خذوا نفساً عميقاً وانصبوا خِيامَكم واسهَروا... في شاطئ وادي قنديل في سوريا

الثلاثاء 27 أغسطس 201904:29 م
Read in English:

Wadi Qandil Beach: Syria’s Secret Rave Nights

الصفحة الرئيسية في غوغل؛ نكتب: الشاطئ السوري

بنقرة واحدة نطالع أسماء أشهر نقاط العالم على هذا الشاطئ الممتدّ بطول يقارب المئة وثمانين كيلومتراً شرق البحر الأبيض المتوسط، ابتداء من كبرى المدن الساحلية وهي اللاذقية شمالاً، وطرطوس جنوباً، إلى مدن ومواقع أصغر، ومنها جبلة وبانياس ورأس البسيط؛ شواطئ رملية أو صخرية جميلة، ومنتجعات فخمة يصل إيجار الليلة الواحدة في بعضها إلى ما يقارب المئتي دولار أمريكي، رغم عدم تجاوز متوسط دخل الفرد في البلاد مئة دولار.

هل نرغب في مكان أقلّ شهرة وصخباً، وأيضاً تكلفة؟ ببعض البحث الدقيق أو ربّما بنصائح من أصدقاء يعرفون المنطقة جيداً، قد نتمكن من الوصول إلى واحد من أجمل الشواطئ السورية، وربما أكثرها سكوناً، وهو "وادي قنديل".

يُطلق عليه البعض اسم "المكان السحري"، مع اللقاء الفريد بين البحر والجبل والنهر فيه وتمتّعه بمناخ معتدل، ويعتقد آخرون أنه الشاطئ السوري الأجمل على الإطلاق، والقادر في نفس الوقت على أن يجمع زواراً ومصطافين متنوعين للغاية، بين عائلات ذات دخل محدود، وشباب باحثين عن مكان هادئ لنصب الخيم والنوم على الشاطئ، وآخرين راغبين بقضاء عطلة نهاية أسبوع تجمع الهدوء صباحاً، والسهر والصخب في ساعات الليل المتأخرة.


بداية الرحلة: طريق جبلي وفطائر بفرن التنور

للوصول إلى وادي قنديل علينا أن نقطع مسافة خمسة وعشرين كيلومتراً إلى الشمال من اللاذقية، كبرى مدن الساحل السوري، وعلينا بعدها الانعطاف من الطريق السريع نحو آخر فرعيّ ينحدر مروراً بعددٍ من القرى الصغيرة المتناثرة بين الجبال، ومنها الباقة والتلجة والضامات ووادي قنديل. هنا لا ينبغي أن ننسى التوقف عند أحد محالّ صناعة خبز التنّور اليدوي، والتي يمتلكها بعض من أهالي تلك القرى، وتناول الفطائر المحشوّة بالجبن أو القريشة أو الزعتر مع كأس من الشاي.

في نهاية الطريق نصل إلى نقطة يمكننا عندها الانعطاف يميناً أو يساراً، وهنا تبدأ حكاية الوادي الذي يبلغ طوله حوالي أربعة كيلومترات، ويُعتقَد بأن اسمه جاء من قنديل كبير كان يوضع قديماً على تلة مرتفعة لينير الطريق للصيادين ليلاً، وليغمر نورُه مساحةً كبيرة من المياه والرمال.

يُطلِق عليه البعض اسم "المكان السحري"، مع اللقاء الفريد بين البحر والجبل والنهر فيه، وتمتّعه بمناخ معتدل، ويعتقد آخرون أنه الشاطئ السوري الأجمل على الإطلاق، والقادر في نفس الوقت على أن يجمع زواراً ومصطافين متنوعين للغاية

من شاطئ مجهول إلى وجهة سياحية

شاطئ رملي طويل تحيط به صخور مرتفعة وجبال خضراء وغابات الصنوبر والحمضيات يميناً وشمالاً. مياه ذات لون أزرق صافٍ للغاية، تبدو تحتها الأصداف والأحجار الصغيرة واضحة للعيان. قوارب صيد بكافّة الأحجام تبحر منذ ساعات النهار الأولى لتختلط أنوارُها ليلاً بأضواء المقاهي والمطاعم وأماكن السهر الممتدة على طول الشاطئ.

قبل حوالي عشرين عاماً، لم تكن لوادي قنديل أي شهرة تُذكر، وكانت منتجعات اللاذقية مثل الميريديان والشاطئ الأزرق هي المقصد الأساسي لمصطافي الساحل السوري.

يتذكّر سامح، وهو من روّاد الوادي منذ ذلك الوقت، مع سكنه في إحدى قرى ريف اللاذقية، بأن الوادي "لم يكن مكاناً، وإنما مجرّد بحر يقع ضمن نطاق قرى بسيطة يسكنها أناس دراويش لا يعيرون أيّ اهتمام للسياحة ويعملون في زراعة الليمون والزيتون. في نهاية التسعينيات كان الوادي يحتوي فقط على محلّين يستقبلان الزبائن الذين يحضرون معهم كلّ مستلزماتهم ويأتون بغرض السباحة، ولا يدفع الواحد منهم أكثر من خمسين ليرة سورية، والتي كانت تساوي حينها دولاراً واحداً".

وفي بداية الألفية الحالية، والتي ترافقت مع قفزة في صناعة الدراما السورية، توجّهت بعضُ شركات الإنتاج لتصوير عددٍ من المسلسلات وأيضاً الكليبات الغنائية على شاطئ وادي قنديل؛ "حينها أخذ الناس بالانتباه إلى جمال المكان، فبدأوا يقصدونه بغرضِ السِّباحة في شواطئه الرملية الساحرة؛ الأمر الذي لفت أيضاً نظرَ عددٍ من المستثمرين، فدخل الوادي مرحلةً جديدة من السياحة"، يتابع الشاب الثلاثيني في حديثه لرصيف22.


تطوّرت هذه المرحلة كما يقول سامح رويداً رويداً، فعشّاق التخييم نصبوا خيامهم على رمال الشاطئ، وأشعلوا النيران للسّهَر حولها ليلاً، ومجموعات الأصدقاء توجّهت إليه لقضاء عطل نهاية أسبوع مميزة، وفي الوقت ذاته انتشرت منشآت صغيرة كالشاليهات البسيطة والأكواخ الخشبية الصغيرة ومساحات الجلوس المظلّلة بأعواد القصب والقشّ والخيزران. كان ذلك مفيداً بالطبع لسّكان قرى وادي قنديل، والذين توجّه عدد منهم للتجارة السياحية فافتتحوا محالّاً صغيرة لتخديم السيّاح، ومنها البقاليات وأفران التنور وأماكن بيع الألعاب ومستلزمات البحر. 


يتذكّر عمر ملص، وهو مصوّر فوتوغرافي له من العمر اليوم 36 عاماً، تلك المرحلة جيداً، ويتكلّم عنها: "زرتُ وادي قنديل أوّل مرة عام 2000، وكان حينها مقصداً لعائلات الطبقة الوسطى الباحثة عن إجازة بسيطة وسعيدة وحيوية بما فيها من سهرات وغناء وموسيقى، ورمزاً لمن يعرفون تماماً كيف يستمتعون بجمال البحر دون تكاليف كبيرة، من فنانين وموسيقيين وموظفين".

تتضمّن تلك الذكريات التي يصفها الشابُّ بكونها "لطيفة للغاية" وجودَ بقالية واحدة، ومطعم صغير مختبئ على كتف النهر الذي ينتهي داخل البحر، ومحلّ شهير لبيع فطائر فرن التنور، إضافة إلى رحلات التخييم لمن يحبّون التوحّد مع الطبيعة والتواصل معها بأكبر قدر ممكن، والتي لا زال بنفسه مواظباً عليها حتى اليوم.

في بداية الألفية الحالية، والتي ترافقت مع قفزة في صناعة الدراما السورية، توجّهت بعضُ شركات الإنتاج لتصوير عددٍ من المسلسلات وأيضاً الكليبات الغنائية على شاطئ وادي قنديل

ومع مرور السنوات وصولاً إلى يومنا هذا، والذي يشهد انخفاض قيمة الليرة السورية بأكثر من عشرة أضعاف كواحدة من تداعيات الحرب، حافظتْ بعضُ منشآت الوادي على طابعها البسيط الشعبي، حيث يُسمَح للزبائن بالدّخول إلى الشاطئ مجاناً، ويمكن استئجار شاليهات متوسطة الجودة بمبالغ تتراوح بين عشرين وثلاثين دولاراً لليلة الواحدة، وتناول وجبة طعام غنية لا تكلّف أكثر من ثمانية دولارات؛ في حين اتجهت منشآت أخرى لتكون أكثر رفاهية، كالأكواخ الخشبية التي تبلغ أجرة الليلة الواحدة فيها حوالي ستين دولاراً وقد تصل حتى المئة، ولا يمكن دخول الشواطئ المتاخمة لها إلا بدفع رسوم قد تصل حتى خمسة دولارات للشخص، والتي تتضمن أماكن للسباحة ومطاعم وبارات ومحال مخصصة للعشاء والسهر.

السعادة بسلام: قبل وبعد الحرب، مكاننا المفضّل

تتنوع اليوم شرائح من يقصدون وادي قنديل، ومنهم من تعرّف إليه عن طريق أصدقائه أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي انتشرت في سوريا خلال السنوات العشر الأخيرة، ويعتبرونه مكانَهم المفضّل الذي بقي إلى حدٍّ ما بمنأى عن نيران الحرب التي لم تطله سوى بالحدّ الأدنى، حيث دارت معارك قريبة في ريف اللاذقية الشّمالي، ونُصبت مدافع حربية في مناطق محيطة به لفترة من الزمن، كما انخرط بعضُ سكّانه بالعمليات القتالية، وقضوا نحبهم أثناء المعارك الدائرة في أنحاء البلاد.

"السعادة المجانية"، هكذا يصف سامح روحَ المكان الذي طالما تميّز بنوع من الحرية التي لا يمكن العثور عليها في أي بقعة أخرى من سوريا وفق تعبيره، ويقصد بها حرّية الاستمتاع بصفاء الطبيعة وقضاء الأيام بين البحر والجبل والنهر دون قيود، وفي الوقت ذاته دون التعرض إلى الإساءة لأحد.

هو مكاني المقدّس الذي لا يشبهه مكانٌ آخر في سوريا كلّها

ويشكّل الوادي الآن ملاذاً لكثير من الشباب السوريين الباحثين عن متنفّس بعيداً عن هموم الحرب كما تقول يارا محمود لرصيف22: "نشعر اليوم كشباب في العشرين من عمرِنا، وكطلّاب جامعيين بضغطٍ كبير ناتجٍ عن قيود المجتمع أولاً، وعن آثار الحرب الاجتماعية والاقتصادية والنفسية ثانياً. مع صعوبة السفر خارج سوريا وتكلفته الكبيرة، نقضي كثيراً من إجازاتنا في وادي قنديل والذي يجمع بين الطبيعة الأخّاذة والسِّعر المعقول وبين كونه مساحة فريدة من الحرية التي تشعرنا ولو بشكل مؤقت بأننا بعيدون عن أصواتِ الحرب وأحزانها التي لا تنتهي".

مع صعوبة السفر خارج سوريا وتكلفته الكبيرة، نقضي كثيراً من إجازاتنا في وادي قنديل، والذي يجمع بين الطبيعة الأخّاذة والسِّعر المعقول، وبين كونه مساحة فريدة من الحرية التي تشعرنا ولو بشكل مؤقت بأننا بعيدون عن أصواتِ الحرب وأحزانها التي لا تنتهي

ولا يخفي سامح وعمر تخوّفهما من تحول الوادي من مكان قادر على جمع مختلف شرائح الزوّار، وواحد من الشواطئ الرملية المجانية النادرة في سوريا اليوم، إلى منتجع برجوازي تجاريّ قد ترتفع أسعار الإقامة فيه لما يفوق قدرة معظم السوريين، خاصة مع إعلان وزارة السياحة السورية منذ أشهر افتتاح مجموعة من الأكواخ التابعة لها في الوادي، وتأجير الواحد منها، والذي يتّسع لأربعة أشخاص، بحوالي عشرين دولاراً أمريكياً.

"لا زلنا قادرين على إيجاد مكان لنصبِ خيامنا والنوم على الشاطئ، لكننا نخشى ألّا نتمكن من ذلك في السنوات المقبلة"، يقول عمر، ويضيف سامح ببعض من التفاؤل: "لا يزال المكان جميلاً، ولا يمكن لأحد أن يزيل منه البحر والجبل والنهر حتى لو تغيّرت طبيعة روّاده والمشاريع الاستثمارية المقامة فيه. لوادي قنديل طاقة غريبة تسحر كلَّ من يقصده، وتجعله أشبه بالمدمن على زيارة المكان والعودة إليه بشكل دوريّ. هو مكاني المقدّس الذي لا يشبهه مكانٌ آخر في سوريا كلّها".



إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard