الحشد الشعبي والضربات الجوية الإسرائيلية... إحراج وتخبّط حول الرد

الاثنين 26 أغسطس 201903:57 م

تهدد فصائل في الحشد الشعبي بين فترة وأخرى إسرائيل برد قاسٍ إذا ما حاولت الاعتداء عليها، وعادة ما تصدر هذه التهديدات بُعيد كل تصريح أو تلميح إسرائيلي بتنفيذ ضربة جوية إسرائيلية تستهدف "وكلاء" إيران في العراق أو "الميليشيات الشيعية". لكن في الفترة الماضية نفّذت إسرائيل بالفعل غارات على أهداف في العراق إلا أن أياً من تهديدات الحشد الحشد الشعبي لم تُنفّذ.

منذ أشهر ومخازن أسلحة تابعة للحشد الشعبي تتعرض إلى "قصف واستهداف من قبل طائرات مسيّرة مجهولة"، بحسب الروايات الرسمية التي صدرت سابقاً، وقيل في تقارير إن طائرات مقاتلة شاركت أيضاً في الأعمال الحربية، حتى أعلنت وسائل إعلام إسرائيلية أن حكومة بنيامين نتنياهو تقف وراء تلك العمليات، ثم توالى صدور تصريحات وتقارير تؤكد ذلك، لكن موقف الفصائل العراقية لم يتجاوز حتى اللحظة إصدار بيانات الاستنكار.

أكثر البيانات حدة في اللهجة أصدرته كتائب "حزب الله"، ثم تلتها فتوى "جهادية" من رجل الدين الشيعي المقيم في إيران كاظم الحائري، وهو معروف بأنه مرجع بعض الفصائل المسلحة، تدعو إلى "مقاومة" الأمريكيين واعتبارهم قوة "محتلة".

بحسب الأمين العام لكتائب سيد الشهداء أبو آلاء الولائي، وهي الكتائب التي استُهدفت مخازنها في مسعكر الصقر، فإن "نتائج التحقيق في الحادثة تشير إلى تعرض المعسكر إلى ضربة جوية، وإلى أن الطائرات المسيرة استمرت بالتحليق فوق المعسكر لمدة شهر قبل أن يتعرض للقصف". ووفقاً للولائي فإن "أكثر من 13 مخزناً لعتاد الحشد الشعبي تم تفجيرها منذ آب/ أغسطس 2018".

استغراب عدم الرد

يبدو عدم رد الحشد حتى على المصالح الأمريكية في العراق حتى هذه اللحظة، مستغرباً. وهناك مجموعة احتمالات لتفسير ذلك بحسب مراقبين، أولها أنه لا يريد توسيع الصراع كي لا يخسر المكاسب السياسية الداخلية التي حققها في الفترة الماضية، وثانيها أنه ينتظر إشارة من إيران والأخيرة تدرس تناسب رد فعل حلفائها العراقيين مع مصالحها.

وظهر الخلاف في هيأة رئاسة الحشد، ففي 21 آب/ أغسطس، خرج نائب رئيس هيأة الحشد أبو مهدي المهندس ليقول إنه "القائد الفعلي للحشد"، في مؤتمر صحافي، واتهم إسرائيل بالوقوف وراء عمليات استهداف مخازن أسلحة الحشد.

لكن بعد ساعات، وفي منتصف الليل، أصدر رئيس الهيأة فالح الفياض بياناً قال فيه إن كلام نائبه، أبو مهدي المهندس، "لا يمثل وجهة نظر الحكومة العراقية ولا الحشد الشعبي".

يتحدث الخبير في شؤون الجماعات المسلحة هشام الهاشمي لرصيف22 عن الأسباب التي أدت إلى موقف الحشد الحالي، ويشير إلى أن أحدها هو عدم امتلاكه القوة الرادعة والهجومية التي تهدد تل أبيب، ولا المنظومة الجوية التي تمنع الخروقات الجوية الإسرائيلية.

ويضيف أن "الحشد الشعبي لا يستطيع سوى تهديد المصالح الأمريكية في العراق، من بعثات دبلوماسية إلى مقار شركات واستثمارات ورجال أعمال ورعايا، فضلاً عن السفارة الموجودة في المنطقة الخضراء، لكن على مستوى المواجهة المباشرة لا يمكن مقارنة إمكانيات الحشد بإمكانيات واشنطن".

ويرى أن "السبب الآخر وراء موقف الحشد الحالي، هو عمله ضمن منظومة الانسجام والتنسيق مع طهران، وربما ينتظر الضوء الأخضر للقيام ببعض العمليات".

وهدد رئيس الحكومة العراقية الأسبق نوري المالكي برد قوي على إسرائيل إذا ثبت تورطها في قصف مواقع الحشد، وقال إن "العراق سيحوّلها إلى ساحة حرب تجر إليها العديد من الدول بما فيها إيران".

إحراج حكومي

ما زالت المواقف العراقية غير الرسمية ضمن إطار التهديد الإعلامي، دون تحركات سياسية أو عسكرية دولية أو داخلية، أما على مستوى الموقف الرسمي للحكومة، فلا موقف حتى الآن، لكن هناك مساعي داخل مجلس النواب العراقي لعقد جلسة "طارئة" بالتنسيق مع الكتل السنية والكردية.

منذ وقت طويل وفصائل في الحشد الشعبي العراقي تهدد إسرائيل برد قاسٍ إذا ما حاولت الاعتداء عليها. لكن في الفترة الماضية نفّذت إسرائيل بالفعل غارات على أهداف في العراق إلا أن أياً من تهديدات الحشد لم تُنفّذ
إسرائيل استهدفت مواقع تابعة للحشد الشعبي العراقي 13 مرة بدون أي رد من الحشد... هناك مجموعة احتمالات لتفسير ذلك بحسب مراقبين

قد يذهب الحشد باتجاه تشريع قانون لـ"خروج القوات الأمريكية" من العراق، لكن هذا لن يكون سهلاً في ظل القبول السنّي والكردي بوجودها من أجل "تحقيق التوازن" مع المكوّن الشيعي، لذا يبدو هذا الاحتمال شبه مستحيل حالياً، خاصة في ظل عدم وجود قوة عربية سنّية عسكرية موازية لقوتي البيشمركة الكردية والحشد الشيعي.

وإذا ما تحركت فصائل في الحشد باتجاه البدء بالمقاومة العسكرية، فإن أول الأهداف قد تكون السفارة الأمريكية في بغداد، وسبق للقيادي في حركة عصائب أهل الحق والنائب عنها في البرلمان العراقي، حسن سالم، أن تحدث قبل أيام عن "وجود غرفة عمليات إسرائيلية داخل السفارة الأمريكية".

ويقول سالم لرصيف22 إن "العراق يمتلك القوة والقدرة على حماية أراضيه من الاعتداءات، ونحن قادرون على إخراج القوات الأمريكية عسكرياً وسياسياً، وسنبدأ بالعمل من داخل مجلس النواب، لكن إذا لم يتحقق الأمر مهما كانت الأسباب فإننا سنلجأ إلى الخيار المسلح الذي تعرفه واشنطن جيداً".

ويضيف أن "موقف الحكومة العراقية الصامت غير مبرر، وربما يزيد من الاعتداءات الإسرائيلية"، ويتابع: "نحن في فصائل المقاومة لدينا خياراتنا السياسية والعسكرية، ولدينا أيضاً القدرة التسليحية على استهداف المصالح الأمريكية في البلاد".

وجهت للحشد الشعبي ضربتان بعد قرار رئيس الحكومة العراقية عادل عبد المهدي بمنع تحليق أي طائرة أجنبية فوق الأجواء العراقية من دون موافقته شخصياً، وهو ما وضعه في موقف محرج أمام الحشد وتحالف الفتح الذي يضم أحزاباً تابعة لفصائل مسلحة، لذا بدا موقفه "مرتبكاً" بحسب مراقبين.

يقول رئيس المجموعة العراقية للدراسات الاستراتيجية واثق الهاشمي لرصيف22 إن "ما يحدث الآن من إرباك داخل الحشد سببه وجود قوة تريد العمل داخل الدولة وأخرى لا تريد ذلك، وهذه الثانية تنتظر الأوامر من الخارج للقيام بعمليات عسكرية أو بردات فعل".

ويضيف: "ربما لا أحد من فصائل الحشد الشعبي يمتلك القدرة التسليحية التي يمكنها أن تصل إلى تل أبيب أو تستهدف مصالح أمريكية خارج العراق باستثناء كتائب حزب الله، وهؤلاء أيضاً لن يتحركوا حالياً دون التنسيق مع حلفائهم في طهران".

ويتهم الحشد الشعبي الطيران الأمريكي بمساعدة الطائرات المسيّرة الإسرائيلية على قصف قوات الحشد على الحدود مع سوريا، ويقول إن طائرتين مسيّرتين دخلتا في 25 آب/ أغسطس إلى عمق الأراضي العراقية في محافظة الأنبار "ما أدى إلى استشهاد قيادي في كتائب حزب الله يدعى أبو علي الدبي وإصابة آخر بجروح بليغة".

ينتظر كثيرون ما ستذهب الأمور إليه. البعض متحمس للرد وكثيرون يخشون من عواقب تصعيد الصراع. وبينهم تقف الحكومة العراقية حائرة وتحاول إبعاد بلادها عن التحوّل إلى ساحة أخرى من ساحات الصراع الإيراني-الإسرائيلي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard