظمة: الفن ابتكار حر

وفي إطار الحديث عن التعاون والتعاضد بين الفنانين، تحدّث المؤلف الموسيقي وعازف الكلارينيت السوري كنان عظمة، عن نموذج التعاون القائم حالياً في لبنان بين الفنانين السورين واللبنانيين، وعدّه في إطار التعاون الثقافي المُثمر.

انطلق عظمة من الفن كممارسة: "صنع الفن هو نوع من الحرية، فالابتكار هو عمل إبداعي يختبر الذهن عبره ممارسة الحرية"، وانطلاقاً من الوعي بأهمية الحرية، بيّن عظمة أنه لم يركن كمؤلفٍ وعازفٍ موسيقي إلى أي من المدارس أو الأنواع الموسيقية، بل حرص على التجريب دوماً، وعلى محاولة مساءلة الذائقة العامة باستمرار، فحَرِص على التنويع والتجريب في الجماليات والأساليب الموسيقية.

أما عن دور الفن في المجتمع، فقال بإن الثورات العربية أثبتت أن الفن ليس رفاهية، بل هو ضرورة، فأصبح الفن وسيلة للتأثير في المجتمع، ووسيلة المجتمع في التعبير. وتطرق إلى الهوية الثقافية، واعتبر أن الزمن والتجربة يثبتان للإنسان قدرته على تبني هويات متعدّدة: "الزمن والتجربة يكشفان للإنسان قدرته على مراكمة هوياتٍ متعددة، وليس الانحسار في هوية وحيدة وثابتة".

المايسترو الموسيقي باركيف تاسلاكيان

تحدثت عن تجربة كورال "الفيحار"، واعتبر أن الكورال مثال نموذجي عن أهمية التعاون والتشارك، ونموذج للتنوع، حيث يجتمع المغنون والمغنيات متجاوزين الاختلافات، التباينات، والفوارق: "هكذا تجمع فرق الكورال أعضاء من جنسيات وثقافات وحضارات مختلفة"، ونبه المايسترو على أهمية تطوير الموسيقى العربية، وليس تغييرها أو فرض قواعد الموسيقى الغربية عليها: "لقد أدرجنا العديد من الأغاني العربية في البرنامج الفني للكورال. عبر الموسيقى بإمكاننا تحقيق ثورة على السياسيين الذين لا يأبهون لثقافتنا. أؤمن بدور الموسيقى في تغيير المجتمع".

فادي طفيلي: الفن الحر في التعبير عن الذات

الكاتب والصحفي فادي الطفيلي، لفت الانتباه إلى أن دور الدفاع عن حرية التعبير يقع على عاتق الأفراد، ذلك لأن المؤسسات دائماً ما تعمل ضمن أطرٍ رقابية، فالمؤسسات دوماً تراقب الإنتاج الصحفي، الفني أو الثقافي، وفي أي مؤسسة هناك نوع من الرقابة على الإنتاج. فالرقابة برأيه موجودة بسبب وجود المؤسسات، وبالتالي فإنه يحثّ الأفراد على إنتاج الفنون والثقافة النابعة من رغبة التعبير عن النفس: "دوماً ما كان هناك رقابة على الكتابة، الرسم، والموسيقى. حتى في العهد الذهبي للبنان في الستينيات من القرن الماضي، كانت الرقابة حاضرة، لكن دور الفاعلين في الثقافة والفن حدَّ منها، فكانوا أكثر قوةً وحضوراً".

وأخيراً، أدانت المسرحية حنان حاج علي، بمداخلتها ما جرى مع فرقة "مشروع ليلى" قائلة: "إن الفن فعل حرية". لقد اكتشفت طالبة الجيولوجيا التي كانتها حنان الحاج علي، عالمَ الفنون في الملجأ أثناء الحرب، حيث كان الهاربون إلى الملجأ يُظهرون المواهب بالغناء، وإلقاء الشعر، والعزف على الآلات الموسيقية، ومن هذا الاكتشاف تحولت من دراسة الجيولوجيا إلى دراسة المسرح، الذي اختارته بوصفه أداةً تمكنها من التعبير: "أرغب التعبير عن المسكوت عنه".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard